اقتراح العفو العام أمام اللجان المشتركة اليوم: انهيار نظام العدالة تحت غطاء "العدالة الانتقالية"
23/04/2026
اليوم، أدرج على جدول أعمال اللجان المشتركة بند اقتراح جديد لقانون العفو العامّ، وهو الاقتراح الذي قدمه 7 نواب هم بلال الحشيمي ووليد البعريني وعماد الحوت ومحمد سليمان وعبد العزيز الصمد وعبد الرحمن البزري ونبيل بدر. وفي حين قدم هذا الاقتراح وفق معلومات المرصد البرلماني للمفكرة القانونية في 21 نيسان، فإنه سجل في تاريخ سابق (24 آذار) وأعطي نفس رقم اقتراح آخر عن العفو العام، كان قد تقدم به النائب بلال عبدالله سابقا. وقد غرد هذا الأخير في وقت متأخّر أمس للتعبير عن عدم رضاه من عدم إدراج اقتراحه على جدول الأعمال، من دون أن يعلق على مسألة استبدال اقتراحه باقتراح آخر (وهو أمر يشكل سابقة خطرة في إدارة المجلس يجدر عدم التساهل معها). كما تفيدنا قيود المرصد البرلماني أنّ النواب أنفسهم كانوا قد قدموا في تاريخ 31/12/2024 وبمعية النائب أحمد الخير اقتراحًا مشابهًا عن العفو العام وتخفيض مدة العقوبات، وأن الاقتراح المقدم منهم اليوم هو نسخة معدلة عنه، احتفظوا بأحكامه وتوجّهاته الأساسية وأسبابه الموجبة مع إجراء بعض التعديلات القليلة. كما كانت المفكرة القانونية نشرت تعليقا على مسودة سابقة لتقديم الاقتراح الأول والظروف التي رافقته.
في تفصيل ما تضمّنه الاقتراح المعدّل
سنعمد أولًا إلى تفصيل مضمون الاقتراح. وفيما يجدر بداية توضيح ما هي الجرائم التي استفادت من العفو العام أم تمّ استثناؤها منه، يجدر التنبيه إلى أن أغلب فقراته اتّصلت كما في الاقتراح السابق بتنظيم أوضاع الذين تمّ استثناؤهم من العفو العامّ، سواء لجهة تخفيض العقوبات التي حُكم عليهم بها أو لجهة تخفيض مدّة مرور الزمن على العقوبات المحكوم بها أو لجهة وضع حدّ أقصى لمدة التوقيف الاحتياطي. وفيما بدا أن هذه الأحكام تهدف إلى التخفيف من استثناء جرائم من منحة العفو العام من خلال منحها ما أمكن تسميّته عفوًا عامًّا مخفّفا، فإن التدقيق فيها يظهر أن بعضها هو في الواقع مرادفٌ للعفو العامّ الكامل أكثر مما هو عفو عامّ مخفّف. بمعنى أن الاقتراح يعطي باليسرى ما يرفض منحه باليمنى.
هذا ما سنحاول تفصيله في هذا المكان.
العفو العام الكامل
أول ما نلحظُه هنا هو أنّ الاقتراح عاد ليكرّس مبدئيّة العفو العامّ عن الحق العامّ، بمعنى أنّ الجريمة تعدّ مُعفاة كما ورد في فقرته الأولى إلا إذا استثناها الاقتراح صراحة من منحة العفو العامّ. ومؤدّى هذا التوجّه هو منح العفو العامّ لأيّ جريمة لم تردْ ضمن قائمة الاستثناءات (وعددها 9)، حتى ولو لم يرد في الاقتراح أو أسبابه الموجبة أي سبب أو مبرّر لذلك. وما يفاقم من ذلك هو أنّ العديد من بنود الاستثناءات تضمّنت مفاهيم عامة تقبل المنازعة بشأن ما تشمله أو لا تشمله كما نبيّن أدناه عند النظر في كلّ منها على حدة، علما أن الشكّ يفسر في هذه الحالة لصالح إسقاط الملاحقة.
وقبل المضيّ في التّدقيق في قائمة الاستثناءات، لا بدّ من ملاحظة تمهيديّة قوامُها أنّ العفو العامّ يشمل وفق ما جاء في الاقتراح الجرائم التي لم تحصلْ بعد أو ستحصل قبل تاريخ إقرار هذا القانون في المجلس النيابي (وهي فترة قد تصل إلى أسابيع). وفي حين لفتت المفكرة في تعليقها السابق نظر كتلة الاعتدال إلى خطورة هذا البند الذي يؤدي عمليا إلى تشجيع ارتكاب جرائم حاصلة مسبقا على براءة ذمّة، فإنّ الكتلة أبقتْه ممّا يؤشّر إلى إصرارٍ منها على منح براءة ذمّة مسبقة، وهي براءة ذمّة يصعب طبعًا ربطها بأوضاع السّجون أو المظالم فيها بل لا مبرر لها إلا التساهل مع إرادة جرميّة ما. الأمر نفسه بشأن المواد المتصلة بتخفيض العقوبات والتي يستفيد منها المحكوم عليه في أي جريمة سابقة لنفاذ القانون، أي سابقة لنشره في الجريدة الرسمية.
ولكن ما هي الجرائم المُستثناة من العفو العامّ والتي وصفها أحد مقدّمي الطّعن على أنّها الجرائم التي لا يمكن التساهل معها؟
هي الآتية:
- القتل العمد أو القصد بحقّ المدنيين أو العسكريين وجميع العناصر الأمنية، سواء صدرت فيها أحكامٌ أو لم تصدر بعد. ومن البيّن أنّ هذا الاستثناء يتأتّى ليس فقط من خطورة هذه الجريمة، ولكن أيضًا وربّما بالأخصّ من ضرورة مراعاة حساسيّة الجيش إزاء منح العفو العامّ للجرائم المرتكبة ضد عناصره، مما قد يؤدي إلى إسقاط حرمته والتشجيع على تكرار جرائم من هذا النوع. يبقى أن استثناء جرائم القتل هنا لا يشمل محاولات القتل، والتي لا تقلّ خطورة عنها.
- الجرائم المحالة إلى المجلس العدلي. ويتأتّى هذا الأمر من أهمية وخطورة الجرائم المحالة إلى المجلس العدلي، بدءًا بجرائم الاغتيال السياسي وانتهاء بتفجير المسجديْن في طرابلس والمرفأ، مرورًا باختطاف موسى الصدر ورفاقه.
- جنايات المخدّرات في حال وجود أكثر من ملاحقتيْن قضائيتيْن، أو أكثر من حكميْن قضائييْن، وفي حال تعدد الملاحقات بحقّ الشخص نفسه، يُستثنى من منحة العفو في حال صدر بحقّه أكثر من حكميْن مبرميْن بجنايات المخدرات. والواقع أنّ البند يتميّز بغموضه. فماذا إذا كان هنالك ملاحقة وحكمان؟ أو ملاحقتان وحكم واحد؟ أو ملاحقتان وحكمان؟ فهل يستفيد الشخص المعني إذاك من العفو أم لا؟ وما يزيد من قابلية هذا الاستثناء للانتقاد هو اعتماد هذا المعيار (تعدّد الملاحقات أو الأحكام) لتصنيف الفعل من دون أي اعتبار لخطورة الأفعال موضوع الملاحقة، كأن يكون المدعى عليه قائد عصابة مسلحة مثلا. أمر آخر هو ربط الاستثناء من العفو العام بصدور حكمين مبرمين بجنايات المخدرات، وهو استثناء يؤدي إلى اشتمال العفو كبار تجّار المخدرات الذين صدرت بحقهم أحكام غيابية (غير مبرمة بطبيعتها) فور الاعتراض عليها.
- جرائم التعدّي على الأملاك العمومية إذا كان الجرم ما يزال مستمرًا. وهنا نلحظ أن الاقتراح اختلف هنا عمّا كان ورد من قبل في المسودة الأولى والتي بدت أوسع وأشمل وأقلّ قابلية للتأويل. فقد كانت المسودة قد نصّت على استثناء "جرائم التعدي على الأموال والأملاك العمومية أو الأملاك الخصوصية العائدة للدولة أو البلديات، بما فيها العقارات المتروكة المرفقة والعقارات المملوكة ملكية جماعية (المشاعات)، وأموال المؤسسات العامة وأملاكها وسائر المرافق العامة لا سيما المشمولة في المادة 32 من قانون موازنة عام 2020". فإلام يشير انحسار الفقرة على هذا النحو؟ إنه يشير بشكل واضح إلى شمول العفو الاعتداء على الأملاك الخصوصية للدولة أو المشاعات أو العقارات المتروكة المرفقة من قائمة الاستثناءات.
- اختلاس المال العام. ونلحظ هنا أن الاستثناء من العفو يشترط ثبوت الاختلاس، فيما تكون مشمولة بالعفو سائر الجرائم التي ترشح عن إخلال في الوظيفة العامة وهدر المال العامّ عن طريق الإهمال خاصة.
- قانون مكافحة الفساد في القطاع العام رقم 175 تاريخ 8 أيار 2020. وهنا نصل إلى قمة الضبابية لجهة الجرائم التي يشملها هذا الاستثناء. ولئن تؤدي مراجعة تعريف الفساد وفق هذا القانون إلى توسيع دائرة الأفعال المستثناة (الأفعال التي تعدّ فسادا وفق الاتفاقيات التي وقع عليها لبنان)، يهمّ هنا التنبيه إلى أنّ الإشكال الأساسيّ يتأتّى من حدود موضوع هذا القانون وهي حدود القطاع العام. وعليه، وإذ يحتمل أن تبقى أفعال استغلال السلطة ضمن الجرائم المستثناة، بالمقابل يفسّر هذا النص على أنه يستثني من الاستثناء مجمل أفعال الفساد في القطاع الخاص، مثل عمليات تبييض الأموال أو التهرب الضريبي أو الإفلاس الاحتيالي أو تهريب الأموال من الدائنين أو الاحتكار أو مخالفة موجب تسليم القضاء معلومات مصرفية… إلخ. وعليه، ستستفيد المصارف من مروحة واسعة من العفو، من دون أن يكون لاكتظاظ السّجون أيّ صلة بذلك، طالما أن أيّا من مدراء المصارف لم يعرف طعمها. كما قد يتمكن رياض سلامة من الاستفادة من العفو في حال الأخذ بدفاعه والذي ما فتئ يروج له والمتمثل بأن العمولات التي تقاضاها من خلال شركتي أوبتيموم وفوري، إنما تقاضاها من القطاع الخاص وليس من القطاع العام. وإذ يسجّل إيجابا أن الاقتراح استثنى قانون الإثراء غير المشروع، فإنه يبقى مهما ذكر الجرائم الأبرز التي تستثنى من العفو العام منعا لأي تأويل أو التباس.
- الجرائم التي يتّخذ فيها المتضرر صفة الادعاء الشخصي ما لم يتمّ الاستحصال على إسقاط الحقّ الشخصيّ بموجبها أو بسقوط الحق الشخصي للأسباب المحددة قانونا أو بأداء قيمة التعويضات الشخصيّة المحكوم بها أو المطالب بها فتُمنح عندها منحة العفو العامّ عن هذه الجرائم. ولئن يشكّل ربط العفو العام بالادّعاء الشخصي في الظاهر ضمانة لإنصاف الضحايا والأشخاص المتضررين، فإنه بالمقابل خيار محفوف بالمخاطر طالما أنه ينقل في الكثير من الأحيان سلطة العفو العام من الدولة إلى المدّعين الشخصيين. ومن شأن ذلك أن يستتبع مخاطر عدة سواء لجهة التمييز بين المدعى عليهم والمحكوم عليهم في الجرم نفسه وفق إرادة المدّعين الشخصيّين أو قدرتهم على الاستجابة لمطالبهم. كما من شأنه أن يتحوّل إلى أداة ضغط على المدّعين لإرغامهم على التنازل عن حقوقهم بعدما أعلنت الدولة تنازلها مسبقا عن الحقّ العامّ وإن علقته على إسقاط الحق الشخصي. وليس أدلّ من ذلك من انتهاج المصارف تدابير قمعية بحق أي عميل لديها تجرأ على مداعاتها. هذا فضلا عن أنه يبقى للمحكوم عليه إمكانية إطفاء الدعوى العامة ضدّه من خلال إيفاء التعويضات المحكوم بها لصالح المدعي الشخصي، مما يؤدي إلى إبراء ذمته. هذا فضلا عن أن هذا الأمر سيفتح جدلا واسعا أمام المحاكم بشأن قبول صفة الادّعاء الشخصي، حيث يصبح قبول هذه الصفة حائلا دون العفو العام فيما يشكّل رفضها بابا له. وكدلالةٍ على أهميّة ذلك، من المهمّ هنا التّذكير برفض قاضي التّحقيق في بيروت قبول صفة الدولة في مداعاة رياض سلامة في قضية عمولات أوبتيموم.
- الجرائم التي تنص عليها القوانين المتعلقة بالآثار.
ومن اللافت بالمقابل أن مقدمي الاقتراح قد حذفوا استثناء هامّا جدّا كان ورد في اقتراحهم السابق وهو استثناء الجرائم الواقعة على البيئة، والمنصوص عليها في قوانين الغابات والثروة الحرجية وحماية الغابات والمحميات والصيد البرّي والصيد البحري وكل الجرائم الواقعة على البيئة. فكأنما مقدّمي الاقتراح لا يعبرون بذلك عن إرادة واضحة بمنح العفو العام لمجمل الجرائم التي تنهش البيئة، والتي تتراوح من تلويث الماء والهواء لتصل إلى تفجير الجبال كما يحصل في المقالع.
إلا إنه وبالإضافة إلى الإشكالات التي أبديْناها أعلاه بشأن قائمة الجرائم المستثناة من العفو العام، فإن الإشكال الأكبر يتصل بكمّ من الجرائم التي يصعب إيجاد أي مبرّر لاستثنائها من هذه القائمة. فكيف نفسّر مثلا عدم استثناء جرائم الحرب (تدمير المنازل والقرى، التهجير القسري…) أو الإرهاب وجرائم التعذيب والإتجار بالبشر والإخفاء القسري فضلا عن كل جرائم التهرب الضريبي وتبييض الأموال والإفلاس الاحتيالي المشار إليها أعلاه؟ ويشار في هذا الخصوص أن الاقتراح حذف استثناء كان ورد في المسودة وشمل إحدى جرائم الإرهاب والذي يتمثل في استخدام أو صنع أو اقتناء أو حيازة أو نقل موادّ متفجرة أو ملتهبة داخل الأراضي اللبنانية أو منتجات سامة أو محرقة أو أجزاء تستعمل في تركيبها أو صنعها أو تفجيرها بهدف القيام بأعمال إرهابية. ومن شأن حذف هذا الاستثناء أن يؤدي عمليا إلى إسقاط الملاحقة ضدّ المسؤول الاستخباراتي السوري السابق علي مملوك على خلفية التآمر في قضية سماحة.
كما يلحظ أن الاقتراح آثر لزوم الصمت إزاء العمالة لإسرائيل في اتجاه يستشفّ منه إرادة في العفو عنهم مواربة من دون الإعلان عن ذلك.
ومجرد استذكار هذه الجرائم التي لم ترد ضمن الاستثناءات إنما يؤكّد سوء التوجه التشريعي الذي يقوم على مبدئية العفو العام. وتتأكد خطورة هذا التوجه بالنظر إلى أصول التفسير المعتمدة في الإجراءات الجزائية والتي تفرض تفسير الاستثناءات بصورة ضيقة واعتماد التفسير الأكثر مراعاة لحقوق المدعى عليه عند الشك في استفادته أو عدم استفادته من العفو العام.
العفو العام المخّفف أو الموازي؟
لم يكتفِ مقدّمو الاقتراح بالعفو العام والذي ورد بالصورة الشاملة. بل أضافوا إلى العفو العام منحًا بإمكان المدعى عليهم أو المحكوم عليهم في الجرائم المستثناة الاستفادة منها. ولئن بدت هذه الإضافات بمثابة تخفيف للعفو العامّ، فإن التدقيق فيها يظهر أنها وضعت في أغلب الأحيان على قياس أشخاص بعينهم، بهدف الحصول على نتائج مماثلة للعفو العام من دون البوح بذلك. وهذا ما دفعنا إلى عنونة هذا المقطع "العفو العام المخفّف أو الموازي". وقبل المضي في تفصيل هذه الإضافات، يلحظ أنها سعت لتعميم الاستفادة من القانون على جميع الفئات التي صدرت بحقها أحكام وجاهية أو غيابية أو ما تزال موضع محاكمة. ولم تنسَ الإضافات معالجة أوضاع المحكوم عليهم بأحكام عدة.
وأهمّ هذه الإضافات هي الآتية:
- تخفيض العقوبات المحكوم بها: هذه الإضافة تعني بشكل خاصّ المحكومين وجاهيّا، ضمنا المحكومين بعقوبات المؤبّد والإعدام، حيث خفض عقوبة الإعدام إلى 25 سنة سجنية (18 عاما وتسعة أشهر) وعقوبة المؤبد إلى 20 سنة سجنية (أي ما يعادل 15 سنة فقط).
- كما عمد اقتراح القانون إلى تخفيض سائر العقوبات بحدود ثلثها، ومؤدّى ذلك عمليا هو اعتبار الحكم بسنة حبس مرادفا للحكم بستة أشهر فقط، وهو التوجه الذي يلتقي مع عدد الاقتراحات المقدمة حديثا بشأن تخفيض السنة السجنية، أحدثها عهدا الاقتراح المقدّم في 19/11/2024 من نواب تكتل الاعتدال والاقتراح المقدم من النائب إيهاب مطر في تاريخ 29/05/2023.
ومن شأن ذلك أن يؤدي عمليا إلى اعتبار خدمة العقوبة تامة بالنسبة إلى العدد الأكبر من الإسلاميين بما فيهم المحكوم عليهم بالمؤبد والإعدام، والذين بدأ احتجازهم قبل آخر أيلول 2013. وهذا ما سيفيد بشكل خاصّ المعتقلين تبعا لمعركة نهر البارد (2007) وعبرا (حزيران 2013).
- وضع حدّ أقصى للتوقيف الاحتياطي: هذه الإضافة تعني بشكل خاص الأشخاص الذين يستمرّ توقيفهم ولمّا تكتمل محاكمتهم بعد، وبخاصة الأشخاص المتهمين في جنايات مستثناة من سقف التوقيف الاحتياطي المنصوص عليه في المادة 108 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، كما هي حال الأشخاص المتهمين بجرائم الإرهاب أو القتل أو المحالين إلى المجلس العدلي إلخ... وتنصّ هذه الإضافة على اعتماد قاعدة استثنائيّة قوامها وجوب إخلاء سبيل المدعى عليه حكمًا، في كل الجرائم المرتكبة قبل تاريخ صدور هذا القانون والتي لم تصدر أحكام فيها، وفي حال تجاوزت مدة التوقيف 12 سنة سجنية (أي عمليا 9 سنوات فعلية). ويبدو أن المحفّز لوضع هذه المادة هو ضمان إطلاق سراح الشيخ أحمد الأسير الذي تم احتجازه في آب 2015، ولما يزال يحاكم في قضيتين بينما يتمّ إطفاء العقوبة المحكوم عليه بها في قضية بحنين بفعل إضافة تخفيض العقوبات. ورغم أن استمرار مدة التوقيف الاحتياطيّ 9 سنوات هو أمر يتعارض مع مبادئ المحاكمة العادلة، فإنه من المستغرب أن تتمّ معالجة هذه الوضعية من خلال قاعدة استثنائيّة تطبّق فقط على الذين ارتكبوا جرائم سابقة لنفاذ القانون من دون أن تطبّق على الذين قد يرتكبون جرائم مستقبلا. فكأنما يهدف الاقتراح إلى وضع حدّ لمظالم تعرض لها موقوفون حاليون من دون أن يعير أي اهتمام لضرورة عدم تكرار هذه المظلمة مع أي موقوف مستقبلًا. وهنا يشار إلى أن النائب بلال عبدالله تقدم باقتراح قانون في تاريخ 16/12/2024 هدف إلى تعديل المادة 108 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على نحو يجعل مدة التوقيف القصوى سبع سنوات. وهو اقتراح أكثر تناسبا لأنه يضع قاعدة عامة دائمة فضلا عن أنه ينص على مدّة أكثر تواؤما مع مبادئ المحاكمة العادلة.
انتصار لنظام اللامحاسبة تحت غطاء "مفهوم العدالة الانتقالية"
انطلاقًا مما تقدّم، يظهر أن مُقدّمي الاقتراح قد فشلوا في تبرير منح العفو العام عن جرائم شديدة الخطورة مثل جرائم التعذيب والإرهاب وتبييض الأموال والتهرّب الضريبي وتهريب الرساميل والإتجار بالبشر والعمالة والتعدّي على المشاعات وجرائم الحرب من دون أيّ مبرر. وفيما حاول مقدّمو الاقتراح تبرير العفو العامّ شبه الشامل باكتظاظ السجون وطول أمد التوقيف وما يرشح عنهما من مظلومية، فإنهم لم يبيّنوا إطلاقًا العلاقة بين هذه المظلومية ومنح العفو العامّ بصورة شبه شاملة لفئات لم تتعرّض يوما للمحاسبة أو المساءلة رغم خطورتها الاجتماعية أو هي في موقع فرار من العدالة. حتى بدا وكأنّ مظلومية فئة أو عدد من الموقوفين ومعاناة أهاليهم تحوّلت إلى مجرّد ذريعة تستغلّ لتعميم المظلومية ومعها العفو على حالات لا تمّت بصلة إليها. وقد بلغ هذا التوجّه مستوًى سرياليّا مع شمل منحة العفو العام جرائم لم ترتكب بعد، بما يشكل تشجيعا على ارتكاب جرائم، وكلّ ذلك تحت غطاء المظلوميّة التي تُعاني منها فئةٌ أو فئاتٌ من الموقوفين لآماد طويلة.
وما زاد من هجانة الاقتراح هو استحضار مفهوم العدالة الانتقاليّة بعد حصر مداه هو أيضا بمظلومية السجون والمحاكم بمعزل عن سائر المظلوميات والأهم بعد اختزاله بآلية العفو العام مع إسقاط مجمل الآليات الأخرى الملازمة له وأهمها تثبيت الحقائق وإنصاف الضحايا والمصالحة والإصلاح الاجتماعي واتخاذ إجراءات لمنع التكرار.
إكرامية العفو العامّ خلسة ومن دون مبرّر؟
كما سبق بيانُه، يقبل الاقتراح الانتقاد لجهة منح العفو العام الكامل أو المخفّف مع ما يستتبع ذلك من تعليق أو تخفيف للمسؤوليات الجزائية، بخلاف مبدأيْ الشفافية والمساواة أمام القانون. فلئن كان المشرّع مخوّلا التدخّل لمنح العفو العام، إلّا أنّه يلزم أن يبرّر تدخّله بصورة شفافة بالنظر إلى مفاعيل العفو العام على حقوق الضحايا والحقّ العامّ والأهم على صعيد مبدأ المساواة أمام القانون. كما يلزم أن يبقى هذا التدخل استثنائيّا كي لا تفقد القوانين الجزائية قوتها الردعية بفعل قوة احتمال الحصول لاحقا على عفو عام.
والواقع أن الاقتراح يجافي هذه القواعد من زوايا عدة.
وهذا ما يتحصّل بشكل واضح من اعتماد مبدئيّة العفو أي اعتبار الجرائم مشمولة بالعفو ما لم تكن مستثناة صراحةً منه. ومؤدّى ذلك وفق ما بيناه أعلاه أنّ العفو يشمل ليس فقط الجرائم التي أعلن المشرّع رغبته في منحها إياه، إنما أيضا الجرائم التي لم يشملها أيّ إعلان من هذا النوع أو ربما فقط لم يتنبّه إلى وجوب استثنائها من العفو العام. وفي الحالة الأولى، يكون الاقتراح محاولة خبيثة لفرض عفو غير مستحقّ أو بصورة مستترة خشية إثارة تحفّظات لدى الرأي العام. وفي الحالة الثانية، نكون أمام خطأ تشريعي فادح قوامه إبراء ذمّة أشخاص قد يكون ثبت تورّطهم في جرائم خطيرة جدا من دون أي مبرّر حقيقي. ومن شأن التدقيق في الاستثناءات كلا على حدة كما فعلنا أعلاه أن يؤكد على خطورة هذا التوجه.
فمع التسليم بتعرّض الإسلامييّن للتعسّف وأحيانا للتعذيب في القضايا المحالة أمام المجلس العدلي أو المحكمة العسكرية، لا نفهم لماذا تمّ منح جرائم التعذيب التي هي أصل مظلوميتهم، العفو العامّ. فإذا كان انتهاج التعذيب مبررا للعفو عن ضحايا التعذيب، فإنه لا يشكّل بأيّة حال مبرّرا لذاته. ولا يردّ على ذلك أن القانون يستثني الجرائم التي يتم فيها اتخاذ صفة الادّعاء الشخصي، طالما أنه يفترض أن هذا الجرم خطير إلى درجة لا يصح ترك إمكانية ملاحقتها لقرار الضحية، التي ستكون معرضة لضغوط مضاعفة للتنازل عن حقّها، وهي ضغوط تمارس اليوم في أغلب الحالات تحت طائلة إجراءات قمعية وينتظر أن تتزايد في حال إقرار الاقتراح الحاضر.
ثم، وبنتيجة تعرّض المجتمع اللبناني لإحدى أكبر عمليات النهب في التاريخ، ما معنى تدخّل المشرع للإعفاء عن جرائم تبييض الأموال والتهرب الضريبي وتهريب الأموال و الإفلاس الاحتيالي أو عن سرقة المشاعات، وكلها جرائم تبقى بعيدة جدا عن الملاحقة وتكاد تخلو السجون من أي موقوف على خلفية ارتكابها؟ وهل يكون التدخّل هنا بمثابة تصحيح لمظلومية أم تأبيد للظلم وتكريس له؟
وأكثر فأكثر، لا نفهم أسباب منح العفو لجرائم الحرب التي شهدها لبنان خلال الأسابيع الماضية والإتجار بالبشر.
هذا فضلا عن أن العديد من مواده بدت مبنيّة في صياغتها على وضعيّات خاصة مثلما يظهر أعلاه بشأن تخفيض العقوبات أو وضع سقف للتوقيف الاحتياطي. بمعنى أنّه تمّ تطريز هذه المواد ليس انطلاقا من معايير مبرّرة حقوقيّا ومنطقيّا، إنما قبل كل شيء انطلاقا من إرادة ضمان استفادة بعض المحكومين أو المتهمين من أحكام القانون، سواء لإبراء ذمتهم بصورة تامة أو لضمان الإفراج الفوري عنهم.
أخيرا، يظهر الاقتراح منحى مخادعا قوامه منح العفو العامّ من دون البوح بذلك. وهذا ما نستشفّه من إعلان الاقتراح استثناء جرائم معنيّة معتبرًا إيّاها جرائم لا تغتفر ليسارع إلى تبرئة ذمم المحكومين بها بما أسميناه عفوا عاما موازيا. وهذا التوجه يظهر العفو العام ليس على أنه خيار اجتماعي بل على أنه نتيجة مهارة أو شطارة قوامها خداع الرأي العامّ حول حقيقة مضمونه.
انتصار منطق اللامحاسبة تحت غطاء العدالة الانتقالية
النقطة الثانية التي يجدر التوقّف عندها هي استحضار مفهوم العدالة الانتقالية في الأسباب الموجبة كما سبق بيانه. وما يستوقفنا هنا بشكل خاصّ أمور ثلاثة:
الأول، إنّها المرة الأولى التي يتم فيها استحضار هذا المفهوم في لبنان رغم تعرّض هذا البلد لحروب متعددة بدءا من الحرب الأهلية 1975-1990 وانقسامات عدة أخذت طابع التحارب، فضلا عن تعرّضه للعديد من جرائم النظام الشاملة كجريمة سلب ثروات اللبنانيين من خلال المصارف. وقد انتهت أغلب هذه الأحداث إلى إفلات تامّ من العقاب، من دون إيلاء إنصاف الضحايا وفي مقدمتهم ذوي المفقودين ولا حقهم بالمعرفة أي اهتمام؟ وعليه، ومن دون التقليل أبدًا من مظلومية فئاتٍ من السجناء، فكيف نشرح إذا أن تستحضر العدالة الانتقالية فقط لمعالجة معاناتهم وأهلهم من "ظلم الدّولة"، وكأنّهم الفئة الوحيدة التي تعاني من المظلوميّة فيما المجتمع اللبناني يكاد يتحوّل برمّته إلى شعبٍ من الضّحايا؟
أما الأمر الثاني الذي يجدر التوقّف عنده فهو تشويه مضمون هذا المفهوم وصولا إلى استخدامه بصورة مجتزأة تفقده أي معنى. فلئن يهدف مفهوم العدالة الانتقالية إلى اعتماد آليات مختلفة للمساءلة في ظروف معينة تفترض تغليب إنصاف الضحايا والمصارحة والمصالحة في مقاربة الجرائم المرتكبة والتعهد بعدم تكرار الجرائم على المنطق العقابي، فإن الاقتراح انتهى على غرار ما فعله المشرّع في أعقاب حرب 1975-1990 إلى تكريس مبدأ العفو العام من دون إيلاء أيّ اهتمام لضحايا الجرائم التي سقطت بالعفو الكامل أو العفو المخفّف ومن دون أي مساءلة أو مصارحة أو حتى مصالحة أو التزام. وما يشدُه هنا هو ذهاب واضعي الاقتراح إلى تحميل الدولة (أي كل الناس) وحدها مسؤولية الظلم، بما يتماهى مع الخطاب الذي حمّل ويحمّل "الدولة" (أي كل الناس) مسؤولية الخسائر المصرفية.
أما الأمر الثالث - وهو ربما الأخطر- أن مقدّمي الاقتراح لم يجدُوا حرجًا في تعميم منحة العفو العامّ على النحو الذي تقدّم من دون أيّ مبرّر، وذلك على أمل الحصول على تأييد الغالبية النيابية له. وبذلك، بدا هؤلاء على أتمّ الاستعداد لمقايضة العفو العام عن فئة الإسلاميين (وهم المعنيين عموما بمعاناة السجون وطول أمد التوقيف) بالعفو العام عن المصرفيين والعملاء ومافيات المخدرات.
وبذلك، وبخلاف لما ادّعاه الاقتراح، فإنّ مؤداه ليس تحقيق العدالة الانتقالية، بل على العكس من ذلك تكريس انتصار اللامحاسبة واللاعدالة على أي اعتبار آخر، وكل ذلك من دون التهيئة لأي تغيير أو انتقال إلى مستقبل أفضل.
معالجة المظلوميّة من دون منابعها
أخيرا، نشدد مجدّدا على خلو الاقتراح من أيّ رؤية إصلاحية للمستقبل. ففيما ترافق اقتراح قانون العفو العام مع سواد خطاب يركز على ضرورة معالجة أوضاع غير عادلة، منها رواج التدخّل السياسي في القضاء أو الإخلال في مبادئ المحاكمة العادلة أو وجود تشريعات ظالمة، فإن الاقتراح يخلو مثل الاقتراحات السابقة من أيّ توجه إصلاحي منعا من تكرار الظلم مستقبلا.
فلا نجد في الأسباب الموجبة أي التزام بالعمل لإصلاح المحكمة العسكرية أو القضاء الاستثنائي أو تعديل شروط التوقيف الاحتياطي بصورة دائمة أو حتى التزام بتنمية مناطق تعاني من نسب عالية من الفقر إلخ. كما لا نجد فيها أي التزام بمعالجة أسباب تعطيل القضاء وبخاصة في ظل التطبيق العبثي للمادة 751 من قانون اصول المحاكمات المدنية أو تعطيل المجلس العدلي منذ قرابة السنة بفعل فقدان أحد أعضاء هيئته الحاكمة؟ جلّ ما ورد في الأسباب الموجبة، تمنيات أن يستفيد وزير العدل من تخفيف الاكتظاظ في السجون لإعادة تنظيمها (!!!).
وبذلك، وعلى فرض أن الاقتراح يؤدّي في حال إقراره إلى تصحيح أوضاع أشخاص يعانون من مظلومية معينة، فإنه يتعايش مع استمرار منابع الظلم على حالها من دون أيّ تعديل. ومن هذه الزاوية، يصعب في الواقع فهم دوافع معدّي الاقتراح الذين لئن راعتْهم المظلوميّة التي تعرض لها مواطنون في الماضي يبقون غير مبالين إزاء احتمال تعرض مواطنين آخرين للمظلومية نفسها في المستقبل. فهل تنبع مبادرتهم من هوية الأشخاص المراد منحهم العفو العام أو انتماءاتهم بمعزل عن أيّ اعتبار يتصل بالعدالة أو المصلحة العامة؟ أم أنّ توجههم يعكس مقاربة لحكم القانون على أنه حكم هشّ يمكن التدخّل لإسقاط مفاعيله كلما لزم الأمر تصحيحًا للأوضاع الظالمة التي قد تكون نشأت عنه؟ ومن هذه الزاوية، يكون قانون العفو العام في حال إقراره مجرد مقدّمة لاقتراحات عفو عامّ مستقبلية دائما بمعزل عن أيّ إصلاح تشريعيّ أو مؤسساتيّ. وهذه المقاربة تشكّل بحدّ ذاتها منسفا للضوابط القانونية ومعها الحقوق والأمان الاجتماعي وارتهانًا لحكم القوة، بما يرفد منابع الظلم بقوة مضاعفة.
وما يزيد من قابلية الاقتراح للانتقاد هو أنه انتهى في بعض ما تضمنه ليس فقط إلى تجاهل منابع المظلومية، بل أيضا إلى تكريسها وترسيخها وتعزيزها. وليس أدلّ على ذلك من منح العفو العامّ لجرائم التعذيب، أو تكريس أهميّة المجلس العدليّ (وكلاهما قضاء استثنائي) من خلال استثناء جميع الجرائم المحالة إليه من العفو العام.
اقتراح قانون يغلب فيه منطق القوة على منطق الحقوق
كخلاصة، جاز القول أن اقتراح العفو العام ينبني في صياغته وأهدافه على منطلقات عصبيّة. ويتأكد هذا الأمر من انتماءات النواب المبادرين وخلفياتهم. كما يتأكد من مضمون الاقتراح: فعدا عن أن معدّيه عمدوا إلى تطريز عدد من مواده على قياس أشخاص بعينهم، فإنهم لم يكلّفوا أنفسهم عناء تبريرها بمقتضيات العدالة أو المصلحة العامة. ومؤدّى ذلك هو تحويل "العفو العام" إلى ساحة للمكابشة والمساومات الطائفية والسياسية وربما لإعلان ارتقاء قوى جديدة في موازين القوى، مع ما قد ينتج عنه من فيتوات متبادلة أو محاصصة، وهنا ايضا على نحو يحجب أبعادها الحقوقية الأكيدة المشار إليها أعلاه. فلئن شكّل التحرّر من سلطان القضاء والقانون دليلا على امتلاك القوة، فإنّ الحصول على العفو العامّ يشكل بالطريقة التي يحصل فيها دليلا على اكتسابها، وكل ذلك على حساب دولة الحق والقانون.