عود على بدء 2019-2026: أخطاء منهجيّة في مناقشة اقتراح العفو العامّ
05/05/2026
بصورة لافتة، قرّر مجلس النواب غضّ الطرف عن كل ما يحصل في لبنان من غزو إسرائيلي وتهجير عرقيّ، ليركّز جهده على مسألة واحدة: العفو العامّ. وعليه، عقدت اللجان المشتركة بحضور عدد كبير من النواب 3 جلسات الأسبوع الماضي وهو يستمر في عقد 3 جلسات إضافية خلال هذا الأسبوع لدرس اقتراح قانون تقدم به نواب الاعتدال ورفاقهم. وفي حين وضعنا ملاحظاتنا على مضمون الاقتراح والذي يشهد تعديلات عدة داخل اللجان المشتركة، فإننا سنكتفي هنا بإبداء بعض الملاحظات حول المنهجيّة التي قرّر غالبيّة النواب الحاضرين اعتمادها، والتي نسجّل عليها منزلقات أربعة:
المنزلق الأول، إشكاليّة الموقوفين لا تحجب إشكالية الإفلات من العقاب
المنزلق الأول يتمثّل في التركيز على إشكاليّة تعطيل المرفق القضائيّ وتداعياته على حقوق الموقوفين الذين يتمّ احتجازهم لسنواتٍ طويلة بانتظار إنهاء مُحاكمتهم في سجون لا تتوفّر فيها المعايير الإنسانيّة، بما يناقض منطق العدالة. ومن دون التّقليل أبدًا من عدالة هذه القضيّة، فإنّ الانزلاق يتمّ من خلال تضخيمها وفرضها على نحو يؤدي إلى حجب إشكاليّات نظاميّة لا تقلّ أهمية، ومنها حقوق الضحايا الذين ما فتئوا بدورهم ينتظرون العدالة وتكريس حقوقهم منذ سنوات أو ربّما عقود طويلة، ومنها أيضا النظام المعمّم للإفلات من العقاب والذي أدّى إلى تدمير الدولة ونهب ثروات المجتمع، على نحو كاد يحوّل الشعب اللبناني برمته إلى شعب من الضحايا.
إذ مهما بلغ الظلم الذي يتعرض له الموقوفون ومهما بلغت الحاجة والضرورة لمعالجته (وضع حدّ أقصى للتوقيف الاحتياطي أو تخفيض العقوبات أو حتى العفو العام عن الجرائم الأقلّ خطورة)، فإنّ هذه المعالجة يجب أن تتمّ في موازاة ضمان حقوق الضحايا ومحاسبة الجرائم الأكثر خطورة، من دون أن يكون هنالك أي مبرّر للتنازل عنها. بمعنى أن العفو العامّ يجب أن يأتي لتصحيح خلل في النظام العام، لا أن يأتي من أجل تكريس انهيار العدالة وتدمير النظام القيمي الذي تقوم عليه. وأكثر ما نخشى أن يتمّ، تحت غطاء إنصاف الموقوفين والسجناء، إبراء ذمة آلاف من الأشخاص الذين لم يعرفوا السجن ولا المحاكمة يومًا. في حال حصول ذلك، فإنّ العفو العام يكون قد أسهم في مضاعفة المظالم لا في حصرها.
المنزلق الثاني: مبدئيّة العفو العام
منذ بدء النقاشات، جرى التّصويت على المادة الأولى من الاقتراح التي منحت عفوًا عامّا عن جميع الجرائم، إلا ما يتمّ استثناؤه صراحة. ومؤدّى ذلك أنّ النواب قد اعتمدوا “مبدئية العفو العام” بمعنى أن العفو العامّ يكون القاعدة، فيما تكون المحاسبة هي الاستثناء الذي يحتاج إلى تبرير. وهذا هو بالفعل ما تشهده المناقشات بشأن أيّ استثناء يطلب أيّ من النواب إضافته.
وعدا عن كون إعلان هذه المبدئية مخالفًا للدّستور، فإنّ من شأنها أن تؤدي إلى إرهاق مُناصري المحاسبة الذين سيتعيّن عليهم خوض معركة كلاميّة داخل اللجان لتمرير أيّ استثناء، وأن تمكّن بالمقابل مناصري العفو إلى تمرير إعفاءات عن جرائم خطيرة من دون الاضطرار إلى الإعلان عن ذلك أو مع حفظ الحق بادّعاء أنهم لم يكونوا يعلمون. هذا فضلا عن أنّ هذه المبدئية ستخوّل أي مدّعى عليه المماطلة والتّسويف من خلال تقديم دفوع شكلية، بحجّة أنّ جرمه مشمول بمبدئيّة العفو العامّ وخصوصا إذا تم صوغ الاستثناءات بطريقة عامة حمالة للمعاني.
المنزلق الثالث، عفو عامّ من دون أيّ رؤية عامّة
يعكس العفو العامّ عمومًا ليس فقط رؤية المشرّع بشأن مدى عدالة محاسبة الجرائم المرتكبة في الماضي، بل أيضًا القيم التي يعلن التمسّك بمحاسبة أيّ خرق لها من خلال استثنائها من العفو. بمعنى أن قانون العفو العام يبدو دوما مثل جانوس ذي الرأسين: رأسٌ ينظر إلى الماضي ويسقط منه محاسبة الجرائم، ورأسٌ ينظر إلى المستقبل والقيم التي يجدر أن يقوم عليها، مستثنيا من العفو مجمل الجرائم التي تمسّ بها. إلا أنه هنا أيضًا تبقى الاقتراحات المتعاقبة كما النقاشات النّيابية خالية من أيّ تفكير مبدئي قيمي في هذا الخصوص، بحيث لا تعدو كونها مجرد مساومات سياسية، قد تنتهي إلى تحويل قانون العفو إلى كعكة كبيرة يأخذ منها كل فريق سياسي ما يحتاج وجماعته إليه.
المنزلق الرابع، عفو عامّ من دون أي إصلاح
إذ يجد العفو العام تبريره في الخلل الحاصل في مرفق العدالة، والذي أدّى إلى مظالم فضلا عن إطالة أمد التوقيف الاحتياطي، فإنه لا يترافق مع أي تحوّل اجتماعي أو قانوني أو سياسي أو اجتماعي. بمعنى أنّ المحاكم تبقى كما هي، والجرائم تبقى كما هي، وكذلك أصول المحاكمات والنظام السياسي القانوني والاجتماعي، بمعنى أن الاقتراح يخلو مثل الاقتراحات التي سبقته من أيّ توجه إصلاحي منعا من تكرار الظلم مستقبلا. فلا نجد في الأسباب الموجبة أي التزام بالعمل لإصلاح المحكمة العسكرية أو القضاء الاستثنائي أو تعديل شروط التوقيف الاحتياطي بصورة دائمة أو حتى التزام بتنمية مناطق تعاني من نسب عالية من الفقر إلخ. وبذلك، وعلى فرض أن الاقتراح يؤدّي في حال إقراره إلى تصحيح أوضاع أشخاص يعانون من مظلومية معينة، فإنه يتعايش مع استمرار منابع الظلم على حالها من دون أيّ تعديل.
ومن هذه الزاوية، يكون قانون العفو العام في حال إقراره مجرّد مقدّمة لاقتراحات عفو عامّ مستقبليّة دائمًا بمعزل عن أيّ إصلاح تشريعيّ أو مؤسساتيّ. وهذه المقاربة تشكّل بحدّ ذاتها منسفًا للضوابط القانونية ومعها الحقوق والأمان الاجتماعي وارتهانًا لحكم القوة، بما يرفد منابع الظلم بقوة مضاعفة. ومؤداها عمليا معالجة اللادولة واللاعدالة بمزيد منهما، فيما أن المطلوب معالجة اللادولة بالدولة واللاعدالة بالعدالة.