العقد السياسية أمام العفو العام: هل يسحب ترياق بعبدا فتيل تفجير جلسة الغد؟
10/05/2026
كان من المفترض أن يشهد شهر أيار الجاري 2026 إجراء الانتخابات النيابية، لولا أن مجلس النواب آثر تمديد ولايته لنفسه في التاسع من آذار المنصرم. ورغم تأجيل الاستحقاق البرلمانيّ سنتين، إلا أنّ طيفه لا يزال يخيّم بثقل على النشاط التشريعيّ الأبرز الذي يغلي اليوم تحت قبة البرلمان، والمتمثّل بمناقشة اقتراح قانون العفو العام في اللجان النيابية المشتركة، متظلّلاً بحسابات القوى السياسية، وتحالفاتها، واصطفافاتها الانتخابية المؤجلة، والتي ترسم فعليًا الخط العريض بين مؤيدي هذا الطرح وذاك.
فالبلاد التي تواجه عدوانًا إسرائيليًا غير مسبوق، ينزف فيه دم أبنائها، وتُدمَّر أرضها وبيوتها، وتُستباح قراها، تزامنًا مع انهيار اقتصاديّ بلغ عامه السّابع، لا تنفكّ تكرر "الأسطوانة" التشريعيّة ذاتها منذ عام 2018، تاريخ أول محاولة جديّة لإقرار اقتراح قانون عفو عام يعقب القانون رقم 677/2005 الشهير. وهو توقيت اعتبره النائب جميل السيد "يفتقر إلى الأسس الوطنيّة السليمة، إذ عادة ما تُقرّ قوانين العفو "كخاتمة لمرحلة سياسية وبداية أخرى مستقرة" كما حدث بعد اتفاق الطائف، أما اليوم فنحن نعيش حالة تحلّل للدولة وتلاشٍ للقانون'"، مشيرًا إلى أنه "وفي ظلّ هذه الفوضى، يأتي قانون العفو ليفتح الأبواب أمام المجهول، إذ نحن لا نعطي فرصة للناس للإصلاح، بل نفلت العالم ع المشكل وسط انهيار شامل".
وصحيح أن الاقتراح الحالي، الذي دفع به نواب من بيروت وكتلة "الاعتدال الوطني"، يختلف في جوهره عن عفو 2005 باستثنائه الجرائم المحالة إلى المجلس العدليّ، إلا أنه ــ وعلى غرار كل المسودات التي رُكنت في أدراج المجلس لعقد من الزمن ــ لا يزال يرتكز بالأساس على "سيبة ثلاثيّة" لُبّست لبنانيًا لبوس الطوائف والمناطق تبعًا للفئات المعنية بها: الموقوفون الإسلاميون (الذين يحرّكون الملفّ اليوم، وتحديدًا في إثر سقوط النظام السوري واستلام الرئيس أحمد الشرع سدّة الحكم في سوريا)، وسجناء تهم المخدرات، وكذلك اللبنانيون الذين فرّوا إلى إسرائيل بعد تحرير الشريط الحدودي في العام 2000، من عملاء ومتعاملين مع إسرائيل وعائلاتهم من نساء وأطفال. وهي "سيبة" طالما شكلت فتيل تفجير لكلّ المحاولات السابقة، وهو الخطر عينه الذي يلوح في الأفق عشية الجلسة الثامنة للنقاش المقررة صباح غد الاثنين. هذا لا يعني أن القانون لا يلحظ الجرائم المالية والبيئية وغيرها، وهي رؤية قانونية سبق للمفكرة أن تناولتها في قراءتها لاقتراح القانون محذرة من مبدئية العفو العام وشموليته، حيث أنه أيًّا تكن الضرورة لمنح العفو العامّ، فإنه يجدر بالمشرّع أن يلتزم بمبدئية المحاسبة وأن يبقى العفو استثناء لا يتجاوز حدود الضرورة.
وبعد تذويب بعض الملاحظات عبر توسيع مروحة الاستثناءات من العفو العام لتشمل نحو 15 جريمة، من بينها جرائم بيئية ومالية وأخرى تتعلّق بحقوق المودعين، وربط الحق الشخصي بالتعويض، تتركز التباينات في مسودة اقتراح قانون العفو اليوم، والتي يجهد الأفرقاء السياسيون لتبريد صواعقها، حول ثلاث نقاط شائكة: تخفيض العقوبات في أحكام الإعدام والمؤبد، وإدغام الأحكام المبرمة، واعتماد قاعدة الـ12 سنة توقيف من دون محاكمة كمعيار للإفراج التلقائي. وهي خلافات، وإن بدت في ظاهرها تقنية أو مرتبطة بملف "الإسلاميين"، إلا أنها في العمق تطال جوهر العدالة والمساواة وتنسحب على كافة فئات الجرائم الأخرى. وهي النقاط التي فجّرت جلسة الخميس الماضي في اللجان المشتركة بعد عشر دقائق على بدئها.
وفيما يحرص ممثّلو الكتل في تصريحاتهم العلنية على إظهار مبدأي الحقوق و"الإنسانية" في معالجة اكتظاظ السجون ورفع المظلومية، يبرز توجّه عامّ لتحميل القضاء وزر هذا الانفجار في السجون، في محاولة للهروب من المسؤولية السياسيّة، وكأن القضاء جزيرة معزولة عمّا يحصل في البلاد من أزمات. ولكن بمعزل عن اعتبارات المسؤولية، تشير الأرقام إلى أن اكتظاظ السجون تجاوز 330% من قدرة السجون الاستيعابية، فيما بلغ عدد المتوفين في السجون، التي تحوي نحو 9000 سجين، أكثر من 48 سجينًا في العام 2025 (بمعدل 4 سجناء في الشهر)، فيما توفي 11 سجينًا منذ بداية العام 2026 ولغاية اليوم.
ويتزامن السعي لتمرير قانون العفو العام مع إقرار لجنة حقوق الإنسان النيابية اقتراح قانون إلغاء عقوبة الإعدام الرقم 160/2025، واستبدالها بـ25 سنة سجن عادية وليس سجنية (أي 12 شهرًا)، وتحويله إلى لجنة الإدارة والعدل لدراسته بدورها، وهو معيار كانت وزارة الدفاع والمؤسسة العسكرية ما زالتا متمسّكتين بسقفه في تخفيض عقوبة الإعدام في اقتراح قانون العفو.
السجناء الإسلاميون "أولوية"
لا يلزم المتابع لمسار نقاش اقتراح قانون العفو العام الحالي، الذي بادر إليه نواب تكتّل الاعتدال الوطني ونواب من بيروت، الكثير ليعرف أن إخراج الإسلاميين من السجن يشكّل محور كل هذا السعي التشريعي. حتى إن سردية المظلومية التي كرّسها المناضلون من ناشطين وحقوقيين وسياسيين حول أوضاعهم باتت تلقائية على كل شفة ولسان، ومن بين هؤلاء غالبية أعضاء الكتل النيابية الحليفة وغير الحليفة، وإن تباينت اللغة بين الجزم بوقوع الظلم أو الاعتراف به كاحتمال، إلا أنّ الثابت أنّ دعم إقرار اقتراح القانون من المعنيّين بالفئات الثلاث الرئيسية ملموس وجاد.
وهذا ما نجده في موقف النائب حسين الحاج حسن (كتلة الوفاء للمقاومة) الذي يرى أن المشكلة تتمثل في التأخير الكبير في صدور الأحكام القضائية، وفي الاكتظاظ داخل السجون، واصفًا هذا الواقع بأنه "غير إنسانيّ على الإطلاق". كما يتوقف عند احتمال وجود أشخاص مظلومين أو موقوفين لفترات طويلة من دون إنصاف، الأمر الذي ينعكس بدوره على الواقع الاجتماعيّ. وعليه، ختم الحاج حسن بالتأكيد على أنّ معالجة هذا الملفّ قد تسهم في التخفيف من جزء كبير من الاحتقان الاجتماعي القائم، مشيرًا إلى أن المقاربة الحالية تقوم على محاولة التعاطي مع هذه التداعيات "بمسؤولية".
من جهتهم، يصبّ النواب السنة الذين تقدموا باقتراح قانون العفو العام الذي يُدرس في اللجان النيابية المشتركة حاليًا تركيزهم، بالتنسيق مع دار الفتوى في بيروت وهيئة علماء المسلمين (منذ إعداد مسودة الاقتراح) وفاعلين في الشارع السني في شمال لبنان وعاصمته، على تخفيض عقوبة الإعدام كأولوية إلى 20 سنة سجنية، والمؤبّد إلى 15 سنة سجنية، كون الجرائم المتعلّقة بالإرهاب والقتل العمد أو القصد للعسكريين والمدنيين مستثناة من العفو العامّ، وهي تشكّل غالبية الاتّهامات والأحكام الصادرة بحق الإسلامييّن في المبنى "ب" في سجن روميه. وقد يقبل هؤلاء بـ20 سنة للمحكومين من بينهم بالإعدام، ولكن مواقفهم المعلنة تشير إلى تمسّكهم بعدم التنازل عن مدة 15 سنة سجنية للمؤبد، في توجّه واضح يهدف إلى الإفراج عن الشيخ أحمد الأسير. وهنا يتّضح الإفصاح عن المحظور الذي لا يقبل به هؤلاء من دون أيّ لَبس. فقد أكّد النائب أشرف ريفي للمفكرة أنه سيقاطع "الجلسة العامة لمجلس النواب في حال لم يتمّ اعتماد تخفيض عقوبة الإعدام والمؤبد بما يتيح خروج المظلومين من الإسلاميين، وعلى رأسهم الشيخ أحمد الأسير، من السجن".
يُذكر أن الشيخ أحمد الأسير الموقوف منذ آب 2015 أكمل حاليًا 13 سنة سجنية (9 سنوات مدنية) في آب 2025. كما يلحظ أنّه ما يزال موضوع محاكمة بعدما نقضت محكمة التمييز العسكرية 3 أحكام صادرة بحقه عن المحكمة العسكرية الدائمة، وفصلت في واحدة منها (قضية بحنين) فقط، حيث خُفضت عقوبة السجن من 20 إلى 14 سنة (وهي عقوبة ستُخفّض بحدود الثلث)، مما سيؤدّي إلى اعتباره قد قضى مدّة سجنه كاملة. كما تمّت تبرئته من قضية اتهام بالقتل أمام القضاء العدلي مع فضل شاكر.
وعلى الخطّ نفسه، حيث التنسيق قائم بين النائب ريفي وكتلة الاعتدال الوطني ونواب بيروت، يعتبر النائب نبيل بدر أنّ الخلاف الحقيقي "يكمن في 'التشدّد' ضد اللبنانيين مقارنة بغيرهم، وفي محاولات منع استفادة الإسلاميين من 'تخفيض العقوبات' بحجة 'تلطخ الأيدي بدماء الجيش'"، معقبًا بأن العفو لا يشمل هؤلاء فعليًا بل يشملهم "التخفيض" فقط، تمامًا كغيرهم من المحكومين، غامزًا من قناة تسليم السجناء السوريين المحكومين إلى سوريا. ويلفت بدر إلى أنّ اقتراح قانون العفو العام لم يأتِ من فراغ، بل كان ثمرة توافق مع الرؤساء الثلاثة والكتل السياسية، محذّرًا من محاولات بعض من يسميهم "الجهابذة في اللجان المشتركة" تمييع القانون أو تفخيخه لعرقلة خروج الموقوفين الإسلاميين. ويؤكد أنّ "هذا القانون موجّه لبيئة تشعر بظلم شديد، ونحن نحاول تصحيح هذه المظلومية وإعادة مصالحة هذه الفئة مع المجتمع اللبناني والدولة".
"فخ" تخفيض العقوبات
ضرورة حلّ مشكلة الإسلاميين في سجن روميه، "ورفع المظلومية عنهم"، كما يعبّر هؤلاء، يتفق عليها النواب المتحدون خلف اقتراح القانون، والذين يقولون في كواليسهم إنهم تعرضوا لـ "فخّ"، حيث أوحت إليهم بعض الجهات بتحديد تخفيض عقوبة الإعدام إلى 25 سنة سجنية والمؤبد إلى 20 سنة سجنية في اقتراح القانون لكي يحصد الإجماع قبل تسجيله في مكتب مجلس النواب، على أن يتم تخفيضها إلى 20 و15 سنة سجنية على التوالي خلال النقاشات. لكن هؤلاء اصطدموا بموقف وزارة الدفاع والمؤسسة العسكرية وتشديدهما على تحديد ثلاثين سنة سجن عادية لاستبدال عقوبة الإعدام و25 سنة مثلها (أي عادية) لعقوبة المؤبد، وهو ما خلق فجوة كبيرة بين الطرحين. وحتى عندما لانت مواقف الجهات التي تبدي حرصًا على كرامة الجيش اللبناني ومعنويات عناصره في هذا الظرف الدقيق الذي تمرّ به البلاد، لم يُطرح قبول وزير الدفاع وقائد الجيش بأقل من 25 سنة سجن عادية للإعدام و20 سنة مثلها للمؤبد.
ومع تخفيض عقوبتي الإعدام والمؤبد، تبقى نقطة الإدغام، حيث يصرّ النواب من مقدّمي الاقتراح مع النائب ريفي على اعتماد الحكم الأقصى بين أحكام أخرى فقط، بينما المقبول المطروح في المحكمة العسكرية هو إلزام القاضي بالحكم الأقصى زائد نصف الحكم. أي إن من هو محكوم بعشرين سنة في الحكم الأقصى، وبـ15 سنة في حكم ثان، و10 سنوات بحكم ثالث، يتمّ اعتماد الحكم الأقصى عشرين سنة زائد نصفه أي 10 سنوات، ما مجموعه 30 عامًا، بينما الاقتراح يطالب بالحكم الأقصى فقط وإهمال بقية الأحكام. وطبعًا يستفيد بعدها من تخفيض العقوبة.
هنا نجد موقفًا للنائب بلال عبدالله من كتلة اللقاء الديمقراطي، وهو نائب منطقة الإقليم في قضاء الشوف، يرسم خطًا فاصلاً بين "كرامة المؤسسة العسكرية والأداء القضائي"، معتبرًا أن "الجيش اللبناني خطّ أحمر ونحن نحترم رأي المؤسسة العسكرية وملاحظاتها، ولكن يجب ألّا يتحمل الجيش تبعات ما مارسته المحكمة العسكرية لسنوات". وبالنسبة للتباين في نقطة تخفيض العقوبات، يرى عبدالله أن مجلس النواب هو "سيد نفسه" وهو من يشرّع ما يراه مناسبًا للمصلحة العامة، مشيرًا إلى أن الواقع الحالي للسجون (آلاف السجناء الموقوفين مقابل عدد قليل من المحكومين) يعكس خللًا بنيويًا في العدالة، موضحًا نقاط القوة في اقتراح القانون لناحية "رفع المظلومية" وإنهاء ملفّ الموقوفين لسنوات بموجب "وثائق أمنية" من دون محاكمات، والتخفيض الأقصى، المتمثل بالدفع باتجاه أقصى درجات التخفيض الممكنة في العقوبات، "لأننا أمام قانون عفو عام وليس مجرد تعديل بسيط".
ويؤكد عبدالله أن كتلة الحزب التقدمي الاشتراكي تقارب ملف العفو العام "من زاوية وطنية وإنسانية صرفة، تهدف إلى معالجة تعثّر القضاء والأزمة الخانقة لاكتظاظ السجون"، مشدّدًا على أنّ العفو لا يمكن أن يكون "استنسابيًا" بل يجب أن يشمل أوسع شريحة ممكنة لتحقيق غايته.
ينسجم موقف القوات اللبنانية على لسان النائبة في منطقة جزين غادة أيوب مع حماس النائب عبدالله. إذ أكدت أيوب للمفكرة أنّ التوجه نحو قانون العفو العام "ينطلق من مسؤوليّة إنسانيّة وقانونيّة لطيّ صفحة المظلومية الناتجة عن تقاعس القضاء والأجهزة الأمنية، خاصّة في ظل الأزمة الراهنة التي أدت إلى وجود موقوفين لأكثر من 12 عامًا بلا محاكمات". ورأت أنّ تأييد القانون لا يعني أبدًا التساهل مع الجرائم الكبرى، مشدّدة على وضع سقف صارم للاستثناءات في ما يتعلق بـ "حماية الحقّ العامّ والشخصي، واستبعاد جرائم القتل العمد، والقصد، والمس بالمال العام، والجرائم المحالة إلى المجلس العدلي، وتلك التي تمس مصلحة المجتمع"، حيث شملت الاستثناءات جرائم "الاغتصاب، وسفاح ذوي القربى، والتحرّش، وجرائم البيئة والآثار، وتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، إضافة إلى حقوق المودعين وكل ما يخالف قانون النقد والتسليف لضمان عدم ضياع حقوق المودعين".
وفيما يخص النقاط الخلافية حول "أنسنة" العقوبات، أشارت أيوب إلى وجود لجنة مصغرة تعمل على التوافق، لافتة إلى "أننا أمام صيغة تجمع بين العفو العام وتخفيض العقوبات"، لتتوقف عند انطلاق تشريع إلغاء عقوبة الإعدام واستبدالها بـ25 سنة سجن فعلية، معتبرة أن هذا المسار "منفصل عما يُطرح في قانون العفو لكنه يتقاطع معه في روحية العدالة".
طلب الترياق من بعبدا
هذا الواقع حرّك عجلة محاولة التوصّل إلى حلّ وسطيّ ينقذ اقتراح قانون العفو، حيث عدل النائب ميشال معوض عما أسماه "اعتكافه" عن المشاركة في نقاشات اقتراح قانون العفو العام "لأن تجربتنا في 2018 لم تكن مشجّعة"، كما قال للمفكرة، ليضيف: "ولكنني شعرت أننا إذا استمرينا بالانقسام ما رح يطلع القانون، وعليه يجب علينا العمل على إنجاز تسوية ترضي الجميع". وانطلاقًا من ثوابته، كما قال النائب معوض: "ما بقبل تكون كرامة الجيش منهانة بأيّ شكل من الأشكال، ولا أن يمسّ شيء بالجيش"، لكنه في المقابل لا يقبل "أن نضع شريحة من المجتمع اللبناني في وجه المؤسسة العسكرية، ولا أن يتغذّى أيّ تشنج بينها وبين الجيش اللبناني".
وعليه، زار وفد نيابي رئيس الجمهورية جوزاف عون قبل ظهر اليوم في قصر بعبدا، وضمّ ممثلين عن كتل نيابية عدة، وإن خلا من أيّ من نواب ثنائي حزب الله وحركة أمل، لأسباب تمّ تقديمها على أنها تقنيّة. وحضر النوّاب مقدّمو الاقتراح أيضًا، والنائبان أشرف ريفي وميشال معوض. وعلمت المفكرة أن اللقاء حلحل بعض العقد تمهيدًا لمتابعة النقاشات في جلسة اللجان المشتركة في مجلس النواب غدًا. وتمّ التوصّل إلى حلّ وسطيّ بين طروحات وزارة الدفاع والمؤسسة العسكرية وما يطلبه النواب داعمو الاقتراح لناحية تخفيض العقوبات والإدغام ومبدأ اعتماد مدة الـ12 سنة توقيف كشرط للإفادة المباشرة من العفو. وبذلك تمّ التوافق على تخفيض عقوبة الإعدام إلى 20 سنة فعلية، والمؤبد إلى 20 سنة سجنية (أي ما يعادل 15 سنة فعلية). أما الإدغام فقد اعتُمدت صيغة الإدغام عبر اعتماد الحكم الأقصى لمن صدرت بحقه 7 أحكام وما دون، وإدغام حكم ونصف مدة الحكم الأقصى لمن صدرت بحقه 8 أحكام وما فوق، وهو ما تعتمدُه المحكمة العسكرية (أي الحكم ونصف مدة الحكم الأقصى)، وتمّ اشتراط الإفادة من العفو في حال التوقيف لمدة 12 سنة، عدم صدور أي حكم بحق المتهم.
وعلمت المفكرة أن الوساطات التي توسّلت تدخّل رئيس الجمهورية استندتْ إلى اللغة التي يستعملها بعض الشارع السنّي في رفضه (أي رفض الشارع) وضع عوائق أمام إخراج المحكومين والموقوفين الإسلاميين من السجون، سواء عبر تشدّد وزارة الدفاع والمؤسسة العسكرية أو غيرهما. وتتركّز الأصوات الاعتراضيّة على موافقة الدولة اللبنانية، ممثلة برئيس الجمهورية والحكومة مجتمعة، على تسليم المحكومين والموقوفين من السجناء السوريين في لبنان إلى الدولة السورية، و"بالمئات" كما قال أحد النواب الداعمين لاقتراح العفو للمفكرة، "ومن بينهم محكومون بالإعدام بتهم قتل عناصر من الجيش اللبناني"، كما يقول هؤلاء، ليسألوا: "ليش بيطلّعوا السوريين من السجن، وبس توصل الأمور لعند أولادنا ممنوع علينا ننتصر لمظلوميّتهم؟" خصوصًا أن الشارع السني يعتبر أن رئيس الجمهورية يمكنه تليين موقف وزارة الدفاع والمؤسسة العسكرية التي أتى منها إلى سدة الرئاسة، وأنه "من موقعه كرئيس للبلاد ولكل ناسها، كما يُفترض، يستحسن أن يأخذ هذه الهواجس والاحتجاجات بعين الاعتبار".
قيام الدولة اللبنانية بتسليم موقوفين ومحكومين سوريين ــ متهمين بقتل عناصر من الجيش اللبناني ــ إلى السلطات السورية، رغم أن جزءًا كبيرًا منهم محكوم بالإعدام بهذه التهم، يصفه النائب جميل السيد بأنه بمثابة "عفو خاص مقنّع"، طالما أن الاتفاقية الموقعة مع سورية لم تحظر على هذه الأخيرة منح المسلمين إليها العفو العام. لذا يشدد السيد على أنه إذا أصرّت القوى السياسية على تمرير العفو كـ "شر لا بد منه" عبر البرلمان، فلا يجوز أن يكون "استنسابيًا" يخدم فئة دون أخرى؛ فإما أن يكون عفوًا شاملًا لكل الفئات والجرائم، أو لا يكون، مع تأكيده على ضرورة حفظ الحق الشخصي للمتضررين، سواء في الجرائم المالية أو الشخصية، معتبرًا أن غياب المؤسسات يجعل من الصعب ضبط تداعيات خروج المحكومين من دون تسويات عادلة.
اثنين "الحسم" أم تفجير الصواعق؟
يقود التمحيص في خصوصيّة كل فئة من فئات الجرائم الثلاث وردود فعل الشارع المعني بها إلى مزيد من التباين، الذي قد يخرج حتمًا إلى العلن قبل ظهر غد الإثنين خلال جلسة مناقشة اقتراح العفو العام. ويطلق عليه بعض النواب السنّة من مقدّمي الاقتراح "يوم الحسم" المرتقب، حيث تنقسم الآراء بين منطق "التوافق أو لا عفو"، وبين من يلوّح بالذهاب إلى خيار التصويت لكسر المراوحة.
وفي هذا الإطار، يحذر النائب جورج عطالله (كتلة لبنان القوي) من بعض "الألغام" القانونية الموجودة في تفاصيل المشروع، وخاصة المادة الثالثة المتعلقة بتخفيض العقوبات، واصفًا إياها بأنها "محاولة التفاف صريحة على المادة الثانية الخاصة بالاستثناءات"، معتبرًا أن تخفيض عقوبة الإعدام إلى 25 سنة سجنية، أو طرح اقتراح البعض جعل السنة السجنية 6 أشهر بدلًا من 9، يعني ببساطة إخراج الجميع من السجون بطريقة غير مباشرة.
وأشار عطالله إلى أن التذرّع بوجود "مظلومين" لتمرير العفو هو عذر أقبح من ذنب، متوقفًا عند ما أسماه تعطيل الحلول القانونية ومنها تطبيق المادتين 108 و112 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، اللتين كان من شأنهما رفع الظلم عن أيّ موقوف من دون الحاجة لعفو عام. كما ذكّر بإقرار المجلس النيابي ميزانية بقيمة 6 ملايين دولار لإنشاء محكمة في سجن رومية لتسريع المحاكمات، "لكن القضاء لم يقم بواجبه". وأصرّ عطالله على ما أسماه "موقفًا مبدئيًا" يتمثل بعدم قبول "جعل المجلس النيابي ممسحة" لتقصير القضاء وتخاذله. وأكّد أن التيار الوطني الحر متمسّك بالاستثناءات التي تحفظ كرامة المؤسسة العسكرية وحقوق الضحايا، مؤكّدًا أنّه لا يمكن شمول كلّ من اعتدى على الجيش أو المدنيّين بالعفو، سواء كان ذلك بشكل مباشر أو عبر تخفيض جائر للعقوبات، وأنّ التيار يتبنّى رؤية المؤسسة العسكرية في تحديد العقوبات (30 سنة عادية للإعدام و25 للمؤبد).
في المقابل، علمت المفكرة أن نواب كتلتي الوفاء للمقاومة والتنمية والتحرير سيجتمعون غدا الاثنين عند العاشرة والنصف، أي قبل بدء الجلسة الثامنة بنصف ساعة، للتشاور في ملاحظات بعض النواب بشأن جرائم تهمّ المخدرات، وفق ما أكد النائب غازي زعيتر (كتلة التنمية والتحرير). ويعتبر زعيتر أن ظلمًا يلحق بهذه الفئة من المعنيين بالجرائم الملحوظة في اقتراح قانون العفو العام، متحدّثًا عما وصفه بـ"الاستنسابيّة" في مقاربة قانون العفو، محذّرًا من تحويل القانون إلى تسوية تخدم فئات معينة "الإسلاميين والعملاء"، كما قال، وتستفزّ فئات أخرى، خاصة في منطقة البقاع، مؤكدًا أن العفو العام بطبيعته يجب أن يكون شاملًا ليكون عادلًا.
ويرفض زعيتر حصر العفو في ملفّ المخدرات بالمتعاطين أو صغار المروجين فقط، مشيرًا إلى ما أسماه "المذكرات الألفية" وإلى العطف الجرمي، حيث يتمّ الادعاء على أي شخص لمجرد أنه كان على علاقة بأحد التجار أو المروجين، أو قام بتضمين أرضه لأشخاص زرعوها بالحشيشة، أو وُجد رقم هاتفه متّصلًا بأحد المطلوبين. وإذ رحّب بإعفاء المزارعين، أشار زعيتر إلى أنّ هذه الخطوة ناقصة، كون المزارع يزرع ليبيع إنتاجه من جهة، كما أن ملاحقته بـ"جرم الزراعة" سابقًا قد عطّلت حياته وجعلته مطلوبًا وتاجرًا وحتى مروّجًا. وهنا يطالب ببحث وضع المزارعين بشكل هادئ يحيط بكل ظروفهم للتعامل معهم كمطلوبين منذ 1990 ولغاية اليوم.
عملاء سابقون في الجنوب المحتلّ
مع إعادة طرح النقاش في موضوع تهم المخدرات وما يشمله العفو منها وما يستثنيه، علمت المفكرة أنه سيتمّ معالجة قضيّة العملاء انطلاقا من أحكام القانون 194/2011 الخاص بـ "معالجة أوضاع المواطنين اللبنانيين الذين لجأوا إلى إسرائيل"، مع إضافة جملةٍ واحدة تؤكّد أنّ إقرار العفو العامّ يزيل الحاجة إلى وضع مراسيم تطبيقيّة للقانون الذي أُقرّ قبل 15 عامًا وبقي في الأدراج.
وهنا، وربطًا بهذه النقطة، علمت المفكرة أن ثمة مخاوف من أن يمهد أي تساهل في هذا المجال لإضفاء مشروعية للتعامل مع إسرائيل في هذا الظرف الدقيق، وخصوصًا بعد عودة الاحتلال لمساحاتٍ واسعة من الأراضي اللبنانية. وتستند هذه المخاوف إلى رواج معلومات تتحدّث عن رصد عودة بعض العملاء المرتكبين مع جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى قرى التماس مع فلسطين المحتلة الجنوبية، من شيعية ومسيحية، وقيامهم بمهام مراقبة أو تفتيش أو حتى اتصالات بسكّان. كما تستند إلى إعلان متحدثين في الجيش الإسرائيلي عن التخطيط لإنشاء روابط محلية أو إدارة مشتركة للقرى الواقعة في ما يسمى "المنطقة العازلة". وهي مخاوف كان قد طرحها النائب قبلان قبلان خلال الجلسة السابعة لمناقشة اقتراح قانون العفو، وستكون محور نقاش مفتوح للتباحث حول كيفية التعامل مع هذه المستجدات في هذه المرحلة في منطقة الجنوب خاصة وعلى مستوى لبنان كله عامة. وأكدت مصادر مطلعة للمفكرة أن نواب الثنائيّ سيؤكّدون استمرار تمسّكهم بالقانون 194/2011 ولكن من دون إلغاء ضرورة وضع المراسيم التطبيقية العائدة له.
سجناء إهمال السجون وبطء القضاء
لا تقتصر أزمة قانون العفو على الصراع السياسي فحسب، بل هي تتغذّى أيضًا من واقع رقميّ مخيف داخل السجون اللبنانية، التي تحوّلت إلى "قنابل موقوتة" تتجاوز قدرتها الاستيعابيّة بأشواط. إذ وفقاً لتقديرات أوّلية جرى استعراضها في كواليس إعداد مسودات القوانين، يتراوح عدد السجناء في لبنان بين 11,000 و12,000 سجين وموقوف، وسط قفزة مرعبة في نسبة الاكتظاظ تراوحت بين 200 إلى 300%. هذا الضغط تضاعف مؤخراً بفعل العدوان الإسرائيلي، الذي فرض نقل نزلاء سجون الجنوب وبعلبك الواقعة في دائرة الاستهداف إلى مراكز أخرى أكثر اكتظاظاً.
ويبرز سجن رومية المركزى كشاهد صارخ على هذا الاختناق؛، فالسجن الذي لا تتسّع جدرانه لأكثر من 1,050 سجيناً، يغصّ اليوم بـ 3,800 نزيل. يتوزع هذا الحشد البشري بين 350 سجيناً إسلامياً (170 سورياً و180 لبنانياً وفلسطينياً) جرى تسليم نحو 66 من بين السوريين إلى بلادهم، على أن يسلم 34 محكومًا قبل عيد الأضحى. وهناك أعداد كبيرة من الموقوفين في قضايا المخدرات يصل عددهم إلى 4,500 سجين موزعين على كافة السجون، بينما يقبع البقية بتهم تتنوع بين القتل والسلب.
أما الملفّ الأكثر حساسية وتداخلاً مع البعد الخارجي، فهو ملف السجناء السوريين الذين يقدر عددهم بنحو 2,800 سجين (خارج إطار الإسلاميين)، وهي نسبة قدّرها وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال، بسام المولوي، بنحو 35% من إجمالي السجناء.
خلف أبواب السجون المغلقة، يمتد نطاق العفو ليشمل "جيشاً من المطلوبين" "الطفار" في مناطق لبنانية مختلفة من بينها الشمال والبقاع. ففي الشمال، تبرز معضلة 11,000 وثيقة اتصال أمنية، غالبيتهم العظمى من المحسوبين على التيار الإسلامي. أما في بعلبك الهرمل، فتبدو الأرقام أكثر سريالية، حيث يدور الحديث عن 48,000 بلاغ بحث وتحرّ ووثيقة اتصال ومذكرة توقيف، تلاحق المطلوبين بتهم الاتجار بالمخدرات، ترويجها، وحتى تعاطيها وزراعتها.
بيد أن البعض في البقاع يضع هذه الأرقام في ميزان التّدقيق، معتبرًا أن العدد الفعلي للمطلوبين يتراوح بين 6,500 إلى 7,000 مطلوب كحد أقصى. وتفسر المصادر الفجوة الرقمية بأن "المطلوب الواحد قد تصدر بحقه عشرات المذكرات"، فمنهم من زرع "دونم حشيشة" ومنهم من تورط بإطلاق نار، لتتحول "نشرة" أحد المطلوبين إلى سجل جنائي يملأ ثلاث صفحات كاملة من المذكرات المكررة.