أضرار مادية جسيمة جرّاء غارة إسرائيلية بالقرب من مركز للصليب الأحمر في تبنين (قضاء بنت جبيل)

اقتراحان لتنظيم الصليب الأحمر وحماية شارته: اعترافٌ بدور اجتماعيّ استثنائيّ في ظلّ مقتلة المسعفين

فادي إبراهيم

20/05/2026

انشر المقال

ورد على جدول أعمال جلسة الهيئة العامة لمجلس النواب في  تاريخ 21/5/2026 (والتي تمّ إرجاؤها اليوم من رئيس مجلس النواب نبيه برّي)، اقتراحا قانون يتعلّقان بتنظيم الصليب الأحمر وحماية شارته. الاقتراحان قُدّما من النواب آلان عون وميشال موسى وإبراهيم عازار في تاريخ 7/4/2021، إلّا أنّ درسهما لم يبدأ سوى في العام 2025 حيث نوقشا ضمن إطار لجنة فرعية في اللجان المشتركة على مدى 7 اجتماعات أسفرت عن إدخال تعديلات عدّة عليهما قبل إقرار الصيغة النهائية لهما في 15 كانون الأول 2025.

 

وقد انطلق الاقتراح الأول وفق ما جاء في أسبابه الموجبة من ضرورة إرساء إطار قانوني واضح وشامل يكرّس الاعتراف الرسمي من الدولة بدور الجمعية كجهة مساعدة للسلطات العامّة في المجال الإنساني ويوفّر لها التسهيلات والامتيازات اللازمة للقيام بمهامها. وفي الصيغة النهائية المعدّلة لاقتراح تنظيم الصليب الأحمر، تمّ التأكيد بداية على صفة المنفعة العامّة للجمعية المنشأة لهذه الغاية. ثم، تمّ منح جمعية الصليب الأحمر اللبناني الأولوية في مهام الإسعاف والطوارئ وبنوك الدم والتنسيق الصحي، مع إعفائها من كافة الضرائب والرسوم الجمركية والعقارية والبلدية ومنحها إمكانية إدخال المساعدات إلى لبنان من دون إذن مسبق. كما مُنحت الجمعيّة عن طريق وزارة الاتّصالات خطوط هاتف مجانية، فضلا عن تضمين الاقتراح مادة نصت صراحة على أن الدولة "تدعم … أنشطة  الجمعية من ضمن الموازنة السنوية لوزارة الصحة". وفي هذا الصدد، يبرز أيضا منح الجمعية في حالات الكوارث والأزمات والنزاعات المسلحة، الحق بالحصول على المعلومات ذات الطابع الشخصي لغايات الإغاثة خلافا لقانوني الحق في الوصول للمعلومات وقانون المعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي، كما والسماح للصليب الأحمر بنقل هذه البيانات الشخصية عبر الحدود. يُلحظ أيضًا أن اللجان المشتركة انتهت إلى حذف المادة المقترحة سابقا والتي ساوت بين شهداء الصليب الأحمر وشهداء الجيش اللبناني من حيث الحقوق والتقديمات.   

أما الاقتراح الثاني فقد هدف إلى حماية شارة الصليب الأحمر التي يعود للجمعية وحدها الحقّ في استعمالها.  ويعود أصل هذا الاقتراح إلى أحكام اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولين الأول والثاني لعام 1977 الإضافيان إليها. وقد اعتبرت الأسباب الموجبة أنّه تطبيقًا لهذه الاتّفاقيات والبروتوكولات، يقتضي سنّ هذا القانون لتوفير الحماية اللازمة لهذه الشارة ومنع استعمالها إلّا من جمعية الصليب الأحمر.

ولئن كرس الاقتراح الثاني حصرية استعمال الشارة والزيّ الرسميّ لها، فإنه حظر استعمالها أو تسجيل هذه الإشارات من قبل أي هيئة معنوية أو الصيدليات أو الأطباء أو جمعية أخرى أو تسميتها بأي اسم مشابه للصليب الأحمر تحت طائلة الملاحقة الإدارية والقضائية وصولًا إلى حلّ من يستعمل هذه الإشارات أو الأسماء، فرض الاقتراح على الدولة اللبنانية اتّخاذ تدابير مشدّدة لحماية الشعار والاسم وعلى القضاء التحرّك عفوًا عند أخذه العلم بأيّ مخالفة، وصولًا إلى فرض عقوبات قضائية بالأشغال الشاقة لمدّة لا تقلّ عن سبع سنوات في حال التسببّ بضرر جسدي ناتج عن سوء استعمال الإشارات، أو الحبس حتى ثلاث سنوات وبغرامة تصل إلى 50 مرّة الحدّ الأدنى للأجور لمجرّد استعمال الإشارات من دون وجه حقّ ولو لم يقع ضرر، على أن تضاعف هذه العقوبات في حالات الحروب والكوارث. كما يمنح الاقتراح بصيغته النهائية قضاء الأمور المستعجلة الصلاحية لمنع حدوث المخالفات واتّخاذ التدابير العاجلة والضرورية ومن بينها حجز الأدوات وإتلافها.

 

تشريع أوّل للصليب الأحمر في لبنان

للمرة الأولى منذ تأسيسه عام 1945، يقف الصليب الأحمر اللبناني على عتبة الحصول على قانون خاص ينظم وضعه القانوني ودوره وموقعه ضمن الدولة والمجتمع بما يتناسب مع هذا دوره الوطني الذي شهده المجتمع اللبناني بأكمله في أصعب مراحل تاريخه المعاصر. هذا التطور ليس إجراءً تقنيًا، بل حدثٌ تشريعي وسياسي، لأنه ينهي عقودًا طويلة من الاكتفاء بالاعتراف الحكومي والواقع العملي، ويمنح الجمعية ضمانات ومكانة خاصّة، علمًا أن بعض ما تضمنه الاقتراح هو تأكيد على ما كانت الجمعية حصلت عليه من قبل. هذا ما نستشفه مثلا من منحها صفة المنفعة العامة لجمعية الصليب الأحمر، والتي كانت حصلت عليها من قبل  بموجب المرسوم 3039 في تاريخ 6/3/1986، سندًا للمرسوم الاشتراعي 87/1977. 

 

ويشكل إقرار قانون خاص لتنظيم هذه الجمعية بمثابة اعتراف رسميّ بأنها مكوّن أساسي من منظومة الحماية الإنسانية في لبنان، وركن من أركان التزام الدولة باتفاقيات جنيف. لا بل أنّ الاقتراح بصيغته النهائية ذهب إلى حدّ إيلاء الجمعية مهمّة التنسيق والتعاون ما بين الهيئات الصحية المحلية والمنظّمات الدولية المعنية، كما وقيادة عمليات الطوارئ الميدانية بما يعكس ثقة بكفاءة جمعية الصليب الأحمر. وبذلك، يكون الاقتراح قد تجاوز حدود الاعتراف إلى حد نقل جزء من السلطة العامة إلى جمعية الصليب الأحمر، وهو أمر يقبل الانتقاد لكونه يرشح عن تخلٍّ من الدولة عن المسؤولية السياسية في إدارة الطوارئ الميدانية إلى جمعية خاصة، التي ولئن أثبتت كفاءتها العالية إلا أنها تبقى خارج السلطات الرسمية.  

 

حماية شارة الصليب الأحمر وحده لا تكفي

 

يسعى الاقتراح الثاني إلى منح شارة الصليب الأحمر وحدها حماية حصرية من استعمالها من قبل أيّ جهة أخرى. والإشكال هنا يتأتى من أن حماية الشارات الإنسانية لا يمكن أن تُختزل بحماية شارة الصليب الأحمر حصرًا، لأن النظام الحمائي الدولي الذي أنشأته اتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الأول عام 1977 يقوم على وحدة متكاملة تضمّ هيئات كالصليب الأحمر والهلال الأحمر والكريستالة الحمراء بوصفها رموزًا متعادلة في القيمة القانونية بحسب ما أكّد عليه البروتوكول الإضافي الثالث الملحق باتفاقيات جنيف ويقتضي حمايتها بالطريقة نفسها. وعليه، فإنّ حصر الحماية في رمز واحد يجزّئ المنظومة ويخلق تفاضلًا بين رموزٍ تستمدّ شرعيّتها من المصدر نفسه وتؤدي الغاية عينها ألا وهي تأمين حماية الخدمات الطبية والإنسانية غير المقاتلة في زمن النزاعات والحروب، ومنع التضليل وإساءة الاستعمال التي تهدد حياة المدنيين والمسعفين على حدّ سواء.

من هنا، يصبح من المستغرب أن يُكرّس التشريع اللبناني حماية أحادية لشارة الصليب الأحمر من دون شمول الشارات الأخرى التي تحدّثت عنها اتّفاقية جنيف وبروتوكولاتها. إذ أن لبنان دولة طرف في اتفاقيات جنيف، وهذه الاتفاقيات تفرض على الدول التزامًا صريحًا بحماية جميع الشارات الإنسانية من دون تمييز. كما أن الواقع الاجتماعي اللبناني، حيث يشكّل الهلال الأحمر وغيره من الهيئات الإسعافية رمزًا إنسانيًا متعارفًا عليه ومرتبطة به مكوّنات مجتمعيّة واسعة، يجعل من أي حماية انتقائية أمرًا غير منسجم مع الحساسية الوطنية ومع الحاجة لتأمين حماية متساوية لجميع الطواقم التي قد تعمل تحت أيّ من هذه الشارات. وإغفال شارات أخرى يفتح بابًا خطيرًا للاستعمال الاحتياليّ أو الملتبس لشعارات بديلة لا تخضع لعقوبة، ما يقوّض وظيفة الحماية ذاتها، إذ يكفي أن يعتمد أي طرف مسيئ شعارًا قريبًا أو مشتقًا من الهلال الأحمر أو الكريستالة الحمراء ليفلت من العقاب، فيما يبقى القانون حارسًا لشارة واحدة فقط ولحسن استعمالها. 

ولا بدّ من التذكير هنا أنّه وبحسب الأخبار المتداولة عن قيادة الجيش اللبناني أنّ الإنزال الذي قام به الجيش الإسرائيلي في النبي شيت في 6 آذار 2026 استعملت فيه سيارتان مشابهتان لسيارات إسعاف. كما لا بد من التّذكير من حجم الاعتداءات على سيارات الإسعاف والمسعفين من قبل الجيش الإسرائيلي منذ 7 أكتوبر، وكلها قد تشكل جرائم حرب وفق القانون الدولي الإنسانيّ.  

وعليه، يجدر إعادة النظر في الاقتراح الخاص بحماية الشارة ليصار إلى اعتماد مقاربة شاملة لتعزيز حماية الطواقم الإسعافية ومعاقبة الاعتداءات عليها أو أي إساءة في  استخدام شاراتها أو سياراتها. 

 

 



لا تناسب في نقل البيانات الشخصية إلى الخارج

في حين تكرّس التسهيلات المذكورة ما كان ممنوحًا أصلًا للجمعية كونها تحمل صفة المنفعة العامة، فإنّ الجديد في هذا الصدد هو منحها في حالات الكوارث والأزمات والنزاعات المسلحة، الحق بالحصول على المعلومات ذات الطابع الشخصي لغايات الإغاثة خلافًا لقانوني الحقّ في الوصول للمعلومات وقانون المعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصيّ. وفي السّياق نفسه، ومن دون أيّ سبب موجب، نلحظ أنّ الاقتراح بصيغته المعروضة على الهيئة العامة للمجلس النيابي يسمح للصليب الأحمر بنقل البيانات الشخصيّة عبر الحدود ضمن إطار الأنشطة الإنسانية التي تضطلع بها. 

إنّ صلاحية الوصول إلى المعلومات الصحية أو العائلية قد تكون ضروريّة لإنقاذ الأرواح في بلد يتعرّض لحروب وأزمات متتاليّة. لكن لا يفهم السماح بنقل البيانات الشخصية إلى الخارج من دون تحديد الحاجة من ذلك والسبب في نقلها أو تفصيلٍ كافٍ للضمانات حول كيفيّة حمايتها وطبيعتها أو تحديد الجهات التي يُمكن نقل المعلومات إليها. ومن شأن غياب الضوابط في هذا الخصوص أن يمس بالخصوصية وأن يمس بسيادة لبنان على هذه البيانات.

وعليه، يقتضي في هذا الصدد وضع معايير واضحة للضرورة والتناسب في نقل المعلومات عبر الحدود، إضافة إلى وضع سجلّات للتدقيق في عمليات النقل والجهات المتلقّية والغاية منها وكيفية استرجاع البيانات بعد استنفاد العمل الإغاثي.

إسقاط اعتبار شهداء الصليب الأحمر كشهداء الجيش

أخيرا، نلحظ إزالة اللجان المشتركة النصّ الذي كان يساوي بين شهداء الصليب الأحمر وشهداء الجيش اللبناني من حيث الحقوق والتقديمات. ففي الصيغة الأولى التي قدّمها النواب عون وموسى وعازار، كان التوجّه نحو اعتراف رمزيّ وماديّ بعناصر الصليب الأحمر الذين يسقطون أثناء الواجب، بحيث تُمنح عائلاتهم معاملة مشابهة لعائلات شهداء المؤسسة العسكرية. هذا التوجّه كان يعكس تقديرًا لدور المتطوعين والمسعفين الذين يواجهون الأخطار نفسها التي تواجهها القوى العسكرية خلال النزاعات أو الكوارث، وغالبًا من دون حماية أو تجهيزات كافية. إلا أن الصيغة المعدّلة أسقطت هذا البند بالكامل، من دون أي تبرير. 

لكنّ إسقاط النص لا يجب أن يُنهي النقاش خصوصًا في ظلّ السياق اللبناني الحالي واستشهاد عددٍ من المتطوعين باستهدافات من قبل الجيش الإسرائيلي، فهو يكشف الحاجة إلى صيغة تسمح بالاعتراف بتضحيات عناصر الصليب الأحمر، من دون خلق التزامات مالية مطلقة أو مساواة لم تُدرس انعكاساتها. والواقع أنّ لبنان الذي عرف خلال الحروب والأزمات تضحيات جسيمة لمسعفيه مدعو إلى إيجاد إطار خاص للتعويض والحماية المهنية لعناصر الصليب الأحمر، يراعي خصوصية عملهم الإنساني ولا يضعهم خارج شبكة الأمان الاجتماعي للدولة، خصوصًا وأنّ غالبية الذين استشهدوا يتحملون مسؤولية إعالة أهلهم وعائلاتهم.