المجلس الدستوري يوقف تنفيذ قانون العفو العام
10/09/2026
في تطور بارز، أصدر المجلس الدستوري القرار رقم 10 بتاريخ 10 أيلول 2026 والذي قضى بوقف مفعول قانون العفو العام مع مخالفة كل من العضوين عوني رمضان وميشال طرزي.
وعلى الرغم من أن هذا القرار هو مرحلي ريثما يعمد المجلس الدستوري إلى إصدار قراره النهائي، لكن وقف مفعول العفو العام هو تدبير منطقي جدا وضروري إذ لا يعقل أن تباشر النيابة العامة التمييزية بتنفيذه قبل صدور القرار النهائي عن المجلس الدستوري. لكن ذلك لا يعني إطلاقا أن المجلس الدستوري سيعمد إلى إبطال قانون العفو العام لاحقا لأن وقف مفعوله قد يكون مجرد تدبير مؤقت لضمان حد أدنى من الاستقرار في العمل القضائي بانتظار البت بالطعن عبر صدور القرار النهائي عن المجلس الدستوري.
وقد صدر هذا القرار بناء على طعن كان قد تقدم به نواب كتلة لبنان القوي بتاريخ التاسع من أيلول 2026 أمام المجلس الدستوري بقانون العفو العام وتخفيض العقوبات بشكل استثنائي الذي أصدره رئيس الجمهورية في الرابع من أيلول 2026. وقد وقّع على هذا الطعن النواب جبران باسيل وسليم عون وسيزار أبي خليل وسامر التوم وجيمي جبور وشربل مارون ونقولا صحناوي وادكار طرابلسي واسعد درغام وغسان عطالله وندى البستاني وفريد البستاني وجورج عطالله.
وقد حصل المرصد البرلماني على ملخص هذا الطعن الذي برر ضرورة إبطال القانون انطلاقا من النقاط التالية:
عيوب تكوين الإرادة التشريعيّة
يشير القسم الأوّل من الطعن إلى "العيوب التي شابت تكوين الإرادة التشريعيّة"، أوّلها مخالفة المادة 36 من الدستور وقاعدة التصويت العلني بالمناداة بالأسماء. وللتذكير فإنّ المادة 36 تنص على التالي :"تعطى الآراء بالتصويت الشفوي أو بطريقة القيام والجلوس إلّا في الحالة التي يراد فيها الانتخاب فتعطى الآراء بطريقة الاقتراع السري. أمّا فيما يختص بالقوانين عمومًا أو بالاقتراع على مسألة الثقة فإنّ الآراء تعطى دائمًا بالمناداة على الأعضاء بأسمائهم وبصوت عال." بهذا الخصوص، أشار الطاعنون أنّه يتوجب أوّلًا "عدم التئام مجلس النواب ما لم يكن النصاب موّمنًا" وعدم إقرار أي مشروع أو اقتراح قانون إلّا بعد أن توافق عليه، بصورة واضحة وصريحة، الغالبيّة المطلوبة.
وقد اعتبر الطعن أنّ مجلس النواب لم يحترم طريقة التصويت الواجب اتباعها لإقرار القوانين ما يستوجب إبطاله. وبالفعل فإنّ مراقبة المرصد البرلماني بيّنت أنّه لم يحصل تصويت بالمنادة على القانون، بل تمّ إقراره
بمناداة شكليّة اعتاد عليها المجلس في ممارسته، اقتصرت على تلاوة بعض أسماء النواب من دون حتّى انتظار أجوبتهم ومن ثمّ إعلان التصديق على الاقتراح.
كذلك، اعتبرت الجهة الطاعنة أنّ القانون واجب الإبطال بسبب "تحوير النصّ بعد التصويت عليه، والمساس بالسيادة الشعبيّة وصحّة الإرادة التشريعيّة". ونظرًا لخلوّ ملخصّ الطعن من أيّة تفاصيل حول هذا السبب المبطل للقانون، من الممكن الرجوع إلى مقال المرصد البرلماني الذي تناول مسألة إعادة إرسال نسخة ثانية من قانون العفو إلى رئاسة الجمهوريّة لإصداره في 19 آب 2026 ، تضمّنت نصًّا يختلف عن الذي أحاله رئيس مجلس النواب أوّلًا في 14 آب 2026.
وكان المرصد في المقال المذكور قد أشار إلى أنّ التعديلات على النص الجديد قد طالت الاستثناء العاشر على العفو العام الوارد في المادة 2 من القانون، فبعدما كان هذا الاستثناء ينص في النسخة السابقة على: "الجرائم المنصوص عنها في قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب رقم 44/2015، باستثناء من تنطبق عليهم جريمة الرشوة في أحكام الفقرة السابقة من هذا القانون والجرائم المخالفة لقانون النقد والتسليف أياً كان مرتكبوها لا سيّما الجرائم المرتبطة بأموال المودعين والجرائم المتعلقة بالجرائم المصرفية على أنواعها". أصبح يقرأ في النسخة الجديدة على النحو الآتي: "الجرائم المنصوص عنها في قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب رقم 44/2015، والجرائم المخالفة لقانون النقد والتسليف أياً كان مرتكبوها لا سيّما الجرائم المرتبطة بأموال المودعين والجرائم المتعلقة بالجرائم المصرفية على أنواعها". ما يفيد بشطب عبارة "باستثناء من تنطبق عليهم جريمة الرشوة في أحكام الفقرة السابقة من هذا القانون" الذي يؤدّي عمليا إلى استعادة حرفية الصياغة التي كانت قد أقرّتها اللجان المشتركة.
وقد ذكّر المرصد في مقاله أنّ إدارة المجلس كانت قد حوّرت نص قانون العفو بعد التصويت عليه في مواضع عدّة، أهمها شطب استثناء جرائم الفساد في القطاع العام من العفو العام، وتضييق استثناء جرائم الإثراء غير المشروع بالجرائم المتصلة بالاختلاس وسرقة المال العامّ.
ولا بدّ من التذكير في هذا الإطار بقرار المجلس الدستوري رقم 1/2025 الصادر في السابع من كانون الثاني 2025 والذي أبطل فيه القانون المتعلق بتمديد ولاية أعضاء مجلس القضاء الأعلى، مستندًا إلى الاختلاف بين نص القانون الذي جرى التصويت عليه والنص الذي نشر في الجريدة الرسميّة، ما دفعه إلى اعتبار ذلك مخالفة صريحة لمبادئ النظام الديمقراطي البرلماني المعمول به في لبنان، ولمبدأ وضوح المناقشات البرلمانية ذي القيمة الدستورية النابع من مبدأ السيادة الشعبية ما يوجب إبطال القانون كليا.
مخالفة أصول التشريع
يشير الطعن إلى "عدم قابلية القانون المطعون فيه للتطبيق" على أساس الاجتهاد الدستوري في فرنسا ولبنان الذي اعتبر أنّ شمول القوانين على عبارات فضفاضة هو من أسباب إبطال القوانين. وقد استشهد الطعن بقرار المجلس الدستوري رقم 3/2024 تاريخ 4 نيسان 2024 المتعلق بقانون الموازنة العامة لسنة 2024، والذي أبطل المادة 94 من الموازنة لأنّها تتعارض مع مبدأ "فقه القانون ووضوحه". ولا بدّ من التذكير بالقرار رقم 8/2020 تاريخ 24 تشرين الأول 2020 الذي كرّس مبدأي "فهم القانون وقابليته للإدراك من قبل الكافة" على أنّهما يشكّلان "هدفًا ذا قيمة دستوريّة أو حتى مبدأ دستوريًّا ملزمًا للسلطة التشريعيّة ومحصنًا لها" وذلك "ضدّ مخاطر تفسيرات خاطئة ناجمة عن غموض بعض التعابير القانونيّة".
وبالفعل فإنّ المجلس الدستوري الفرنسي قد استنبط بقراره رقم 99-421 DC الصادر سنة 1999 مبدأ فهم القانون وقابليته للإدراك (Principe d'accessibilité et d'intelligibilité de la loi)، على اعتبار أنّ حماية حقوق المواطنين قد لا تتحقق في حال عدم قدرتهم على التوصل إلى معرفة كافية لمضمون القوانين المطبقة عليهم، لا سيما وأنّ معرفة مضامين القوانين بوضوح هي مسألة ضروريّة لممارسة الحقوق والتمتع بالحريات الممنوحة دستوريًّا، وذلك انطلاقًا من مبدأ عدم جواز منع ما لا ينهي عنه القانون وعدم جواز فرض ما لا يأمر به. وأعاد المجلس الدستوري الفرنسي تكريس هذا المبدأ ربطه بمبدأ وضوح القانون (Clarté de la loi) في قراره 512-2005 DC تاريخ 21 نيسان 2005.
على نحو آخر، وفي مخالفة أصول التشريع أيضًا، اعتبر الطاعنون أنّ الأسباب الموجبة للقانون تضمنت حججا تؤدي إلى مخالفة الدستور، انطلاقًا ممّا نصّ عليه القرار رقم 8 الصادر بتاريخ الثالث من أيلول 2026 القائل: "وحيث أنّه لا يجوز لسلطة عامة أن تستمد من عدم ممارسة صلاحياتها سببًا لتعطيل قاعدة دستوريّة أو لتبرير الخروج عليها". وبمراجعة الأسباب الموجبة لقانون العفو يتبيّن أنّها تطرّقت إلى "التأخير المزمن في إصدار الأحكام الجزائيّة" و"أزمات متلاحقة طالت مرفقي القضاء والسجون" كما عن "أزمات سياسيّة متلاحقة، وتأخّر في تشكيل الحكومات، وشغور في سدّة رئاسة الجمهوريّة، وتعثّر في انتظام عمل المؤسّسات الدستوريّة" لتبرير اللجوء إلى العفو العام.
ولا شك أن الطعن أصاب عندما اعتبر أن تقاعس السلطات الدستورية عن القيام بواجبها وعدم ممارساتها لصلاحياتها بشكل فعال لا يشكل مبررا لها لمخالفة الدستور، لكن ذلك لا يعني أن مخالفة الأسباب الموجبة للدستور تشكل بحد ذاتها سببا كافيا لإبطال القانون لأن الأسباب الموجبة لا تتمتع بقوة القانون ولا هي ملزمة لسائر السلطات في الدولة. وكان المجلس الدستوري في قراره رقم 16/2025 تاريخ 3 تشرين الأول 2025 اعتبر أنّ "الأسباب الموجبة للقانون، ولو صار الاستئناس بها أحياناً من أجل تفسير أحكام القانون المطعون فيه والغاية منه، فإنها لا تتمتع بحدّ ذاتها بطابع قانوني caractère juridique خلافاً لأحكام القانون الذي ترافقه، وهي بالتالي لا تخضع لرقابة المجلس الدستوري وفق اجتهاده المستقرّ"، ما يعني أنّ الطعن بدستوريّة الأسباب الموجبة لا يستقيم.
تطرّق الطعن أيضا إلى سبب ثالث هو مخالفة مبدأ فصل السلطات، حيث رأى في القانون تعدٍ على "صلاحيات السلطة القضائيّة" وذلك في "خرق موجب التعاون ما بين السلطات وعدم استشارة المجلس الأعلى للقضاء". وكان للمجلس الدستوري موقف بهذا الشأن إذ بقراره رقم 1 تاريخ 5 شباط 2025 كان قد أبطل قانون تنظيم القضاء العدلي، معتبرًا أنّ مجلس النواب قد خالف "الصيغة الجوهريّة المتمثّلة باستطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى، وبالتالي المادة 20 من الدستور"، إذ اعتبر المجلس الدستوري أنّ استطلاع رأي مجلس القضاء يتعلّق بمبدأ استقلاليّة السلطة القضائيّة وتوفير الضمانات الضروريّة كي يتمكّن القضاة من ممارسة عملهم باستقلاليّة. وقد علّق المرصد البرلماني حينها على هذا القرار معتبرًا أنّ تكريس استطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى بهذه الطريقة واعتباره صيغة جوهريّة لا يجوز تجاوزها أثناء التشريع هو أمر مبالغ فيه ويؤدّى إلى تعديل المسار التشريعي من خارج النصوص الدستوريّة.
اعتبر الطاعنون أيضًا أنّ في العفو العام تعدّ على صلاحيات السلطة التنفيذيّة، حيث يذكر القانون "سقوط الدعوى العامة وإلى محو العقوبات الأصلية المحكوم بها، كما تسقط جميع الملاحقات والأحكام والقرارات بما فيها الإدارية التي صدرت بحق موظفين بغير تهم الفساد المالي، سواء كانت وجاهية أم غيابية أم بمثابة الوجاهية". وقد اعتبر الطاعنون أنّ ذلك يؤدّى إلى "إسقاط قرارات إداريّة صادرة عن السلطة المختصّة" بقوّة القانون، مستخلصين أنّ ذلك "يؤدّي عمليًّا إلى حلول السلطة التشريعيّة محل السلطة التنفيذيّة في مجال ممارسة الوظيفة الإداريّة وإزالة الآثار التي رتبتها قرارات صادرة عنها".
في مخالفة المعايير الدستوريّة والدوليّة
تطرّق القسم الثالث من الطعن إلى "مخالفة المعايير الدستوريّة الموضوعيّة للعفو العام" في "أربعة معايير مترابطة" وهي "وجود غاية مرتبطة بالمصلحة العامة تبرر اللجوء إلى العفو العام" و "وجود صلة موضوعيّة بين الأفعال أو الأشخاص المشمولين بالعفو وبين الغاية التي شرّع العفو من أجلها" و "احترام مبدأ المساواة، بحيث تكون الفوارق التي ينشئها القانون مرتبطة ارتباطًا موضوعيًّا بغايته" و "احترام مبدأ التناسب بين الاستثناء الذي يحدثه العفو في النظام القانوني وبين المصلحة العامة المراد تحقيقها، مع عدم تحميل الضحايا أو الغير أعباءً تتجاوز ما يجوز دستوريًا مطالبتهم بتحمله". وفيما يجد مبدأ المساواة سندًا دستوريًا له في الفقرة "ج" من مقدّمة الدستور، تبقى بقيّة الحجج التي نصّ عليها الطعن رهينة تقييم المجلس الدستوري، علمًا أنّ دور المجلس الدستوري يقتصر على مدى توافق النص القانوني مع الدستور من دون تقييم مدى ملاءمة (l'opportunité) القانون بحدّ ذاته.
وفي الإطار عينه، اعتبر مقدّمو الطعن أنّ العفو العام بهذه الصيغة يكرّس "سياسية الإفلات من العقاب عبر تحول العفو من الاستثناء إلى القاعدة". وفي هذا الإطار، كان للمفكرة القانونيّة مقال مسهب يوضح مخاطر تكريس العفو كقاعدة عامة.
وأخيرًا، اعتبر مقدمو الطعن أن القانون يتضارب مع "الحقوق الشخصية وحقوق الضحايا والغير والضمانات المعطاة للأفراد ومبدأ المساواة"، إذ "لا يمكن للعفو أن يتحول، بفعل شموليته أو آثاره الإجرائيّة، إلى وسيلة لإسقاط النتائج المدنيّة والشخصيّة المترتبة على الجريمة أو لتعطيل حق الضحية في الوصول إلى قاض وفي إثبات الضرر والحصول على التعويض". وأشار الطعن أيضًا إلى "تحوير الأصول الدستوريّة وإحلال العفو العام مكان العفو الخاص وخرق مبدأ شموليّة القانون وتجرّده على اعتبار أنّ النصّ "يتناول أشخاص محددين" إذ بعطفه على القانون رقم 194 الصادر سنة 2011 والمتعلّق باللبنانيين الذين لجؤوا إلى اسرائيل بعد التحرير عام 2000 وتنظيم عودتهم إلى لبنان، فإن العفو العام يكون قد قضى بمنح "عفو إلى أشخاص معروفين ولم يتناول جرائم محددة".
وهكذا يتبين أن الطعن استعاد ما كان المرصد البرلماني قد سبق وأشار إليه في مقال خاص حول الإشكاليات الدستورية في قانون العفو اعتبر فيه أنّ الصيغة الحاليّة للعفو التي تتعلّق بقضيّة اللاجئين إلى إسرائيل إنّما هي تعفي عن أشخاص محددين وليس جرائم ما يودّي بالتالي إلى الخلط بين العفو العام الذي يطال جرائم محددة والعفو الخاص الممنوح من رئيس الجمهوريّة إلى أشخاص، هذا فضلا عن تخفيف بعض العقوبات ما يطرح أيضا إشكاليات دستورية شرحها المقال المذكور. وبالتالي، اعتبر الطاعنون أنّ العفو العام في هذه الحالة لا يصيب جرمًا معيّنًا ويعفي من تبعاته القانونيّة بل يصيب فئة معيّنة من الناس دون غيرها ما يفقده طابعه المتجرّد والشمولي.