كامل نتائج جلسة 11/8/2026: العفو العام 1991-2026

فادي إبراهيم , لين أيوب

12/08/2026

انشر المقال

عقدت الهيئة العامة للمجلس النيابي جلسة تشريعية يومي الثلاثاء والأربعاء الواقع في 11 و12 آب 2026، وذلك لمناقشة 14 بندًا على جدول الأعمال على رأسها قانون العفو وإلغاء عقوبة الإعدام وقانون الإعلام وتعديلات على قانون إصلاح أوضاع المصارف وإعادة تنظيمها. ولئن وُضعت هذه البنود الأربعة في بداية الجلسة، فقد أقرّت جميعها بحلول الفترة الصباحية من اليوم الثاني، ما أدّى إلى ترك بنود "أقل أهمّية" وحساسية إلى الجلسة المسائية من اليوم الثاني. وقد دفع ذلك العديد من النواب إلى التغيّب عن الفترة المسائية بعد التعب والنقاشات المطوّلة في اليوميْن الأوليْن، ما أدّى إلى عدم اكتمال النصاب لاستكمال باقي بنود جدول الأعمال. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أنّ خلاصة محضر الجلسة قد تُلي بعد إقرار البند الرابع المتعلّق بتعديل قانون إصلاح المصارف، تحسّبًا لعدم اكتمال النصاب ولعدم تعليق القوانين المذكورة.

وبمحصّلة الجلسة، أقرّت الهيئة العامة للمجلس النيابي 4 بنود ناقشتها من أصل 14 بند على جدول الأعمال، بينما لم تُناقش باقي البنود لفقدان النصاب.

سنقوم هنا بدراسة مجريات الجلسة وبنودها وفق الترتيب الوارد في جدول أعمالها. لكن قبل المضي في ذلك، سنخصص فقرة لعرض أبرز ما تحدّث به النواب خلال تلاوة الأوراق الواردة لتبيان اهتمامات النواب بعيدًا عن جدول الأعمال.


عطش نيابي لمناقشة حكومة غائبة

منح رئيس المجلس النيابي قبل البدء بمناقشة جدول الأعمال مدّة نصف ساعة لتلاوة الأوراق الواردة. وإذ علم المرصد البرلماني أنّ طلبات لتلاوة هذه الأوراق قدّمت قبل الجلسة وأُعلم النواب بأنّه لن تخصّص فقرة لتلاوتها، يبدو أنّ رئيس المجلس النيابي غيّر رأيه في اللحظات الأخيرة في محاولةٍ لكسب الوقت لحلّ بعض الخلافات في ما يتعلّق ببنود جدول الأعمال، أبرزها الخلاف بين رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الدفاع ميشال منسّى بعد أن أبدى الأخير رغبةً في إلقاء كلمة عند مناقشة قانون العفو.

ومع إتاحة المجال للنوّاب بتلاوة بعض المواقف، يتبيّن أنّ اهتمامات هؤلاء تركّزت على ضرورة مناقشة الوضع في جنوب لبنان بالإضافة إلى العديد من المواضيع المتعلّقة بوزارة التربية، كما إعادة التذكير بمقترحات تشريعية يرغب النواب بوضعها على جدول الأعمال. وإذ أخذت تلاوة الأوراق الواردة طابع المساءلة للحكومة، فإنّ رئيس الحكومة لم يكن داخل القاعة طيلة هذه الفترة لحلّ خلافه مع وزير الدفاع، ولم يحضر نائب رئيس الحكومة طارق متري الجلسة، كما أمضى وزير الصناعة جو عيسى الخوري فترة تلاوة الأوراق الواردة وهو يلعب لعبة "الكلمات المتقاطعة" في جريدة الأخبار، أمّا وزيرة التربية ريما كرامي التي تمحور العدد الأكبر من المواضيع المطروحة حول وزارتها، فقد أفاد النائب إيهاب حمادة أنّها في إجازة لمدّة شهر خارج لبنان.

برز في الكلمات مطالبة عدد من النواب بإدراج عدد من المشاريع والاقتراحات على جدول الأعمال. النائبة بولا يعقوبيان طالبت بإقرار قانون معجل مكرّر يعلّق فيه المهل في جنوب لبنان لمدّة سنة، تبعًا للاعتداءات الإسرائيلية المستمرّة. وفي سياق متّصل طالب النائب وضّاح الصادق بوضع مشروع قانون للحصول على قرض من البنك الدولي لتغطية مساهمات برنامج أمان للأكثر فقرًا على جدول الأعمال، مؤكّدًا أن لهذا المشروع أهمّية كبرى في مساعدة أهل الجنوب والفقراء في لبنان عمومًا، وهو ما أكّد عليه النائب فراس حمدان. كما طالب الصادق بوضع اقتراح الرعاية الصحية الشاملة الذي انتهى درسه في اللجان النيابية، كما طالب بإعادة إدراج موضوع استقلالية القضاء العدلي على جدول الأعمال. أمّا النائبة نجاة عون، فقد حذّرت من أزمة نفايات قريبة مطالبةً بمناقشة اقتراح قانون تقدّمت به لتعديل قانون معالجة النفايات الصلبة. 

وفي تذكير بموجبات المجلس النيابي لعقد جلسات معيّنة، طالب النائب جورج عدوان بعقد جلسة لانتخاب أعضاء المجلس الدستوري بعد انقضاء سنة على انتهاء ولايتهم. أمّا النائب سامي الجميّل، فقد ذكّر بما قاله في الجلسة التشريعية السابقة، مطالبًا بعقد جلسة مناقشة عامة لمناقشة الحرب. فقد اعتبر الجميل أنّه يشعر وكأن المجلس النيابي سلطة إدارية وليس سلطة سياسية عليا في البلاد، متسائلاً حول جواز استقالة المجلس النيابي من الشأن السياسي خصوصًا في حالة حرب. بالتوازي، تحدّث النائب جميل السيد عن اتّفاقيْن منذ الحرب الماضية بالإضافة إلى اتّفاقية الترسيم مع قبرص لم تُعرض كلّها على المجلس النيابي رغم صلاحيته، مؤكدًا أنّ هذه الصلاحيات ليست عابرة بل تُعطي شرعية للاتّفاقات ولا شرعية بدونها، مطالبًا بعرض هذه الاتّفاقات على المجلس النيابي. كما أكّدت النائبة حليمة القعقور على وجوب أن يتحدّث المجلس النيابيّ بالسياسة، لا أن يبقى مجلس النواب متفرّجًا على قاعدة "شاهد ما شفش حاجة". وقد طالبت قعقور أيضًا بعقد جلسة تشريعية خاصة بالاقتراحات المعجّلة المكرّرة لوجود اقتراحات عديدة مستعجلة تتعلّق بشؤون الناس.

من جهته، ذكّر النائب جبران باسيل بوجوب عقد جلسة مساءلة للحكومة بعد كل 3 جلسات تشريعية، مشيرًا إلى انعقاد 4 جلسات تشريعية من دون القيام بذلك، مؤكدًا على وجوب إخضاع الحكومة للرقابة وأنّ الموضوع بعيد عن السياسة. وقد أشار باسيل إلى أنّ كتلته وجّهت إلى الحكومة 44 سؤالًا، لم تُجب الحكومة إلّا على 7 منها وجوابها في موضوع النزوح أتى بعد أكثر من سنة وكان مضحكًا مبكيًا وبعيدًا عن الواقع ويُشير إلى خِفّةٍ في التعاطي الحكومي، معتبرًا أنّ تعامل الحكومة مع أسئلة النواب بهذه الطريقة لا يعدّ سوى استخفاف بالنواب. كما أثار النائب حسين الحاج حسن موضوع التعيينات، حيث اعتبر أنّ الحكومة تقدّم نفسها على أساس أنّها إصلاحية إلّا أنّها قامت بتعيينات في جلستها الأخيرة بعد أن أرسلت عشرات السيَر الذاتية قبل 4 ساعات من الجلسة ولم يتسنّ للوزراء درسها، كما أنّ التعيينات شهدت تعيين مدير عام يبلغ 74 عامًا من العمر.

وفي مساءلة الحكومة أيضًا، تساءل النائب علي حسن خليل عن موقف وزارة الخارجية اللبنانية (في ظلّ غياب لوزير الخارجية يوسف رجّي عن الجلسة أيضًا) حيال الخريطة التي نشرتها وزارة الخارجية الإسرائيلية والتي تقتطع فيها أجزاء كبيرة من لبنان، متسائلًا عن الإجراءات التي سيتم اتّخاذها في هذا الصدد. وإذ أشار النائب قاسم هاشم إلى الموضوع نفسه، تحدّث أيضًا عن عدوانٍ متسارع في الأسابيع الأخيرة قوامه إشعال الجيش الإسرائيلي للحرائق في الجنوب لجعله "منطقة منزوعة الحياة". كما أكّد النائب حسين الحاج حسن على الموضوع نفسه متسائلًا إذا ما رأت "السلطة" هذه الخريطة، متسائلًا إذا ما كان "التجريف" الحاصل في الجنوب من مسؤوليتها أم مسؤولية إسرائيل، متسائلًا أيضًا إذا ما كانت الوظيفة الوحيدة لها هي التفاوض. وفي سياق متّصل، سألت النائبة حليمة القعقور عن الإجراءات التي تتخذها الحكومة في ظلّ الاعتداءات الإسرائيلية التي حوّلت جنوب لبنان إلى "مشاريع مستوطنات" مؤكدّة أنّها طالبت الحكومة باتّخاذ العديد من الإجراءات ومن بينها الانضمام إلى نظام روما من دون أن تقوم الحكومة بأي خطوة. وقد تحدّث النائب علي المقداد متسائلًا عن أسباب انقطاع مادة المازوت بالإضافة إلى الكهرباء في الأيّام الأخيرة، مشيرًا إلى تداعيات كارثية على المزارعين في البقاع من جرّاء ذلك.

تربويًا، تحدّثت النائبة بولا يعقوبيان عن موضوع الامتحانات الرسمية، معتبرةً أنّ المجلس النيابي أقرّ القانون لكنّه لم يتطرّق إلى موضوع الطلبات الحرّة، ما حرم هؤلاء من الحصول على إفادة ويقتضي إجراء امتحانات لهم، إلّا أنّ وزارة التربية لم تدعُ إلى امتحانات لهؤلاء علمًا أنّ بدء السنة الجامعية على الأبواب وهذا يكلّف الطلّاب سنةً دراسيةً كاملة. وعليه، طلبت يعقوبيان مناقشة موضوع الطلبات الحرّة من خارج جدول الأعمال بصيغة المعجّل المكرّر. أكّد النائب إدغار طرابلسي على كلام يعقوبيان، مضيفًا إشكالية أخرى تتعلّق بوزارة التربية قوامها امتحانات الكولوكيوم السريرية التي تُنظّم للمرّة الأولى من 40 عامًا، والتي تُعرقل التحاق الطلاب باختصاصاتهم حيث لم يتسنّ للعديد منهم تقديم طلباتهم. وقد أكّد النائب حيدر ناصر أيضًا على إشكالية امتحان الكولوكيوم السريري لهذه السنة مع تأخّر الإعلان عنه وفوات الفرصة على عدد من الطلاب الذين سافروا إلى الخارج ولم يقدّموا طلباتهم، مطالبً بإلغائه لهذا العام. وإذ أكّد النائب إيهاب حمادة على أنّ موضوع الكولوكيوم السريري سيشكّل خللًا في العام الدراسي للعديد من الطلّاب، أشار إلى أنّ موضوعًا آخرَ يهدّد العام الدراسي في المدارس وهو إسقاط اقتراح قانون احتساب ساعات المتعاقدين والمستعان بهم في القطاع التربوي في ظل الظروف الحالية القاهرة بحسب الساعات المنصوص عليها في العقود عن العام الدراسي 2025/2026، كما أكّد حمادة على وجوب النظر بموضوع أصحاب الطلبات الحرّة في الشهادة الرسمية. وقد أكّد النائب علي المقداد أيضًا على موضوع الكولوكيوم وأنّ الامتحان السريري الذي يُعمل به لأوّل مرّة منذ 40 عامًا أربك الطلّاب وأكّد ألّا مانع بالإبقاء عليه ولكن ابتداء من السنة المقبلة.

وفي هذا الصدد، يُلحظ أمران: الأولّ، أنّ أيًّا من النواب لم يتطرّق إلى موضوع الزيادة على المخصصات الشهرية التي يتقاضونها لتصل إلى 5 آلاف دولار بعد أن كان هذا الموضوع يشغل الرأي العام طيلة الأسبوع الماضي. والثاني، أنّ كل هذه التساؤلات لم تستدعِ أيّ جواب من الحكومة برئيسها أو وزرائها.


البند رقم 1: اقتراح القانون الرامي إلى إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان

أقرّت الهيئة العامّة أحد أهم البنود على جدول أعمالها وهو اقتراح إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان، في خطوة سباقة بين الدول العربية. وقد صدّق المجلس على الاقتراح معدّلًا وفق صيغة تقدّم بها النائب عبد الرحمان البزري وكان توافق عليها "تجمّع النواب السنة"، وقد أيدها عدد من النواب، إضافة إلى تعديل قدمه النائب ملحم خلف.

وفيما لم يعرف مضمون الصيغة الأخيرة التي تمّ التصويت عليها، إلّا أنّ أساس هذه التعديلات يقوم على استبدال عقوبة الإعدام بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة بالنسبة للجرائم المرتكبة بعد نفاذ القانون، أما بخصوص الجرائم المرتكبة قبل نفاذ القانون، فتستبدل فيها عقوبة الإعدام بالعقوبة التي تليها مباشرة، وهي عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة.

وفيما أفردنا مقالًا لتفصيل المناقشات النيابية حول الاقتراح، نورد أدناه أهمّها:

النقاشات النيابية: إنجاز تاريخي يطغى عليه جدل العقوبة البديلة

استهلّ النائب عبد الرحمن البزري النقاش بالإعلان عن إعداد مجموعة من 23 نائبًا، وهو تجمّع "النواب السنة"، اقتراحًا لتعديل المادة الأولى من اقتراح إلغاء عقوبة الإعدام لتصبح:  "تلغى عقوبة الإعدام أينما ورد النص عليها في القوانين اللبنانية، وتستبدل على الوجه الآتي:

  • تستبدل عقوبة الإعدام بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة بالنسبة للجرائم المرتكبة بعد نفاذ هذا القانون.
  • أما الجرائم المرتكبة قبل نفاذ هذا القانون فتستبدل فيها عقوبة الإعدام بالعقوبة التي تليها مباشرة، وهي عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة".

وشدّد عددٌ من النواب على أهمية الاقتراح استنادا إلى أسبابه الموجبة، منهم النائب الياس حنكش الذي ربط إلغاء العقوبة أيضًا بإمكانيّة استرداد المطلوبين من دول ألغت الإعدام، مستشهدًا بحالات تعذّر فيها ذلك، وبأهمية أن يكون لبنان من الدول السبّاقة في المنطقة إلى إلغاء العقوبة. وقد ذهب في الاتّجاه نفسه رئيس لجنة حقوق الإنسان النائب ميشال موسى مشيرًا إلى أنّ لبنان لم ينفّذ أيّ حكم بالإعدام منذ العام 2004، وأنّ الوقت حان لإلغاء العقوبة من النصوص القانونية. من جهته، وصف وزير العدل عادل نصّار الجلسة بأنّها "يوم تاريخي"، وأشار إلى أنّ إلغاء العقوبة من شأنه تسهيل استرداد المجرمين من الدول التي ألغت الإعدام، كما شدّد على أنّ العدالة والقضاء لا يفترض أن يتحوّلا إلى أداة للقتل، في ظلّ خطر الخطأ القضائي، معتبرًا أنّ الدولة التي تحترم العدالة لا يمكنها أن تمنح القاضي سلطة تقرير الموت.

في المقابل، ركّز عدد من النواب على صيغة العقوبة البديلة، منهم النائب نبيل بدر الذي رأى أنّ الغاية الأصلية من الاقتراح هي إلغاء الإعدام واستبداله بالعقوبة التي تليه، وهو ما حققته الصيغة التي أقرتها لجنة حقوق الإنسان ومطالبًا بالعودة إليها لعدم وجود تعريف قانوني للعقوبة البديلة "المشددة". وهو الموقف الذي لاقاه فيه النائب فراس حمدان. 

ومن جهته، أثار النائب جهاد الصمد اعتراضًا مبدئيًا على إلغاء عقوبة الإعدام لتعارضه مع الشريعة الإسلامية، وقد قوبلت مداخلته بتصفيق من بعض النواب. وقد لاقاه في هذا الاتجاه النائب إدغار طرابلسي معتبرًا أنّ "القانون الإلهي أرفع من القوانين الوضعية".

في المقابل، شدّدت النائبة بولا يعقوبيان، بصفتها من مقدمي الاقتراح، على أهمية الاقتراح أن يكون لبنان سبّاقًا في إلغاء العقوبة، وأبدت ملاحظات على الصيغة المطروحة، أبرزها ضرورة تعديل المادة الرابعة لإلغاء المادة 93 من قانون القضاء العسكري المتعلقة بتنفيذ عقوبة الإعدام. كما اعترضت على تقييد صلاحية مجلس النواب في مجال العفو، باعتباره "سيّد نفسه"، وطالبت بتوضيح آلية استفادة المحكومين من قوانين تخفيض العقوبات، منعًا للالتباس.

كذلك اعتبر النائب ملحم خلف أنّ إلغاء الإعدام موقف أساسي في مجال حقوق الإنسان، مشددًا في الوقت نفسه على أنّ إلغاء العقوبة لا يعني إلغاء العقاب. وانطلاقًا من مبدأ هرمية العقوبات في العلم الجنائي، رأى أنّ إلغاء عقوبة الإعدام يستوجب تحديد عقوبة بديلة تحافظ على هذا التدرج، مؤيدًا استبدالها بالأشغال الشاقة المؤبدة المشددة. كما اقترح حذف عبارة "المشددة" من المادة الخامسة في سياق منع المحكوم من الاستفادة من تخفيضين للعقوبة. وشدد النائب جورج عقيص على أنّ القاعة تكاد تجمع على مبدأ إلغاء عقوبة الإعدام، وأنّ الخلاف الفعلي يتمحور حول العقوبة البديلة. وأكّد ضرورة الحفاظ على هرمية العقوبات وتمييز الجرائم بحسب خطورتها. ورأى أنّ استبدال الإعدام بالأشغال الشاقة المؤبدة العادية قد يؤدي إلى مساواة جرائم متفاوتة في الخطورة، ولذلك شدد على ضرورة وجود "أشغال شاقة مؤبدة مشددة" إلى جانب الأشغال الشاقة المؤبدة العادية، مؤيدًا تعديلات البزري وخلف.

بدوره، اعترض النائب سيزار أبي خليل على مفهوم "الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة"، متسائلًا عن المقصود بها "منقفل عليه بقفلين؟"، ومعتبرًا أنّ الأشغال الشاقة نفسها عقوبة غير إنسانية وقد تعود إلى مجلس النواب في المستقبل لإلغائها. وطالب، في حال الإبقاء على وصف "المشددة"، بتعريفها بوضوح وربطها بعدم استفادة المحكوم من تخفيض إضافي للعقوبة.

وفي ختام النقاش، برزت بصورة خاصة مسألة منع الاستفادة المزدوجة من تخفيض العقوبة والعفو العام. فقد اعتبر النائب حسين الحاج حسن أنّ لبنان لا يطبق الإعدام أصلًا، وأنّ كتلة الوفاء للمقاومة لن تؤيد إلغاءه تشريعيًا ولا تعارضه، لكنه حذّر من أن يؤدي اعتماد الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة إلى استفادة المحكوم من العفو لاحقًا، بما قد يخفض عقوبة بعض الجرائم الخطيرة إلى مدد محدودة. ورأى أنّ الصيغة المطروحة قد "تخلق مشكلة جديدة"، داعيًا إلى معالجة قضية الموقوفين من دون السماح بتخفيض العقوبة مرتين.

وبالتوازي مع المداخلات العلنية، شهدت الجلسة سلسلة من الأحاديث الجانبية بين عدد من النواب والكتل، فيما طالبت بولا يعقوبيان بتوضيح ما يجري وبتحديد خلاصة هذه النقاشات، متسائلة عن سبب إضاعة الوقت. وفي نهاية النقاش، قطع رئيس مجلس النواب نبيه بري المداخلات ودعا إلى التصويت على تعديلات البزري وملحم خلف. إلا أنّ نواب حزب الله غادروا القاعة اعتراضًا على المسار الذي اتخذه النقاش، قبل الانتقال إلى التصويت على الاقتراح بمادة وحيدة مع الأخذ بالتعديلات بمناداة شكلية على 4 إلى 5 نواب من دون انتظار تلاوة جميع الأسماء أو الحصول على الجواب وتصديق الاقتراح وسط تصفيق النواب.

للاطلاع على مسار الاقتراح:

اقتراح القانون الرامي الى الغاء عقوبة الاعدام في لبنان

للمزيد من المعلومات حول الاقتراح يمكن مراجعة تعليقات المرصد البرلماني عليه:

نواب يقدمون اقتراح قانون لإلغاء عقوبة الإعدام في لبنان: ثمرة أولى لزيارة المقرر الخاصّ بالحقّ بالحياة

هل يلغي لبنان عقوبة الإعدام؟ قفزة إنسانيّة قبالة السّقوط الإسرائيليّ

"الإدارة والعدل" تنجز اقتراح إلغاء عقوبة الإعدام: رسالة تقديس للحياة البشرية في لحظة قاتلة

إلغاء عقوبة الإعدام في محطاته الأخيرة: رسالة تقديس للحياة رغم الهفوات


البند 2: تعديلات اللحظة الأخيرة على قانون الإعلام لم تمرّ

أقرّت الهيئة العامة للمجلس النيابي اقتراح قانون الإعلام الذي انتهت من إعداده لجنة الإدارة والعدل وأقرّته اللجان المشتركة بعد عقد ونصف من الزمن. يتضمّن الاقتراح أحكامًا إيجابية من شأنها تعزيز حماية الصحافيّين وحرية التعبير وتنظيم وسائل الإعلام من قبل هيئة تتمتع بضمانات الاستقلالية. إلا أنه احتوى أيضا على سلبيّات كثرت في الصيغة الأخيرة للاقتراح كما أنجزته اللجان المشتركة. وقد شهدت الجلسة محاولة في اللحظة الأخيرة من قبل النائب الياس بو صعب لتمرير 22 تعديلا على الصيغة التي انتهت إليها اللجان النيابية المشتركة وتوزيع الأوراق على النواب. وقد أتت هذه الصيغة بعد اجتماعات قام بها بو صعب مع نقابات الصحافة ووسائل الإعلام وبالتعاون مع وزير الإعلام بول مرقص، إلّا أنّ بو صعب لم ينجح في تمرير هذه التعديلات حيث أُخذ بالصيغة التي انتهت إليها اللجان النيابية المشتركة من دون أي تعديل.

ونظرًا لأهمّية الموضوع، فقد أفردنا مقالات خاصة تُعالج أبرز الملاحظات المتعلّقة به:

اقتراح قانون الإعلام: بين الإصلاحات الإيجابية والأفخاخ الجديدة

المناقشات النيابية: أيّ استقلالية للهيئة؟

بدأ النقاش النائب بلال عبد الله، الذي اعتبر أنّ الاقتراح المعروض على الهيئة العامة هو نتاج عشرات السنوات من العمل، إضافةً إلى جهد استثنائي في السنوات الأخير من اللجنة الفرعية للجنة الإدارة والعدل. وقد اعتبر عبد الله أنّ الاقتراح أُشبع نقاشًا وهدفه ألّا  تستخدم السلطة السياسية القانون للتضييق على الحرّيات العامة، مؤكدًا على موافقة كتلة اللقاء الديمقراطي على الاقتراح باستثناء السجن في ما يتعلّق بالأخبار الكاذبة.

أمّا النائب ابراهيم الموسوي، فأشار إلى أنّ كتلة الوفاء للمقاومة ليست ضدّ الاقتراح بل أسهمت فيه، لكنّ التشريع في ظلّ التطوّر المتسارع بات صعبًا. وقد اعتبر الموسوي أنّ في الاقتراح العديد من العبارات المطّاطة والفضفاضة التي تسمح لأي "دولة بوليسية" باستعمال هذه العبارات للتضييق على الحرّيات. وقد أشار الموسوي إلى تفضيله أنّ يعيّن أعضاء الهيئة الوطنية للإعلام مناصفةً بين مجلسي النواب والوزراء.

بالمقابل، نفى النائب جورج عدوان ما يُشاع عن أنّ الاقتراح يمس بالحريات العامة، مشيرًا إلى أنّ أكبر برهان على ذلك أنّ الأونيسكو اعتبرته من أفضل القوانين، مشيرًا إلى أنّه من المعيب تأجيل التصويت عليه بعد كل هذا الانتظار. وعلى عكس ما قاله النائب ابراهيم الموسوي، أكّد عدوان أنّ أعضاء الهيئة الوطنية للإعلام يجب أن يمثّلوا الأجسام الإعلامية وأن يقرّر هؤلاء حصرًا من سيكون فيها.

أمّا النائبة حليمة القعقور، فقد أشارت إلى أنّ القانون كان يُلزم التلفزيونات ببثّ الدراما اللبنانية بعدد 60 ساعة على الأقل سنويًا ما ينعكس مباشرة على مصلحة الفنانين اللبنانيين، إلّا أنّ ذلك لم يتم الالتزام به سابقا ما انعكس على حياة الفنانين. وقد أشارت قعقور إلى طرح من نقابة الفنانين بأنّ لا يُكتفى بغرامة على وسائل الإعلام غير الملتزمة بذلك، بل بتعويض يذهب إلى صندوق النقابة ليستفيد منه هؤلاء.

وفي خضمّ النقاش، أشار نائب رئيس المجلس إلياس بو صعب إلى تعديلات ستوزّع على النواب بعد اجتماع عقدته اللجنة الفرعية مع نقباء الصحافة، ومن بينها عدم محاسبة المساهمين في الوسائل الإعلامية على غرار ما هو معمول به في الشركات التجارية، كما وإلغاء عقوبة الحبس في الخبر الكاذب، كما وإزالة فكرة إباحة لكل صحافي إنشاء نقابة. وقد أيّد النائب جورج عقيص هذه التعديلات معتبرًا أنّها تأتي لسد جميع الثغرات في الاقتراح.

انتقد النائب وضّاح الصادق فكرة التعديلات التي هبطت على الهيئة العامة مشيرًا إلى أنّه كان عضوًا في اللجنة الفرعية ولم يُدعَ إلى الجلسة الأخيرة التي حصلت فيها هذه التعديلات، وهو ما اعتذر عنه بو صعب. وقد طالب عدد من النواب على رأسهم جبران باسيل وجيمي جبور وسليم عون من كتلة لبنان القوي بالحصول على وقت كافٍ لدراسة التعديلات الكثيرة. وقد اعتبر النائب جميل السيد أنّه لا يُمكن توزيع عشرات التعديلات في جلسة الهيئة العامة وأن يُطلب من النواب اتّخاذ موقف حيالها، مطالبًا بإعادة الاقتراح إلى اللجان لمناقشتها بدل ما أسماه "حشر" النواب تشريعيًا. وإذ دعا النائب ابراهيم الموسوي إلى التروّي في إقرار الاقتراح ومناقشته، طلب النائب وضّاح الصادق وضعه كأوّل بند في الجلسة الصباحية في اليوم التالي ليتسنّى للنواب دراسة التعديلات، وهو ما أيّده النائب ابراهيم منيمنة. وقد طلب النائب جورج عدوان تدوين رفضه لطرح أي صيغة تعديلية في أيّ قانون كان بعد أن يقرّ في اللجان النيابية ويحوّل إلى الهيئة العامة.

بناء عليه، وفي محاولةٍ لحلّ العديد من الإشكالات خصوصًا حول قانون العفو العام، قرّر رئيس المجلس النيابي رفع الجلسة لمدّة 4 ساعات ونصف بما يُتيح للنواب دراسة الاقتراح.

ومع استكمال الجلسة مساءً، عاد النائب جورج عقيص ليؤكّد أنّ التعديلات لم تؤثر على مرتكزات القانون، وقد أتت هذه التعديلات بعد النقاش مع أصحاب العلاقة ومن بينهم وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، طالبًا التصويت على الاقتراح وتعديلاته بمادّة وحيدة. وقد كرّر نائب رئيس المجلس النيابي الياس بو صعب ذلك مشيرًا إلى أنّ الخلاف محصور بالمادة 104 فقط المتعلّقة بعقوبة السجن في حالة الخبر الكاذب قائلًا ألّا مانع من التصويت فقط على هذه المادة ومن ثمّ على القانون برمّته بمادة وحيدة. وقد أيّد النائب فراس حمدان تعديلات بو صعب خصوصًا لجهة إلغاء المادة 104 التي تُعاقب بالسجن من يختلق عمدًا أخبارًا كاذبة، مشيرًا إلى أنّ التعديلات الأخرى ليست بالجوهرية. إلّا أنّ حمدان اعترض على تعديل وحيد يتعلّق بتركيبة الهيئة الوطنية للإعلام مشيرًا إلى أنّ التعديل يزيد عدد المعيّنين من الحكومة من 3 إلى 4 إلّا أنّه أبقى على 7 جهات تقوم بترشيح الأعضاء الستّة المتبقّين، مشيرًا إلى أنّ ذلك يؤدّي إلى عدم تناسق تشريعي مع عدم تحديد من هي الجهة التي لن تسمّي مرشحيها (وهو الأمر الذي كانت أشارت إليه المفكرة في تعليقها). وقد اعترض النائب ابراهيم منيمنة على قضية التعديلات على الهيئة أيضًا بنفس الفكرة التي أشار إليها النائب فراس حمدان حول الجهة التي سيتم سحب حقّ التمثيل منها، وهو ما أشارت إليه النائبة حليمة القعقور أيضًا، وأشارت إلى أنّ ضمان استقلالية الهيئات المستقلّة شرط أساسي للإصلاح. كما أشار منيمنة إلى خطورة إلغاء المادة 115 في التعديلات المقترحة والتي تضمن حرّية إنشاء النقابات الصحفية، معتبرًا أنّ المجلس يكون بذلك بشخطة قلم قد خالف الدستور وحرّية التجمّع وإنشاء التجمّعات النقابية.

بالمقابل، أثار النائب علي حسن خليل موضوع تأليف الهيئة الوطنية للإعلام معتبرًا أنّها بحاجة لأن تكون مستقلّة ومحصّنة من أي تدخّل، مطالبًا بجعل نصف أعضائها (5) يعيّنون في الحكومة والنصف الآخر في مجلس النواب. إلّا أنّ النائب جورج عقيص اعترض على ذلك معتبرًا أنّ التشريع في السنوات الأخيرة أرسى طريقة انتخاب الهيئات المستقلة لإبعادها عن السياسة، ومؤكدًا أنّه لا يجب التراجع خطوة إلى الخلف في التشريع عبر فكرة 5 بـ5.

النائب جميل السيد عاد واعترض على الطريقة التي أرسلت فيها التعديلات، معتبرًا أنّه من غير المقبول أن تجري اتّفاقات جانبية بأكثر من 22 نقطة في الاقتراح بعد أن تمّ الاتّفاق على صيغة نهائية في اللجان النيابية، مطالبًا بإعادة الاقتراح وتعديلاته إلى اللجان لدراستها. وقد انتقد السيد التعديل المقترح على المادة السادسة من الاقتراح والتي تمنع وسائل الإعلام ومالكيها من الحصول على امتياز أو التزامات أو إبرام عقود مع الدولة، إلّا أنّ تعديلات بوصعب أتت لتلغي هذه المادة. وقد ذكر النائب السيّد في هذا الصدد بالتراشق الإعلامي بين محطّتي الجديد والMTV حول قضايا الكهرباء وستوديو فيزيون، مشيرًا إلى أنّ هذا التراشق يؤكد على وجوب فصل الإعلام عن العمل بمصالح عامة.

رئيس لجنة الإعلام والاتّصالات ابراهيم الموسوي أشار إلى أنّ القانون يُعمل عليه منذ 16 عامًا. ولأنّ من واجب المشرع تقديم أفضل قانون ممكن، فلا ضرر من التريّث لمدّة شهر للنظر في التعديلات الجديدة. كما أشار إلى موضوع الهيئة الوطنية للإعلام معتبرًا أنّها ليست تفصيلًا، ومشيرًا إلى أنّ النقابات تعمل بالسياسة كما السلطة السياسية. وقد تشابهت وجهة نظر الموسوي مع زميله في الكتلة النائب حسين الحاج حسن، الذي أكّد على ضرورة إلغاء عقوبة السجن والتوقيف الاحتياطي مشيرًا إلى أنّ الإشكالية تكمن في الهيئة الوطنية. فقد عاد وأكّد الحاج حسن على ما قاله الموسوي لجهة أنّ النقابات مسيّسة، لا بل أضاف إلى أنّ بعضها مطيّف ومُمذهب. وقد أشار الحاج حسن إلى أنّ في فرنسا الهيئة الوطنية تُختار من قبل رؤساء الجمهورية ومجلس النواب ومجلس القضاء الأعلى، مؤكدًا أنّه لا يقبل بالتشكيك بالسلطتيْن التشريعية والتنفيذية. وفي موقف تصعيدي لافت، أشار الحاج حسن إلى أنّ الطروحات التي تُريد سحب موضوع الهيئة من السلطة التشريعية والتنفيذية تهدف للوصول إلى لامركزية الدولة وقائلًا حرفيًا "وسوروس مش بعيد".

من جهتها، اعتبرت النائبة بولا يعقوبيان أنّ الاقتراح هو أفضل الممكن مع تأكيد معارضتها للمادة 104 المتعلّقة بسجن من يختلق أخبارًا كاذبة عمدًا. وقد اعتبرت يعقوبيان أنّ عدم إقرار الاقتراح اليوم سيؤدّي إلى المماطلة به لسنوات طويلة مجددًا، معتبرةً أنّ الهيئة العامة بإمكانها مناقشة أي تعديلات في الجلسة الحالية.

وأشار النائب جبران باسيل إلى تأييد كتلته للاقتراح وإقراره ولكن معارضة التعديلات الواردة إلى الهيئة العامة شكلًا لأنّ هذه الممارسة ليست سليمة بحق أصول التشريع وبحق النواب الذين عملوا على القانون. وفي المضمون، اعترض باسيل على إلغاء المادة 104 لجهة إلغاء عقوبة السجن لمن يتعمّد اختلاق أخبار كاذبة، معتبرًا أنّه يجب معاقبة هذا الفعل لا منجه حصانة قانونية.

على إثر ذلك، طرح رئيس المجلس النيابي نبيه برّي الاقتراح على التصويت بالصيغة التي وردت من اللجان المشتركة بمادّة وحيدة وبرفع الأيدي ومن ثمّ بمناداة شكلية قوامها تلاوة أسماء بعض النواب من دون سماع رأيهم، ومن دون الأخذ بالتعديلات التي اقتراحها النائب الياس بو صعب، وسط ذهول ومعارضة الأخير ومحاولته إدراج تعديلاته إلّا أنّ برّي رفض ذلك. وقد حظي الاقتراح بالصيغة التي ورد فيها من اللجان المشتركة بالأكثرية النيابية برفع الأيدي وسط تصفيق نواب كتلة لبنان القوي واستمرار اعتراض بو صعب.

للاطلاع على الاقتراح ومساره:

اقتراح قانون الإعلام


البند رقم 3: اقتراح قانون يرمي إلى منح عفو عام وتخفيض مدة بعض العقوبات بشكل استثنائي

أقرّت الهيئة العامّة في صباح اليوم الثاني من الجلسة التشريعية اقتراح العفو العام وتخفيض مدة بعض العقوبات بشكل استثنائي، بالصيغة التي أقرّتها اللجان المشتركة إضافة إلى التعديلات التي قدّمها النائب عماد الحوت باسم "تجمّع النواب السنة" المؤلّف من 23 نائبًا وهي الآتية: تعديل على الفقرة المتعلقة بإسقاط الحق الشخصي في المادة الثالثة بشأن تخفيض العقوبات عن الجرائم المستثناة من العفو العام، بهدف استبدال الفقرة المتعلقة بإسقاط الحق الشخصي بالنص الآتي:" في جرائم القتل المقترنة أو المصاحبة بالظروف المشددة الآتية:

  • القتل العمد.
  • الاغتصاب أو الاعتداء الجنسي.
  • إذا ارتكبها أحد الأصول أو الفروع أو من له سلطة أو ولاية أو وصاية على الضحية.
  • إذا اقترنت بالتعذيب أو الوحشية أو التشويه أو الخطف.
  • إذا ارتكبت في إطار الاغتيال السياسي.

وكان المتضرر قد اتخذ صفة الادعاء الشخصي قبل 1/3/2026، فلا يستفيد المحكوم من التخفيض إلا بعد إسقاط الحق الشخصي". 

وذلك إضافة إلى تعديل المادة الخامسة المتعلقة بطول مدة التوقيف على النحو الآتي: "استثنائياً، وفي جميع الجرائم المرتكبة قبل 1/3/2026، إذا تجاوزت مدة التوقيف اثنتي عشرة سنة سجنية، في أي مرحلة من مراحل المحاكمة قبل انبرام الحكم أو اكتسابه الدرجة القطعية، يخلى سبيل المدعى عليه حكماً، وتستمر محاكمته أو إجراءات الطعن وفقاً للأصول القانونية، وتحتسب مدة الاثنتي عشرة سنة من تاريخ بدء التوقيف". بالإضافة إلى تعديلات أُدخلت خلال مناقشة المواد في الهيئة العامة.

ويشار إلى أنّ اللجان المشتركة أنهت في تاريخ 19 أيار 2026 درس الاقتراح الذي قدّمته كتلة الاعتدال في نيسان من السنة نفسها. وإذ حافظت اللجان على بنيان الاقتراح، فإنها عدّلت مضمونه بصورةٍ محسوسة كما أعادت صياغة أسبابه الموجبة ضمن الروحيّة نفسها. وقد انتهت اللجان إلى صياغة توافقيّة بعد مساوماتٍ عدّة حول مضمونه، وخصوصا في الشق المتّصل بتخفيض العقوبات عن الجرائم المستثناة من العفو العامّ. وسرعان ما اتّضح أنّ موضوع هذه المُساومات ليس مسائل مبدئيّة إنّما الأثر العمليّ لما ينتج عنها ولا سيما لجهة الإفراج عن جميع الموقوفين والمحكومين الإسلاميّين. 

وكانت المفكرة القانونية قد سجلت اعتراضات على المنهجية المعتمدة، وأهمها حجب إشكالية الإفلات المعمم من العقاب واعتماد مبدئية العفو العام فضلا عن حصول المبادرة التشريعية بمنأى عن أي رؤية إصلاحية عامة. 

كما سجلت اعتراضاتٌ تفصيليّة على الخيارات المعتمدة في صياغة الاستثناءات على العفو العام وخطورة صياغتها بصورة مبهمة، على نحو يؤدي إلى توسيع مشتملات العفو العام وبخاصة في مجال الفساد في القطاع الخاص، من دون أي مبرر واضح.   

كما سجلت ملاحظاتها على الخلاف الحاصل بين رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الدفاع ميشال منسى وأبعاده الدستورية.    

وفيما أفردنا مقالًا لتبيان النقاشات التي دارت خلال إقرار النصّ، نورد أدناه أبرزها:

كيف أقر النواب قانون العفو العام؟ ضيق الصدر إزاء أيّ تحفظ أو اعتراض

المناقشات النيابية:

اليوم الأوّل: حجّة الخلاف مع وزير الدفاع بهدف المماطلة إلى حين تحقيق التوافق 

استهلّ النقاش النائب إبراهيم كنعان، مشيرًا إلى أنّ اقتراح القانون سبق أن خضع لنقاش واسع داخل اللجان، وأنّ حساسيته بالنسبة إلى المؤسسة العسكرية تستدعي الاستماع إلى موقف وزير الدفاع. وأيّد النائب جبران باسيل هذا المطلب، معتبرًا أنّ العفو يجب أن يطال المظلومين لا أن يتحوّل إلى تشريع دوري للإفلات من العقاب كلّ 10 سنوات، ومشددًا على أنّ رئيس الحكومة لا يختزل الحكومة وأنّ منع وزير الدفاع من إبداء رأيه يشكّل سابقة مخالفة لأحكام الدستور. 

في المقابل، عرض النائب عماد الحوت موقف "تجمع النواب السنّة" المؤلف من 23 نائبًا، معتبرًا أنّ الاقتراح يهدف إلى طيّ ملف يحمل مظلومية منذ سنوات من دون تبرئة من "أجرم"، وداعيًا إلى عدم تحويل الجيش إلى طرف في السجال السياسي. واقترح إقرار الصيغة التي أقرتها اللجان المشتركة مع تعديلين أساسيين تمّ ذكرهما أعلاه.

وتزامن ذلك مع موجة من الاعتراضات النيابية المطالبة بالسماح لوزير الدفاع بالحضور وإبداء موقفه، فيما دعا النواب نجاة صليبا وحليمة القعقور وسيزار أبي خليل إلى توضيح طبيعة الخلاف من قبل رئيس الحكومة.

وقد حاول النائب بلال عبدالله تهدئة الجو مؤكدًا أنّ الاقتراح خضع لنقاش مطوّل في أكثر من 20 جلسة للجان النيابية وفي جلسات جانبية، وأنّ الصيغة الحالية تمثل حصيلة محاولة لتدوير الزوايا والوصول إلى توافق. وفي خضمّ النقاش، أكد رئيس الحكومة نواف سلام أنّه طلب من وزير الدفاع عدم إلقاء كلمته خلال الجلسة لأنّ الدستور، ولا سيما المادة 64، ينص على أنّ رئيس مجلس الوزراء يتحدث باسم الحكومة، نافيًا أن يكون قد منع الوزير من حضور الجلسة أو مناقشة الاقتراح. وأوضح أنّ موقف قيادة الجيش سبق أن عُرض أمام اللجان النيابية بواسطة وزير الدفاع، وأنّ الأخير قدّم مذكرة خطية بهذا الشأن. 

وأثار هذا الموقف اعتراض عدد من النواب، ولا سيما جبران باسيل والياس بو صعب وطوني فرنجية وسليم عون وحسين الحاج حسن، الذين أصروا على الاستماع إلى وزير الدفاع، باعتبار أنّ التعديلات التي طرأت على الاقتراح بعد مناقشته في اللجان تستوجب معرفة موقف الجيش منها. 

كما دعا النائب بلال حشيمي إلى عدم إدخال الجيش في مواجهة سياسية أو طائفية، مشيرًا إلى أنّ وزير الدفاع شارك سابقًا في جلسات اللجان وتمّ التوصل معه إلى تفاهمات حول عدد من المواد.

وقد تناول عدد من النواب مسألة تخفيض مدة العقوبات، إذ أشار النائب طوني فرنجية إلى أنّ تخفيض السنة السجنية سابقًا لم يؤدِّ إلى معالجة الاكتظاظ، معتبرًا أنّ إقرار العفو يجب أن يترافق مع إصلاح فعلي لوضع السجون، ودعا إلى إعادة السنة السجنية إلى 12 شهرًا حيث تبين عدم جدوى التخفيض. كما شدد على أنّ قانونًا بهذه الحساسية يفترض أن يحظى بإجماع نيابي لا أن يمر بفارق أصوات محدود. وأوضح إلياس بو صعب أنّ الصيغة الحالية جاءت نتيجة تسويات متتالية، مشيرًا إلى أنّ الاقتراح كان ينص في بدايته على خفض عقوبة الإعدام إلى 25 سنة، ثم جرى التوافق على 28 سنة، قبل أن تؤدي التعديلات المرتبطة بإلغاء الإعدام إلى خفض فعلي أكبر لمدة العقوبة لحدّ 17 سنة.

وتصاعد الخلاف داخل القاعة حول حضور وزير الدفاع، بالتزامن مع انسحاب عدد من النواب، ولا سيما من كتلتي التيار الوطني الحر وحزب الله اعتراضًا على منع وزير الدفاع من الحضور والكلام ورفضًا لتكريس هذه السابقة، ما أدى إلى فقدان النصاب. 

وعليه، بدأت محاولات متكررة لإعادة تأمين النصاب في مشهدية تصلّ إلى حدّ الكوميديا، وسط فوضى في القاعة ومواقف متعارضة بشأن إمكان طرح الاقتراح على التصويت بصيغته الحالية أو بعد إدخال تعديلات الحوت. وفي ختام جلسة اليوم الأول، وبعد تعذّر تأمين النصاب واستمرار الخلاف حول الصيغة النهائية للاقتراح وحضور وزير الدفاع، طرح رئيس المجلس تأجيل النقاش لجلسة اليوم التالي للتصويت على الاقتراح وفق تعديلات طرحها رئيس الحكومة نواف سلام في الأحاديث الجانبية لم تعرف ماهيتها، قبل أن تُرفع الجلسة.

اليوم الثاني: استكمال المناقشات النيابية حول مواد الاقتراح والتصويت

استهلّ النقاش النائب سليم عون، الذي اعترض على غياب وزير الدفاع، مؤكدًا على ضرورة الاستماع إلى موقف قيادة الجيش حتى يتمكن النواب من معرفة كيفية مخاطبة أهالي شهداء الجيش. وعلى إثر ذلك، انسحب نواب "التيار الوطني الحر" من الجلسة.

وتدخّل رئيس المجلس نبيه بري، موضحًا أنّه كان قد تمّ الاتفاق في اليوم السابق على الصيغة التي سيتم التصويت عليها، وأنّه اجتمع بوزير الدفاع ورئيس الحكومة، كما جرى التواصل مع قيادة الجيش، "وانحلّ الخلاف". 

وقد اعترض النائب حسين الحاج حسن على ما اعتبره سابقةً تتمثل في منع وزير من التعبير عن رأيه داخل المجلس وخارجه عبر عقد مؤتمر صحافي. وفي أعقاب ذلك، انسحب نواب كتلة الوفاء للمقاومة من القاعة.

وبدأ رئيس المجلس التصويت على مواد الاقتراح مادةً مادة، ما أثار امتعاض عدد من النواب الذين كانوا يطالبون بالتصويت على القانون بمادة واحدة. 

إقرار القانون

بعد الانتهاء من مناقشة المواد وإجراء عدد من التعديلات عليها، طُرح القانون برمّته على التصويت، فتمّ إقراره برفع الأيدي، مع إجراء مناداة شكلية وتلاوة أسماء عدد محدود من النواب من دون انتظار جوابهم. وعقب إعلان إقرار القانون، سادت أجواء احتفالية في القاعة، تخللها التصفيق والعناق وتبادل القبلات بين عدد من النواب. في المقابل، اعترضت النائبة حليمة القعقور على طريقة التصويت.

ونظرًا لأهمّية الموضوع، فقد أفردنا مقالات خاصة تُعالج أبرز الملاحظات المتعلّقة به:

حين تنفتح خليّة العفو العامّ: عمل عدالة، لا استكمالٌ للجريمة

ملاحظات حول صيغة اللجان المشتركة حول العفو العام: مبرّرات هزيلة لعفوٍ شبه شامل

عود على بدء 2019-2026: أخطاء منهجيّة في مناقشة اقتراح العفو العامّ

للاطّلاع على الاقتراح ومساره والتعديلات الواردة عليه:

منح عفو عام عن بعض الجرائم


البند 4: إقرار تعديلات قانون إصلاح المصارف

أقرّت الهيئة العامة للمجلس النيابي مشروع القانون الذي أعدّته الحكومة لتعديل قانون إصلاح وضع المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها. وقد سبق أن أقرّ هذا القانون قبل سنة تمامًا في 14/8/2025، إلّا أنّ ملاحظات من صندوق النقد وقرار المجلس الدستوري بإبطال بعض بنوده دفعا الحكومة إلى إعداد مشروع شامل لتعديل القانون على أساس هذه الملاحظات.

وإذ أدخلت لجنة المال والموازنة تعديلات على المشروع الوارد من الحكومة، فإنّ تدخل وزير المال ياسين جابر (بالاستناد إلى رسالة إلكترونية وصلت من صندوق النقد) وعدد من النواب نجح في استعادة الصيغة الأصلية كما وردت في المشروع الحكومي للمواد التالية:

في المادة 3: أزيلت عبارة "مع الالتزام بقانون النقد والتسليف لا سيما المادة 70 منه". التي أصرّ عليها حاكم مصرف لبنان. سعى الحاكم من خلال هذه العبارة إلى إخضاع هدف القانون للصلاحيات المنوطة بالمجلس المركزي بهدف الحؤول دون تحول هيئة المصرفية العليا (الغرفة الثانية) إلى مرجعيّة جديدة في عمليّة تنظيم أوضاع القطاع المصرفي.

في المادة 11: عُمل بالصيغة الحكومية التي تنص على حصر إمكانية مشاركة المساهمين بإعادة الرسملة بالذين يملكون أسهم أقلّية من دون الذين يملكون أسهم أكثرية أو حق السيطرة على إدارة المصرف كما كانت ترغب لجنة المال والموازنة ورئيسها.

في المادة 13: أقرّت المادة كما وردت في الصيغة التي أرسلتها الحكومة لا التي أقرّتها لجنة المال. أعطت هذه المادة الهيئة المصرفية العليا (الغرفة الثانية) بموافقة أكثرية ثلثي أعضائها “حق الطلب” من مصرف لبنان إصدار "التعاميم" الناظمة لعمليّة معالجة أوضاع المصرف المتعثر. وقد تحفظ الحاكم سعيد معتبرا إيّاه مسّاً بصلاحيّات المجلس المركزي لمصرف لبنان ومقترحا استبدال تعبير التعاميم بتعابير أخرى مثل الأوامر أو القرارات أو التدابير التنفيذية. كما تمّ التأكيد في الصيغة المقرّة على فرض استرجاع الأموال التي حُوّلت بعد 17 تشرين الأول 2019 بشكل تمييزي ما أضرّ بحقوق المودعين والدائنين.

بالمقابل، صدقت المادة 23 وفق الصيغة التي وضعتها لجنة المال والموازنة خلافا لرغبة وزير المال وصندوق النقد. وقد انتهت الصيغة التي أقرّت إلى أنّه في حال تصفية المصرف، تغطّى الودائع وفق معايير وأحكام قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع وسط اعتراض وزير المال، على اعتبار أنّ ذلك قد يحمّل الخزينة أعباء المشاركة في تسديد تلك الودائع وهو ما لا يرغب به الصندوق. وانتهى جابر قائلًا "اليوم قتلتو القانون".

بعدها، رفع رئيس المجلس النيابي نبيه برّي الجلسة حتّى الساعة السادسة، بعد أن تلا خلاصة المحضر ليتمكّن من إرسال القوانين التي تم إقرارها لإصدارها في حال عدم اكتمال النصاب في الجلسة المسائية، وهي قوانين إلغاء عقوبة الإعدام وقانون الإعلام وقانون العفو العام وقانون تعديل تنظيم المصارف.

المناقشات النيابية: 

على مدى أكثر من ساعة ونصف، استمرّت النقاشات النيابية والتي تمحورت بشكل رئيس حول صندوق النقد وطلباته ووجوب التجاوب معها. بدأ النقاش مع عودة نواب كتلة الوفاء للمقاومة ورئيس لجنة المال والموازنة إبراهيم كنعان إلى الجلسة بعد انسحابهم من مناقشة قانون العفو العام.

تولّى وزير المال ياسين جابر الحديث بدايةً، موضحًا أنّ حوارًا قد جرى مع صندوق النقد الدولي للوصول إلى توافق حول نصّ يساهم بالتقدّم خطوة إلى الأمام للوصول إلى اتّفاق مع الصّندوق. واعتبر جابر أنّ بعض البنود التي عدّلتها لجنة المال والموازنة لا تتوافق مع متطلّبات الصندوق، مُشيرًا إلى بريدٍ إلكتروني أرسل إليه وإلى رئيس لجنة المال يتحدّث عن وجوب السير بالصيغة الحكومية لا بصيغة لجنة المال والموازنة، في ما يتعلّق بتعريف السيطرة الفعلية وبالمواد 11 و13 و23، مؤكّدًا على وجوب إقرارها كما طلب صندوق النقد حتّى لا نضطر للتعديل مجددًا. وأشار جابر إلى أنّ القانون لا يُعالج الأزمة الراهنة بل يضع أسسًا لمعالجة أزمات مصرفية مستقبلية، لكون الأزمة الحالية نظامية لا تتعلّق بمصرف معيّن. فقد اعتبر بالمادة 11 ألّا مشكلة أن يشترك المساهمون في إعادة الرسملة لأنّ الأزمة نظامية، أمّا في المستقبل فطلب الاكتفاء بإتاحة المجال للمساهمين الصغار وفقًا لما طلبه الصندوق وأقرّته الحكومة.

أمّا رئيس لجنة المال والموازنة إبراهيم كنعان، فقد أشار إلى أنّ صندوق النقد الدولي سار بالقانون النافذ حتّى ليلة وحيدة قبل إقراره في آب 2025 قبل أن يُرسل ملاحظات جديدة. وأشار كنعان إلى أنّ الحكومة أرسلت مشروعًا تعديليًا بناء على طلب الصندوق ثمّ أرسلت تعديلاتٍ إضافية عليه اعترض مصرف لبنان على المواد 3 و11 و13 منها. وقال كنعان أنّ اللجنة طلبت من وزارة المال ومصرف لبنان الاجتماع والاتّفاق حول صيغة موحّدة وهو ما حصل في الصيغة التي انتهت إليها لجنة المال والموازنة طالبًا السير بالصيغة التي انتهت إليها لجنة المال. وعلى هامش حديثه، أشار كنعان إلى أنّ قانون رفع السرية المصرفية الذي أصرّ الصندوق على تعديلات عليه وتمّ إقرارها لم يطبّق في أي حالة بعد (وهذا أمر خاطئ وفق المرصد القضائي للمفكرة القانونية. ويلحظ بشكل خاص أن القاضية غادة عون سعت إلى تطبيقه على المصارف في قضية قروض ال 9 مليار قبل أن يتمّ كف يدها من خلال دعاوى المخاصمة ووسط حملة إعلامية لمنعها عن ذلك). كما أشار كنعان إلى أنّ كلام الصندوق ليس منزلًا ومن الممكن أن يخطئ، مشيرًا إلى أنّ إرنيستو راميريز، رئيس بعثة صندوق النقد الدولي إلى لبنان قال له "we were wrong"، لعدم دعم الصندوق اقتراح قانون قدّمه كنعان وآخرين حول الكابيتال كونترول في العام 2020. وفي مداخلة لاحقة أكّد النائب سيمون أبي رميا (أحد مقدّمي الاقتراح المذكور مع كنعان وياسين جابر عندما كان نائبًا) أنّه لو أقرّ الكابيتال كونترول في حينها لما كان لبنان بحاجة إلى القانون الذي يتم مناقشته الآن.

انتقل الحديث إلى مقرّر لجنة المال والموازنة النائب علي فياض، الذي اعتبر القانون قانونًا تأسيسيًا وعضويًا مرتبته أعلى من القوانين العادية وأدنى بقليل من الدستور داعيًا إلى إقراره في هذه الجلسة من دون تأجيل لكونه يتعلّق بإعادة الثقة بالقطاع المصرفيّ. وأشار فيّاض إلى أنّ القانون يجمع بين طابعيْ الديمومة والاستثنائية، فهو يغطّي الأزمة المصرفية الراهنة والتي وصفها فياض بالأزمة النظامية، ويضع آليات معالجتها، كما ينطوي القانون على مبادئ لإصلاح الحالات الفردية المستقبلية. وأشار فياض إلى أنّ صندوق النقد يولي اهتمامًا كبيرًا بالقانون وملاحظاته وجيهة وفي محلّها ولو أنّه يختلف سياسيًا مع الصندوق ويعتبره الأداة المالية والنقدية لإحكام السيطرة الإمبريالية. وقد اعتبر فيّاض أنّ النقاش الحقيقي هو حول صدور القانون، معتبرًا أنّ المصارف لا تريد إقراره والانتقال من بعده إلى قانون الفجوة المالية. وأكّد فياض على أهمّية التعديلات وعلى وجوب إعادة النظر بصلاحيات مصرف لبنان وحاكمه التي يُحاول الحاكم الدفاع عنها، فأشار إلى أنّ تقرير شركة ألفاريز ومارسال بعد التدقيق الجنائي أكّد على وجوب إعادة النظر في الصلاحيات الممنوحة للمصرف المركزي وحاكمه والبنية الداخلية فيه، معتبرًا أنّه يؤيّد استقلالية المصرف المركزي لكن مع وجوب ضبطها بعد أن تسببت بالأزمة. وقد أشار إلى ذلك أيضًا النائب إبراهيم منيمنة معتبرًا أنّ التدقيق الجنائي انتهى إلى وجوب تعديل قانون النقد والتسليف، مستغربًا محاولة ربط قانون الانتظام المالي فيه بحجة استقلالية المصرف المركزي، طالبًا من وزير المالية الإصرار على تعديلاته المتوافقة مع ملاحظات صندوق النقد الدولي.

انطلقت موجة المواقف النيابية بعدها، حيث اعتبر النائب راجي السعد أنّ موقف صندوق النقد تغيّر بشكل إيجابي لجهة اعتباره أنّ الأزمة نظامية، مقترحًا التصويت على المشروع بمادة وحيدة. اعترض النائب جميل السيد على فكرة الأزمة النظامية، من دون أن يكون كلامه موجّها لسعد. فاعتبر السيّد أنّ في التعاطي الحكومي مشكلة وهي لا تُساهم في استعادة الثقة التي يجب أن تبدأ من الداخل قبل الخارج، رغم أنّه لا يُعارض اتّفاقًا مع الصندوق.  وعليه، انتقد السيد الأسباب الموجبة التي وردت من الحكومة، والتي توحي وكأنّ زلزالًا أو وباء قد تسبّب بالأزمة من دون أن يكون لها فاعل، معتبرًا أنّ تصنيف الأزمة كنظامية يعني أنّه لا يوجد فاعل. كما أشار السيّد إلى أنّ استعادة الثقة تبدأ بالاعتراف بالأخطاء وتحميل المسؤوليات وهو ما لم نلحظه بعد، متسائلًا إذا ما تمّ الأخذ بتوصيات تقرير التدقيق الجنائي. وقد اعتبر السيد أنّه لا يُمكن  الاستعانة بثوب نظيف (صندوق النقد) على جسد متّسخ (الدولة اللبنانية)، معتبرًا أنّ ارتداء الثوب بهذه الطريقة لا يجلب الثقة. وقد انتهى السيّد إلى اعتبار أنّ أكبر جريمة يمكن ارتكابها هي تحميل الناس الضرر مقابل تجهيل الفاعل. النائب فريد البستاني بدوره رفض اعتبار الأزمة نظامية وكأنّ قوة قاهرة قد حصلت، مؤكّدًا على وجود مسؤوليات ومشيرًا إلى أنّه كان يتمنّى أن يتم إقرار هذا القانون مع قانون الفجوة المالية.

النائبة حليمة القعقور تبنّت ما قاله وزير المال عن خطورة بعض المواد وضرورة السير بالصيغة الحكومية فيها. وقد اعتبرت القعقور أنّ البعض لا يرغب بإنقاذ القطاع المصرفي بل بإنقاذ "البنكرجية". من ثمّ دخلت القعقور في نقاش المواد حيث أكّدت على وجوب فصل المادة 3 من المشروع عن المادة 70 من قانون النقد والتسليف. فالمادة الأخيرة استغلّها الحاكم السابق للدعم ولإنقاذ 32 مصرفًا من التعثّر ما أدّى تباعًا إلى الانهيار، مؤكدّة على وجوب عدم ربط الهيئة بمصرف لبنان. أمّا في خصوص المادة 11، فقد أشارت القعقور إلى تعثّر 3 مصارف أمريكية في العام 2023 وقد مُنع المساهمون من الاشتراك في عملية إعادة الرسملة فيها، مؤكدّة على عدم وجود أي تجربة في العالم تُبيح ذلك. أمّا في ما يتعلّق بالمادة 23، فأشارت القعقور إلى أنّ إضافة عبارة وفق أحكام قانون الانتظام المالي يعني أنّ الدولة والخزينة ستتحمّل تكلفة عند تعثّر أي مصرف، أي أنّنا نشجّع البنكرجية "الزعران" يزعبرو ويتعثّرو والدولة تدفع عنهم، نحن ننقذ "الزعران البنكرجية" بهكذا تعديل وأنا مع تعديلات وزير المال. أثار ذلك حفيظة النائب براهيم كنعان الذي اعتبر أنّ الكلام موجه إليه علمًا أنّ القعقور لم تسمّه، وبدأ بالصراخ والنقاش بصوت مرتفع مشيرًا إلى أنّ صيغة المادة 11 وردت من الحكومة وهي التي استثنت الأزمة المالية الحالية وسمحت للمساهمين بالمشاركة بإعادة الرسملة، معتبرًا أنّ ما قالته القعقور عبارة عن "هوبرة".

وافقت النائبة بولا يعقوبيان على كلام النائبة حليمة القعقور، معتبرةً أنّ تعديلات لجنة المال لا تتناسب مع توصيات الصندوق، وأنّ لبنان بحاجة للصندوق لا العكس، وهو ما عاد وأكّد عليه النائب ابراهيم منيمنة معتبرًا أنّ لبنان ليس بموقع فرض شروط على الصندوق. وأشارت يعقوبيان إلى وجود أجندات معروفة لدى البعض ورغبتهم بعرقلة القانون. كما أكّدت أنّ التعديلات المطلوبة واضحة وإمّا أن نخرج بصيغة تضع لبنان على السكّة وإمّا أن نضيع الفرصة لسنوات عديدة مجدّدًا.

النائب غسًان حاصباني أكّد وجوب المحاسبة على الممارسات الخاطئة السابقة وتحميل المسؤوليات وإلّا ستتكرّر المخالفات خصوصًا في ظلّ مناقشة القانون الذي يجب أن يكون واضحًا لا ضبابيًا ولا إشكاليات فيه حول استقلالية مصرف لبنان والهيئة المصرفية العليا عن السلطة السياسية.

بدوره، أشار النائب ميشال الضاهر إلى أنّه لو أُقرّ الكابيتال كونترول في العام 2019 لكان الوضع مختلفا الآن، معتبرًا أنّ الوضع ما يزال على حاله منذ سبع سنوات وكأنّنا لا نُريد أن نواجه الحقيقة، سبع سنوات من دون مصارف ولا تسليفات لا يُمكن للاقتصاد النهوض من دونها ولا يُمكن أن تحصل أي استثمارات، مشيرًا إلى أنّ لبنان مُقبل على أزمة أكبر في حال الاستمرار بالنهج نفسه. كما أشار ضاهر إلى وجوب التفريق بين مجالس الإدارة والمساهمين في موضوع الحق بالاشتراك في إعادة الرسملة.

النائب حسن فضل الله أشار إلى أنّ ما يعنيه هو إصلاح النظام المصرفي بما يُعيد الحياة إلى الاقتصاد بغضّ النظر عن موقفه من هذا النظام والتضييق الذي يُمارسه. لذلك، اعتبر فضل الله أنّ التعديلات الحكومية تعزّز الحوكمة الرشيدة المطلوبة في مصرف لبنان، مشيرًا إلى أنّ النصّ الوارد من الحكومة لا يمسّ بصلاحيات المصرف والحاكم الذي يرأس أصلًا الهيئة المصرفية العليا. وقد أشار فضل الله أنّه إذا كنّا نُريد الإبقاء على صلاحيات الحاكم فلا داعٍ لإقرار القانون ولنبق على قانون النقد والتسليف. وأضاف أنّ الربط بالمادة 70 يُفرغ القانون ويُجوّفه من محتواه. وأضاف "أنا مُضطر متأسّفًا أن أدافع عن الحكومة" ليجيبه رئيس الحكومة "أسفك مقبول".

بالمُقابل، استذكر النائب مروان حمادة أنّه كان وزيرًا شابًا في عهد الرئيس الياس سركيس، الذي كان قبل أي جلسة حكومية يضع حسابات مصرف لبنان ووزارة المالية والحساب رقم 36 إلى جانبه ويرفض النقاش في أي موضوع قبل أن يُناقش الأوضاع المالية في كل وزارة بوزارتها. واعتبر حمادة أنّ قانون النقد والتسليف أيضًا تنظيمي ووضعي وليس قانونًا عاديًا، مشيرًا إلى أنّه لن يكون جميع الحكّام كرياض سلامة، فحاكمية مصرف لبنان مرّ عليها فيليب تقلا والياس سركيس وإدمون نعيم وميشال خوري، لذلك فإنّ استقلالية المصرف مطلوبة ومهمّة بالتوازي مع الثقة بالأشخاص. كما أشار حمادة إلى وجوب التنبّه من عدم "تهشيل" المساهمين العرب الذين يمتلكون حصصًا في المصارف حاليًا.

بعدها، تقرّر أن تُناقش حصرًا المواد التي عليها إشكالات وملاحظات من وزارة المالية والصندوق. فأشار وزير المال إلى أنّ هذه المواد هي 11 و13 و23، من دون أن يذكر المادة الثالثة المتعلّقة بالربط بقانون النقد والتسليف. إلّا أنّ النائب حسن فضل الله والنائبة حليمة القعقور والنائبة بولا يعقوبيان تمكّنوا من فرض مناقشة المادة الثالثة أيضًا رغم اعتبار وزير المال أنّ الحاكم متمسّك بهذه الصيغة، ورغم محاولة النائب جورج عدوان الإيحاء بألّا خلاف أو طلبات حيال هذه المادة.

وبالنتيجة:

في المادة 3: أزيلت عبارة "مع الالتزام بقانون النقد والتسليف لا سيما المادة 70 منه". التي أصرّ عليها حاكم مصرف لبنان. سعى الحاكم من خلال هذه العبارة تحديد نطاق صلاحيات الهيئة المصرفية العليا (الغرفة الثانية) بمنع تحوّلها إلى مرجعيّة جديدة في عمليّة تنظيم أوضاع القطاع المصرفي بما يحد من دور المجلس المركزي لمصرف لبنان واستطرادا من دور الحاكم. وقد حصل ذلك بعد عرض صيغة لجنة المال والموازنة على التصويت، ليعتبر رئيس المجلس النيابي نبيه برّي أنّها أقرّت وسط اعتراض كتلة الوفاء للمقاومة وعدد من التغييريين، فأُعيد التصويت برفع الأيدي ليتبيّن أنّ صيغة لجنة المال لم تحظَ سوى ب24 مؤيدًا فيما عدد النواب الحاضرين هو 74 نائبًا. وعليه، اعتبر الرئيس بري من تلقاء نفسه أن الصيغة الحكومية أصبحت بحكم المقرّة من دون أن يعرضها على التصويت.

في المادة 11: عُمل بالصيغة الحكومية التي تنص على حصر إمكانية مشاركة المساهمين بإعادة الرسملة بالذين يملكون أسهم أقلّية من دون الذين يملكون أسهم أكثرية أو حق السيطرة على إدارة المصرف كما كانت ترغب لجنة المال والموازنة ورئيسها. وقد أشار النائب علي فيّاض أنّ ذلك لن يؤثر في جميع الأحوال حاليًا لأن المساهمين الحاليين يُمكنهم العودة لكون هذا القانون للمستقبل وليس للأزمة الراهنة، مؤيدًا نصّ الحكومة في جميع الأحوال.

في المادة 13: أقرّت المادة كما وردت في الصيغة التي أرسلتها الحكومة لا التي أقرّتها لجنة المال. أعطت هذه المادة الهيئة المصرفية العليا (الغرفة الثانية) بموافقة أكثرية ثلثي أعضائها “حق الطلب” من مصرف لبنان إصدار "التعاميم" الناظمة لعمليّة معالجة أوضاع المصرف المتعثر. وقد تحفظ الحاكم سعيد معتبرا إيّاه مساًسا بصلاحيّات المجلس المركزي لمصرف لبنان ومقترحا استبدال تعبير التعاميم بتعابير أخرى مثل الأوامر أو القرارات أو التدابير التنفيذية. كما تمّ التأكيد في الصيغة المقرّة على فرض استرجاع الأموال التي حُوّلت بعد 17 تشرين الأول 2019 بشكل تمييزي ما أضرّ بحقوق المودعين والدائنين، علمًا أنّ النقاش انحصر بنقطة الأموال المحوّلة بعد تاريخ السابع عشر من تشرين، حيث اعتبر النائبان حسن فضل الله وعلي حسن خليل أنّ عدم وضعها في القانون الراهن سيكون رسالة سلبية للمودعين، ولو كانت غير مُفيدة في هذا القانون لكون فرض إعادة الأموال سيكون في قانون الفجوة المالية/قانون الانتظام المالي.

في المادة 23: صدّقت الصيغة الواردة من لجنة المال والموازنة على عكس رغبة وزير المال وصندوق النقد. وقد انتهت الصيغة التي أقرّت إلى أنّه في حال تصفية المصرف، تغطّى الودائع وفق معايير وأحكام قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع وسط اعتراض وزير المال، على اعتبار أنّ ذلك قد يحمّل الخزينة أعباء المشاركة في تسديد تلك الودائع وهو ما لا يرغب به الصندوق. وانتهى جابر قائلًا "اليوم قتلتو القانون".

وقد صُدّق القانون بأكمله من بعدها برفع الأيدي ومن دون مناداة.

للاطلاع على التعليقات على المشروع : 

الإيجابيّ والسلبيّ في التعديلات المقترحة لقانون إصلاح وضع المصارف

استقلالية ملتبسة لمصرف لبنان يروج لها الحاكم سعيد

مشروع لتعديل قانون إعادة تنظيم المصارف: تغيير تركيبة الهيئة بصمت

مشروع حكومي ثانٍ لتعديل "إصلاح المصارف": نهج التشريع المتدحرج عملا بمتطلبات صندوق النقد الدوليّ

للاطلاع على المشروع ومساره والتعديلات الواردة عليه:

مشروع القانون الذي أعدّته الحكومة لتعديل قانون إصلاح وضع المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها