قرار المجلس الدستوري حول موازنة 2026: تكريس صريح وخطير لمفهوم “العرف الدستوري”
28/03/2026
أصدر المجلس الدستوري القرار رقم 4 بتاريخ 26 آذار 2026 والذي قضى بردّ الطعن المتعلق بموازنة 2026 مع إبطال مادة واحدة وهي المادة 46 التي تمدّد مهل اكتساب غير اللبنانيين الحقوق العينيّة العقاريّة في لبنان كونها من فرسان الموازنة التي لا يتوجب تضمينها في قانون الموازنة العامة. وعلى الرغم من أن القرار كرّر اجتهاد المجلس الدستوري في مسائل محدّدة لكنه انطوى على مقاربات جديدة كان لا بد من معالجتها.
غياب قطع الحساب وعودة الحالة الشاذة
أعاد المجلس الدستوري التذكير باجتهاده السبق والمستقرّ، إذ اعتبر أن “إقرار الموازنة بدون قطع الحساب يشكّل مخالفةً دستوريّة سبق لهذا المجلس أن أكّد عليها في جميع قراراته في الطّعون التي وردتْه في الموازنات العائدة للسنوات 2017 وما يليها، مبيّناً بشكل واضح أنّ غياب قطع الحساب يعطّل دور وصلاحيّات ومسؤوليّات السلطة التشريعيّة وديوان المحاسبة، و’يعطّل بالتالي الرقابة المالية المناطة بموجب الدستور بالسلطتين التشريعية والقضائية، ويخالف بشكل فاضح أحكام المادة 87 من الدستور”.
لكن المجلس اعتبر أن الحفاظ على الانتظام العام يحتّم عدم إبطال الموازنة على الرغم من صدورها من دون قطع حساب نظرًا لأهميّتها الكبيرة. وهذا ما يظهر من خلال إعطاء المادة 32 من الدستور الأولوية لإقرار الموازنة خلال عقد تشرين الأول، وكذلك تخويل السلطة التنفيذية في المادة 86 من الدستور صلاحية إصدار الموازنة بمرسوم في حال فشل مجلس النواب في البتّ بها قبل نهاية كانون الثاني، كذلك حقّ مجلس الوزراء بطلب من رئيس الجمهورية بحلّ مجلس النواب في حال قام هذا الأخير بردّ الموازنة برمّتها من أجل شلّ يد الحكومة عن العمل.
لذلك يعدّ المجلس الدستوري “إن قطع الحساب اعتمد من أجل تحديد الخلل في تنفيذ موازنة سابقة والاسترشاد به لوضع موازنة لسنة قادمة، وبالتالي اعتمد وضع قطع الحساب من أجل الموازنة ولم تعتمد الموازنة من أجل قطع الحساب”، ما يعني أن غاية قطع الحساب هي الموازنة وليس العكس ما يوجب عدم إبطالها في حال لم تقترن بصدور قانون قطع حساب.
ويعيد المجلس الدستوري تفعيل مفهوم الحالة الشاذة المتمثلة في غياب قطع الحساب لسنوات طويلة فيعتبر أن تلك الحالة لا يمكن “أن تحول دون إقرار الموازنة العامة للعام 2026” لكن “على أن يجري سريعاً الخروج من الحالة الشاذّة هذه ووضع قطع حساب وفق القواعد التي نصّ عليها الدستور وقانون المحاسبة العامة لعودة المالية العامة إلى الانتظام”. وهكذا يصبح جليًّا أن المجلس الدستوريّ يعتبر أنّ مخالفة الدستور لسنواتٍ عدّة أدّت إلى خلق حالة شاذة تبرّر مخالفة الدستور مجددا كون “البديل، أي عدم إقرار الموازنة ونشرها، يؤدي إلى إطلاق يد الحكومة في الإنفاق دون تحديد أي سقف له، ما يشكل خللًا أكبر في النظام العام المالي ويلحق ضرراً فادحاً بمصالح البلاد العليا”. ويلحظ هنا أنّ المجلس الدستوري يعمد إلى المبالغة في توصيف تداعيات عدم إقرار الموازنة كون الدستور نفسه يقبل بإمكانية الصرف على القاعدة الإثنتي عشرية في حال التأخر بإقرار الموازنة العامة ما يعني أن الحكومة ستكون ملزمة بسقف للإنفاق إلى حين إقرار موازنة جديدة.
وعلى الرغم من أن الطعن أشار إلى أن قرارات المجلس الدستوري السابقة كانت قد شددت على ضرورة إقرار قطع الحساب ما يعني أن هذه القرارات، بحكم كونها ملزمة لجميع السلطات في الدولة، تلزم المشترع على احترامها مستقبلا عند اقراره الموازنة العامة، لكن المجلس الدستوري اكتفى بالقول أن هذه القرارات اتبعت “نهجاً ارشادياً وتوجيهياً حيث دعيت السلطة العامة إلى الخروج من دون تباطؤ من الحالة الشاذة المتمثلة في عدم وضع قطع الحساب توخياً لعودة المالية العامة للانتظام” من دون أن تتضمن الفقرة الحكمية في تلك القرارات “وجوب إبطال قانون الموازنة لعدم سبقه بقطع الحساب، فلا تكون بالتالي ثمة مخالفة لقوة القضية المحكمة”.
ولا بدّ من الإشارة إلى مخالفة كل من العضوين ميراي نجم والياس مشرقاني إذ أشارا انسجامًا مع موقفيْهما السّابقين بأن التّلازم بين إقرار قطع الحساب والموازنة هو موجب دستوريّ لا يمكن الخروج عنه ما يحتّم إبطال موازنة 2026 برمّتها. لا بل أنّ المخالفتين اتفقتا على اعتبار أن المجلس الدستوري في قراراته السابقة أوعز بضرورة إقرار قطع السحاب “سريعا وبدون تباطؤ” ما يعني أن المخالفة لا يمكن أن تستمرّ لسنوات طويلة بحجة وجود حالة شاذة الأمر الذي يؤدي وفقا للعضو ميراي نجم إلى “تطبيع مخالفة فادحة للدستور يتركها المجلس النيابي غير آبه بتحذيرات المجلس الدستوري وتوصياته، ما يشكل خرقاً متمادياً للدستور وتجاوزاً لقوة القضية المحكمة لقرارات المجلس الدستوري (…)، فتتحول هذه الحالة الشاذة سنة بعد سنة إلى قاعدة وتُفضي توصيات المجلس الدستوري إلى مجرّد رأيٍ استشاريّ غير ملزم، فيما أن قرارات المجلس هي قرارات مبرمة وملزمة للسلطات العامة كافة، وبالتالي يقتضي على السلطتين التشريعية والتنفيذية التقيّد بها لزاماً في إطار دولة القانون”.
استحضار العرف في مسألة التفويض الجمركي
لا شكّ أن أهم ما ورد في قرار المجلس الدستوري اتّصل ب المادة 55 من الموازنة العامة التي منحت الحكومة تفويضا تشريعيا في الحقل الجمركي لمدة تزيد عن السنتين. فقد وجد المجلس الدستوري نفسه لأول مرة في مواجهة معضلة دستورية حقيقيّة وقد حاول الخروج منها عبر تبنّيه موقفًا مثيرًا للجدل لكنه في الآن نفسه ينطوي على مبادئ دستورية بالغة الأهمية.
فمن المعلوم أنّ المجلس الدستوريّ كرّس في العديد من قراراته السّابقة مبدأ عدم جواز تخلّي مجلس النّواب عن صلاحيّاته التشريعيّة في المسائل التي يحفظها له الدستور، أي أنّ تفويض الحكومة بإصدار مراسيم اشتراعيّة لا يجوز في حال كانت هذه الأخيرة تتعلق بموضوع نصّ الدّستور صراحةً على وجوب إقراره بقانون.
أمام صراحة هذا الاجتهاد كان لا بدّ للمجلس الدستوريّ أن يعمد إلى إبطال المادة 55 كونها تخالف بشكل واضح ولا يقبل أي تأويل المادة 81 من الدستور التي تحصر صلاحية إحداث الضّرائب بمجلس النواب والمادة 82 التي تنصّ على أنّ تعديل أو إلغاء أيّ ضريبة يحتاج أيضًا إلى قانون.
لكن المجلس الدستوري انتبه لتداعيات منع التفويض الجمركيّ على الاستقرار الاقتصاديّ في المجتمع معتبرًا ‘أن الطابع الخاصّ الذي يتّصف به نظام فرض الرسوم الجمركية لجهة الاستعجال في إقرارها ولجهة تحضيرها الذي يستدعي في الكثير من الأحيان السرّية التامّة، لا يتلاءم مع المناقشات العلنية في مجلس النواب، إضافةً الى تأثيرها المالي والاقتصادي، ما أدّى الى الشّذوذ عن هذه القاعدة الدستورية فدرجت العادة أن تصدر الرسوم الجمركية بقرار من السلطة التنفيذية، على أن تعرض على السلطة التشريعية فيما بعد”.
وقد توسّع المجلس في مناقشة هذه النقطة معتبرًا أن “المصلحة العامة واستمراريّة الدور الجمركي الفعال تفرضان بقاء السلطات المختصة مهيّأة في كل وقت لاتّخاذ الإجراءات الضروريّة ووضعها موضع التنفيذ، وذلك بالنظر لطابع السرعة الذي تتّسم به التشريعات الجمركية ولطابع السرية خلال فترة دراستها وإعدادها وحتى إصدارها، وهذا ما دفع بإبقاء عملية التشريع في الحقل الجمركي منوطاً بالسلطة التنفيذية الممثلة بالحكومة باعتبارها أداة لتحقيق سياستها الاقتصادية والإنمائية”. ويضيف المجلس الدستوري أن الهدف من هذا “التفويض الاستثنائي” هو الحدّ من الوقت الطويل للعملية التشريعية في مجلس النواب “ما يسمح للسلطة التنفيذية بتعديل الرسوم والتعريفات الجمركية بالسرعة والسرية التامّتين بهدف ضمان التوازن بين حماية الصناعة الوطنية (رسم مكافحة الإغراق) واستقرار أسعار الاستهلاك، وتفادي استغلال التّجار لهذه الفترة عبر المسارعة لتخزين البضائع ترقّباً لارتفاع أسعارها”.
ولا شكّ أن تحليل المجلس الدستوري سليم إذ هو يجد في طبيعة التعرفة الجمركيّة “الآنية والسرية” مبرّرًا لمنح الحكومة تفويضًا تشريعيًّا استثنائيًّا في مجال حصره الدستور صراحة بمجلس النواب. وقد ذكر المجلس بأن هكذا تفويض يوجد منذ 1950 ما يجعله مألوفًا. وهذا تحليل صحيح أيضًا على الرغم من أنه لا يشرح الظروف التاريخيّة التي حتمت على النظام الدستوري اللبناني تبنّي هكذا خيار.
فالتنظيم الجمركي وتحديد التعرفة الجمركية كان خلال الانتداب الفرنسي من صلاحيات المفوض السامي الذي كان يتولّى إصدار التشريعات اللازمة بموجب قرارات تشمل لبنان وسوريا كون التنظيم الجمركي كان مشتركًا بين البلدين. لا بل أن التشريع الجمركي كان منفصلا عن الدستور اللبنانيّ وهذا ما يظهر جليًّا في قرار المفوض السامي رقم 3115 الصادر في 14 أيار 1930 والذي أنشأ مجلسًا للمصالح المشتركة للدول المشمولة بالانتداب، وكان من ضمن صلاحيّاته تقديم الاستشارة للمفوّض السامي في المسائل التي كانت تدخل في حساب إدارة مداخيل ومصاريف دوائر المصالح المشتركة ومن بينها التشريع الجمركي.
وقد جاء قرار المفوّض السامي هذا متلازما مع إصدار المفوّض السامي سنة 1930 لدساتير الدول الخاضعة للانتداب الفرنسيّ (دستور دولة سوريا، النظام الأساسي لسنجق الإسكندرونة، القانون الأساسي لحكومة جبل الدروز، القانون الأساسي لحكومة اللاذقية، دستور الجمهورية اللبنانية). وقد تمّ إرسال جميع هذه النصوص علاوة على القرار رقم 3115 من قبل المفوض السامي إلى وزير خارجية فرنسا في 14 أيار 1930 بوصفها القانون الأساسي للدول المشمولة بالانتداب الفرنسي، ما يؤكد على الطبيعة المنفصلة للتشريع الجمركي حينها عن النظام الدستوري اللبناني.
لكن مع الاستقلال وزوال الانتداب انتقلت المصالح المشتركة إلى الدولة اللبنانية والسورية. وقد تجلّى ذلك مع المرسوم الاشتراعي رقم 1 الصادر في 16 آذار 1944 الذي أنشأ المجلس الأعلى للمصالح المشتركة ومنحه صلاحية إدارة مصلحة الجمارك. وقد نصت المادة السابعة من المرسوم الاشتراعي المذكور على التالي: “يعدّ المجلس الأعلى المشاريع التي لها صفة تشريعيّة ويعرّضها على مجلس الوزراء في لبنان وسوريا حتى إذا أقرّها بقراريْن متطابقيْن صادريْن عن كل منهما أذن للمجلس الأعلى بنشرها وتنفيذها”. وهكذا يتبيّن أن صلاحية التشريع الجمركيّ انتقلت من المفوض السامي إلى مجلس الوزراء في لبنان مباشرة بعد زوال الإدارة الفرنسية للمصالح المشتركة. ومع الانفصال الجمركي بعد القطيعة الاقتصادية بين لبنان وسوريا سنة 1950، تمّ تبنّي تشريع جمركيّ جديد وقد حصل ذلك بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 2 الصادر في 23 آذار 1950 والذي قضى بإنشاء المجلس الأعلى للجمارك في لبنان كي يمارس الصلاحيات التي كانت تعود للمجلس الأعلى للمصالح المشتركة بعد انتفاء مبرر وجوده بسبب الانفصال بين لبنان وسوريا، علمًا أن مجلس النواب منح الحكومة مباشرة بموجب القانون الصادر في 17 تشرين الأول 1950 صلاحيات التشريع في الحقل الجمركي بموجب مراسيم تتّخذ في مجلس الوزراء “ولها أن تفوض بهذه الصلاحيات أو بعضها للمجلس الأعلى للجمارك”.
جرّاء ما تقدم، يصبح جليّا أن التفويض التشريعي في الحقل الجمركي يجد مبرراته ليس فقط في طبيعة التعرفة الجمركية وضرورة الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي ولكن أيضا في السياق التاريخي الذي رافق إنشاء الدولة اللبنانية.
لكن المجلس الدستوري، على الرغم من صوابية كلّ هذا التحليل، لم يتمكن من إيجاد مبدأ دستوري يسمح له بالحفاظ على التفويض الجمركي لذلك عمد إلى استحضار أكثر المفاهيم الدستورية إشكالية وأخطرها في النظام اللبناني. فقد خلص المجلس إلى أن “هذا التدبير أصبح مألوفاً على مرّ السنوات، وجاء في هذا السّياق نصّ المادة 55 من القانون المطعون فيه، فبات عرفاً دستوريا نشأ عن استعمالاته المتعددة”، مضيفًا أن “العرف ينشأ تلقائياً في ظروف كلّ بلد ويكون أقرب إلى الواقع والحاجات العملية، ما يدفع الدستور ليكون أكثر انسجاماً مع المتطلبات الحقيقيّة للمجتمع، ومواكباً كذلك للتغيرات التي قد تطرأ على المستويات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وبهذه الطريقة يمكن للدستور الجامد أن يستفيد من مرونة العرف بدل أن يخضع لتعديلات قد تكون صعبة المنال في الكثير من الأحيان”.
إن أهميّة هذا الاجتهاد تكمن في كونه أول تكريس واضح وصريح لعرف دستوريّ في لبنان. والأهمّ من ذلك أن هذا الاجتهاد يثبت ما دافع عنه دائما كاتب هذه السطور أن العرف لا وجود له في الحقيقة إلا في حال أعلنت عن وجوده السلطة القضائية المختصة. وبالحقيقة إنّ العرف الدستوريّ مسألة جدلية بامتياز وهي مرتبطة بشدة بالواقع السياسي كون القاعدة العرفية لا سند نصّي لها ولم يتمّ إنتاجها عبر الآليات التي فرضها الدستور بل هي نتيجة تكرار لممارسات تتحكّم بها الاعتبارات السياسيّة. لا بل يمكن القول أن استخدام مفهوم العرف الدستوريّ لا يحصل إلا عند الحاجة إلى مخالفة النص الدستوري مع تجميل تلك المخالفة وتقديمها كعرف مكمّل للدستور.
وإذا كانت المعالجة النظرية لإشكالية العرف في القانون الدستوري تخرج عن هدف هذا المقال، لكن تكريس المجلس الدستوري لهكذا عرف صريح يشكل خطوة جديدة في الحياة الدستورية للدولة اللبنانية، وهو تكريس أقلّ ما يقال عنه إنه إشكاليّ لأن حتى الفقهاء الذين يقبلون بموجود الأعراف الدستورية يشيرون إلى أنّه لا يمكن لهذه الأعراف أن تكون مخالفة للدستور (contra constitutionem)، علمًا أن المادة 55 من الموازنة هي مخالفة واضحة لمادة دستورية وهذا ما اعترف به المجلس الدستوري نفسه.
إن هذا الحل السهل الذي يتبناه المجلس الدستوري يمكن فقط تخيل مدى خطورته عند التفكير في أداء السلطة السياسية المسيطرة على المؤسسات الدستورية والتي تعمد دائما إلى التذرّع بوجوب أعرافٍ لتبرير خرق الدستور من أجل خدمة مصالحها. فأيّ ممارسة تتوافق عليها قوى السّلطة وتعمد إلى تكرارها يمكن لها الآن أن تتحوّل إلى عرف دستوري ما يعني أنّ النص والمبادئ الدستورية ستفقد جدواها إذ يمكن الاستغناء عنها بمجرد التحجّج بوجود ممارسات تكرّرت عبر الزمن.
فإذا كان التفويض الجمركي هو عرفٌ دستوريّ بسبب تكراره على الرغم من مخالفته المباشرة لنصّ دستوريّ، لماذا لا يمكن الاعتبار أنّ غياب قطع الحساب عند وجود حالة شاذة امتدّت لعشرات السنوات هو أيضا عرف دستوريّ؟
إن تكريس الأعراف الدستورية من شأنه أن يفتح الباب واسعا لممارسات لا يمكن توقّع مداها ولا وضع حدّ لها. لكن التحكّم بخطورة هذا المفهوم يعود للمجلس الدستوريّ نفسه، لذلك يمكن القول أنّ إيجابية القرار الحالي تكمن في اعترافه الضمنيّ بأنّ العرف لا وجود له إلا بعد إعلانه من قبل المجلس نفسه، ما يعني أن زعم أيّ جهة سياسية بوجود عرف معيّن يظلّ مجرّد رأي سياسيّ، وهو لا يمكن أن يكون ملزمًا لمؤسسات الدولة. لا بل أن توافق أحزاب السلطة على توصيف ممارسة معينة بأنها عرفية يظلّ مجرّد اجتهاد خاصّ ولا يمكن فرضه على الآخرين أو إلزام السلطات الدستورية بالسّير به. فقط إعلان السلطة القضائية المختصة (المجلس الدستوري أو مجلس شورى الدولة مثلا) بأن ممارسة معينة هي عرف دستوري يجعل من تلك الممارسة ملزمة للجميع.
ففي فرنسا أشار المجلس الدستوري سنة 1960 إلى وجود عرف برلمانيّ وهو مفهوم لا يتطابق كليا مع مفهوم العرف الدستوري، لا بل أن مفهوم العرف البرلماني ظلّ هامشيًّا جدّا في اجتهاد المجلس الدستوري الفرنسي. وللمفارقة أيضا أشار المجلس الدستوري اللبناني في قراره رقم 4 الصادر في 7 آب 1996 وبشكل مقتضب جدًّا أن تحديد ولاية مجلس النواب بأربع سنوات وثمانية أشهر يخالف “القاعدة العامة والعرف البرلماني” من دون أيّ شرح لهذا المفهوم. فمنع تمديد ولاية مجلس النواب لا يحتاج إلى وجود أعراف برلمانية بل هو يستند إلى مبدأ دورية الانتخابات المكرس في الدستور. من جهة ثانية، في حال التسليم بأن منع التمديد يستند إلى عرف ما، فإن هذا العرف ليس برلمانيا فقط بل هو دستوري بامتياز لأن مدة ولاية مجلس النواب هي مادة دستورية.
لذلك يمكن القول أن المجلس الدستوري كان مدعوا لإيجاد تبرير لهذا التفويض الجمركي ليس انطلاقا من مفهوم الأعراف الدستورية لكن من خلال إعمال مبدأ التناسب مثلا بين الفقرة “و” من مقدمة الدستور والمادة 81 منه. فالفقرة “و” تنص على أن النظام الاقتصادي حرّ ما يحتّم المساواة بين اللبنانيين لجهة خضوعهم للظروف الاقتصاديّة ذاتها بحيث لا تستفيد فئة من معرفتها المسبقة بإمكانية تعديل التعرفة الجمركية على بعض المواد والسلع كي تحقق أرباحا على حساب المواطنين الذين يقومون فقط باستهلاك تلك المواد والسلع. وهكذا يصبح التفويض الجمركي وسيلة لتحقيق التوازن بين مبادئ دستوري مختلفة ما يبرر وجوده.
كذلك كان يمكن للمجلس الدستوري أن يجتهد من أجل الاستنتاج أن الطبيعة الخاصة للرسم الجمركي تجعله لا يدخل في عداد الضرائب المحددة في المادة 81 من الدستور بالمعنى الكامل. فالضرائب والرسوم التي حجزها الدستور للقانون هي تلك التي تتسم بالديمومة والثبات ويمكن توقعها بينما التعرفة الجمركية تتطلب قرارات آنية قد تتبدل في أي لحظة مع تطور السياسة الخارجية للدولة والموازين الاقتصادية المتحكمة بالتجارة العالمية. وهذا ما أظهرته التجربة التاريخية في لبنان جليا إذ سارع مجلس النواب دائما إلى منح الحكومة الصلاحيات التي تخولها الإبقاء على الاستقرار الجمركي. وهذا ما كانت الأسباب الموجبة لقوانين التفويض في خمسينات القرن الماضي تشير اليه دائما إذ نصت مثلا الأسباب الموجبة لمشروع قانون التفويض الذي احالته الحكومة بموجب المرسوم رقم 3490 بتاريخ 28 كانون الأول 1953 على التالي:
“إن الرسم الجمركي ضريبة من نوع خاص لا تقصد منها جباية أموال للخزينة فحسب بل تفرضها ضرورات الاقتصاد الوطني كما تفرض تعديلها تبعاً لتطورات الحالة الاقتصادية مع العلم بأن فرض هذه الضريبة وتعديلها يستوجبان من الخبرة والدروس الفنية والمراقبة المستمرة ما لا يمكن أن تضطلع به غير هيئة مختصة تتابع سير هذه الأمور بحكم عملها اليومي.
… إن التدابير الجمركية تستدعي في أغلب الأحيان سرعة ومبادرة لا تتفقان مع الأصول البرلمانية وما تقتضيه هذه الأصول من معاملات.
…. إن إعداد التشريع الجمركي لاسيما فيما يتعلق بتعديل التعرفات يستوجب الكتمان الأمر الذي يتناقض مع المناقشات التي تجري في اللجان البرلمانية وعلانية الجلسات النيابية.
…. إن إعطاء صلاحية التشريع للحكومة فيما يختص بالأمور الجمركية أمراً سائرًا في أكثر بلدان العالم، وقد كرسته المؤلفات العلمية الحديثة.”
فبدل الركون إلى مفهوم غامض وخطير لكن سهل كالعرف الدستوري، كان يمكن للمجلس الدستوري أن يبذل مشقّة إضافيّة من أجل إنقاذ التفويض الجمركي لكن انطلاقًا من مبادئ دستورية مختلفة. فمخالفة التفويض الجمركي لإجتهاد المجلس الدستوري الثابت بعدم جواز التفويض التشريعي في المواضيع التي حجزها الدستور صراحة لمجلس النواب لا تعني بالضرورة مخالفة النص الدستوري إذ كان يمكن عبر التأويل الهادف الحفاظ على التفويض الجمركي من دون اللجوء إلى مفهوم العرف المثير للجدل.
ومن النقاط الملتبسة أيضا التي ألمح إليها المجلس الدستوري من دون شرحها إشارته السريعة بأنّ العادة درجت على منح السلطة التنفيذية صلاحية بإصدار الرسوم الجمركية بقرار “على أن تعرض على السلطة التشريعية فيما بعد وهذا ما يسمى loi de Cadenas”[1]. والغريب أن قوانين التفويض في لبنان لم تكن تشترط عرض القرارات التي تتخذها الحكومة بخصوص التعرفة الجمركية على مجلس النواب، فمن أين جاء هذا الربط وهل هذا يعني أن قرارات خلو قانون التفويض من هكذا شرط يجعله مخالفا للدستور؟
لا يجيب المجلس الدستوري على هذه الأسئلة. والحقيقة أن وجود موجب في قانون التفويض بعرض قرارات الحكومة على البرلمان يجد مصدره في التجربة الفرنسية خلال الجمهورية الثالثة الفرنسية (1875-1940). فقد نقل “أوجين بيار” أن صلاحية البرلمان السامية في الشؤون المالية تمنع تعديل ولو تعرفة جمركية واحدة من دون وجود قانون. لكن البرلمان أجاز بسبب الضرورات الاقتصادية للحكومة تعديل التعرفة على السكر والحبوب على أن تعرض هذه التدابير على البرلمان فور انعقاده. وفي سنة 1897 تم تبني القانون الذي ذكره المجلس الدستوري (loi de Cadenas) الذي يجيز للحكومة وضع الرسوم الجمركية حول الحبوب والنبيذ واللحوم التي اقترحتها في مشاريع قوانين موضوع التنفيذ بمراسيم ما يعني أن البرلمان سيبتّ بهذه الرسوم عند نظره في مشاريع القوانين تلك. وقد استمرّ هذا النهج إذ كانت قوانين التفويض (وهي تفويضات محدودة جدّا وليست شاملة كما في لبنان) تشترط عرض التدابير على المجلس مباشرة في حال كان في دورة انعقاد أو بمجرد انعقاده عند افتتاح الدورة[2].
وهكذا يتبين أن المجلس الدستوري يقول أن قرارات الحكومة يجب أن تعرض على مجلس النواب لكنه يصمت عندما يقوم بدراسة المادة 55 من الموازنة فلا يشرح لنا هل أن التفويض الجمركي يجب أن يقترن دستوريا بضرورة عرض قرارات الحكومة على مجلس النواب أو أن ذلك لا حاجة له. فالمنطق الدستوري يفرض أن تعرض تلك القرارات على مجلس النواب صاحب الصلاحية الأصلية بالتشريع لكن المجلس الدستوري يهمل هذه النقطة الجوهرية ولا يكمل تحليله إلى نهايته المنطقية.
وإذا كان المجلس يكرر الإشارة إلى جواز تفويض الحكومة والسلطة التنفيذية صلاحيات تشريعية في الحقل الجمركي لكنه لا يعالج مدى جواز قيام الحكومة بدورها بتفويض تلك الصلاحية إلى المجلس الأعلى للجمارك كون ت المادة 55 من الموازنة تنص أيضا في فقرتها الثانية على التالي: “فيما يتعلق بالتعريفات الجمركية، للحكومة أن تمارس هذا الحق مباشرة أو تنيب المجلس الأعلى للجمارك أن يمارسها”. فإذا كان تفويض الحكومة يخالف الدستور لكن العرف يبرر تلك المخالفة (ما يعني أن العرف بات تعديلا ضمنيا للدستور وهو أمر مستغرب جدا في القانون الوضعي)، فكم بالحري تفويض الحكومة صلاحياتها التشريعية الجديدة إلى إدارة لا تخضع للرقابة السياسية لمجلس النواب؟
وينسحب صمت المجلس الدستوري على مدّة التفويض التي تنتهي وفقا للمادة 5 من الموازنة في في 31 كانون الأول 2028. فخلال الخمسينات من القرن الماضي، كان التفويض يستمر لمدة سنة كحدّ اقصى ومن ثم بدأ بالتوسع إذ صدرت بعض القوانين التي منحت تفويضًا جمركيًّا لمدة سنتين أو ثلاث سنوات ومؤخرا خمس سنوات. لذلك كان على المجلس وضع ضوابط للتفويض كون تخلّي مجلس النواب عن صلاحياته بشكل دائم لا يجوز والتفويض لا يمكن أن يكون إلا خلال مدة محدّدة ما يوجب العودة دائما إلى البرلمان من أجل تجديد التفويض.
فهل استحضار مفهوم العرف يشكّل مسوّغًا كافيا لتأمين غطاء دستوري لكل تلك التفاصيل التي أهملها المجلس الدستوري في قراره، إذ حينها يكشف مفهوم العرف عن حقيقته أي قدرته على تبرير القبول بأي مخالفة للدستور بحجة وجود عرف ما.
زيادة الاعتمادات وإضافة موادّ على الموازنة
أتاحت موازنة 2026 الفرصة للمجلس الدستوري لمعالجة مسألة مخالفة المادة 84 من الدستور التي تمنع على مجلس النواب خلال مناقشة الموازنة، زيادة الاعتمادات المقترحة من قبل الحكومة. ومن المعلوم أن لجنة المال والموازنة أضافت مواد وعدلت في الاعتمادات الملحوظة من تلقاء نفسها قبل إحالة مشروع الموازنة إلى الهيئة العامة ما يطرح إشكالية دستورية جدية.
وقد لاحظ المجلس الدستوري أن لدى المقارنة بين مرسوم إحالة مشروع الموازنة وقانون الموازنة يتبين أن هذا الأخير “تضمن زيادة حوالي /4000/ مليار ليرة لبنانية، فيشكل ذلك مخالفة للمادة 84 من الدستور”. وأضاف بأن الطاعنين قالوا بوجود زيادة في النفقات العائدة لكل من وزارة الصحة ومجلس الجنوب والهيئة العليا للإغاثة بدون تقديم أي إثبات”، لا بل أن “الطاعنين لم يحددوا بالتفصيل البنود أو الفصول والأبواب التي جرت زيادة اعتماداتها، ومقدار الاعتمادات التي نقلت من بند إلى بند أو من فصل إلى فصل أو من باب إلى باب، لتمكين المجلس الدستوري من معرفة ما إذا كانت هذه الاعتمادات الاضافية هي موضوع زيادة أو نقلها (هكذا وردت في القرار)، كي يتسنّى إبطالها، بعد تحديد موقعها ضمن نطاق الزيادة الإجماليّة المحدّدة بـ 4000 مليار على مرسوم مشروع الموازنة، مع التنويه بأنّ الزّيادات المشار إليها آنفاً بالنسبة لوزارة الصحة والهيئة العليا للإغاثة ومجلس الجنوب تفوق بأضعاف الفارق بين مجموع الاعتمادات في مشروع الحكومة وتلك الواردة في المادة 2 من القانون المطعون فيه، الأمر الذي يؤول إلى رد طلب الإبطال”.
ولا شكّ أنّ موقف المجلس الدستوري هذا يصعب فهمه، إذ هو يقرّ بوجود زيادة في الاعتمادات لكنه يلقي عاتق إثبات هذه الزيادة على الجهة الطاعنة وإلا سيتمّ الاكتفاء بردّ الطعن. فإذا كان المجلس في اجتهاده الثابت يعتبر أنه بمجرد الطعن بالقانون بإمكانه النظر بجميع أحكامه من دون التقيّد فقط بالنقاط التي تثيرها الجهة الطاعنة، فمن البديهي الاستنتاج أن المجلس يتوجب عليه التدقيق من تلقاء نفسه بأرقام الموازنة لمعرفة أيّ الاعتمادات التي تمّت أضيفت خلافا للدستور من دون انتظار ذلك من الطاعنين.
ولا بدّ من الملاحظة أن المجلس الدستوري قام بتوضيح مسألة ملتبسة في هذا المجال إذ اعتبر أنه لا يحقّ لمجلس النواب زيادة الاعتمادات خلال مناقشة الموازنة لكن يعود له “تعديل تلك الاعتمادات أو نقلها من بند إلى بند أو من فصل إلى فصل أو من باب الى باب، شرط ألا يتخطّى السقف الإجمالي للاعتمادات المقترحة في مشروع الموازنة” ما يعني أن البرلمان يحقّ له زيادة الاعتمادات المقترحة في بند محدد إذا اقترن ذلك بتخفيض مقابل لاعتمادات أخرى بمبلغ يوازي الاعتمادات المضافة.
ولا شكّ أن هذا الأمر يحتمل النقاش لأن هدف الدستور هو منع النواب من فرض إنفاق إضافيّ من أجل تحقيق مصالح انتخابية. ففي حال تمكن النواب من زيادة اعتمادات بند معين عبر تخفيض بنود أخرى فلا شيء يمنع هؤلاء من تسخير الأموال العامة حينها لتحقيق مصالح انتخابية خاصة عبر التلاعب بأرقام الموازنة من خلال المحافظة على سقف الإنفاق الذي حددته الحكومة لكن بعد تحوير هذا الانفاق عن غايته الأصلية. فمنع زيادة الاعتمادات كي يكون مجديا يفترض منع زيادة الإنفاق المرصود في كل بند من بنود الموازنة وهذا ما يغفله المجلس الدستوري.
وفي السياق نفسه، يرفض المجلس الدستوري القول بأنّ إضافة موادّ على مشروع الموازنة الذي تقدّمت به الحكومة يشكّل مخالفة للدستور “كون المادة 84 من الدستور قيّدت السّلطة التشريعيّة، كما سبق بيانه، بقيد واحد هو عدم تجاوز سقف القيمة الإجمالية لإعتمادات الموازنة أو القيمة الإجمالية للاعتمادات الإضافية، فلا يشمل هذا القيد من قريب أو بعيد مجموع موادّ مشروع قانون الموازنة أو مواد مشروع قانون فتح الاعتماد الإضافي”. وهذا تحليلٌ سليم لأنّ صلاحيات مجلس النواب التشريعية لا يمكن الحدّ منها إلا بنصّ دستوريّ صريح، إذ هو يبقى حرًّا بتعديل الموازنة عبر إلغاء أو دمج أو إضافة موادّ وتعديلها شريطة عدم مخالفة الأصول التي يفرضها الدستور عليه.
لكن الغريب هو أن المجلس الدستوري يسكت مجدّدًا عن مسألة أثارتها الجهة الطاعنة التي اعتبرت أن إضافة لجنة المال والموازنة موادّ يشكّل مخالفة لصلاحيات الحكومة التي يمنحها الدستور في المادة 83 صلاحيّة إعداد مشروع الموازنة ما يعني ضرورة الحصول على موافقة مجلس الوزراء على تلك الإضافات. وعلى الرغم من أن المجلس الدستوري يقول بأنه أرسل كتابا إلى مجلس الوزراء من أجل معرفة هل تم الحصول على موافقة هذا الأخير على تعديلات لجنة المال والموازنة وأنه تلقى جوابا على سؤاله هذا “وضمّ للملفّ”، من دون أن يشرح ما هو فحوى هذا الجواب. وهكذا يهمل المجلس هذه النقطة علمًا أن القرار الحالي باعتباره أن القيد الوحيد هو عدم زيادة الاعتمادات يكون قد أجاب بشكل غير مباشر على هذه النقطة، إذ يمكن الاستنتاج أن موافقة مجلس الوزراء هي غير ضروريّة إلا إذا كانت التعديلات تؤدّي إلى زيادة الاعتمادات في مشروع الموازنة. لكن موافقة مجلس الوزراء لا يمكن أن تتمّ في هذه الحالة بمجرد قرار بل أن ذلك يتطلب إحالة مشروع قانون جديد بمرسوم يتضمن تلك التعديلات وهذه نقطة أيضا لا يعالجها المجلس الدستوري.
وفي النهاية يخلص المجلس الدستوري إلى مناقشة المواد التي يمكن أن تكون دخيلة على الموازنة فيصل إلى نتيجة أنها كلها ذات طابع ضريبيّ أو ماليّ باستثناء المادة 46 حول تمديد مهل اكتساب غير اللبنانيين الحقوق العينية العقارية في لبنان فيعتبرها تندرج ضمن مفهوم “فرسان الموازنة” أي أنها من البنود الدخيلة ما يوجب إبطالها.
في الخلاصة، يمكن القول أن أهمّ تطوّر كرّسه هذا القرار لا يتعلّق بالموازنة فعليّا لكن بالقانون الدستوري بشكل عامّ عبر استحضاره مفهوم العرف ومنحه تكريسًا قضائيًّا ما يشكل حدثًا دستوريًّا مكتمل الأوصاف. وعلى الرغم من خطورة تكريس هكذا مفهوم نظرًا لارتباطه الشديد بالممارسة السياسيّة وإمكانية إساءة استخدامه من أجل جعل النظام الدستوريّ في لبنان أكثر جمودًا، لكن مسألة التفويض الجمركيّ تتّسم بطابعها التقنيّ والماليّ ما ينزع عنها أيّ رغبة بتحقيق مصالح سياسيّة، هذا فضلًا عن أنّ القرار بإعلانه عن هذا العرف بشكل صريح يكون قد اعتبر أن الممارسات لا تصبح ملزمة لمؤسسات الدولة إلا عندما يتمّ القبول بها كأعراف دستورية من قبل السلطة القضائية.
[1] وهذه الكلمة تعود ‘إلى كلمة catenaccio الايطالية حيث شاعت هذه الممارسة القانونية في الأمور الجمركية إذ كان يقال أن الحكومة وضعت قفلا على البضائع المخزنة بانتظار رفع التعرفة من قبل البرلمان:
Riccardo Dalla Volta, Des modifications provisoires des impôts sans le consentement préalable du pouvoir législatif en Italie. Le Catenaccio, Revue du droit public et de la science politique en France et à l’étranger, Tome premier, (janvier-juin 1894), 1894 (p. 42-46).
[2] Eugène Pierre, Traité de droit politique, électoral et parlementaire, Librairies-Imprimeries réunies, Paris, 1924, p.585-586.