كيف ومتى تتمّ استشارة الحكومة بشأن اقتراحات القوانين؟175 يومًا لبلورة الآراء الحكومية
30/06/2026
من خلال مراقبته للنشاط التشريعي تمكن المرصد البرلماني من تكوين قاعدة بيانات تتعلق بتفاعل الحكومة مع اقتراحات القوانين التي يتقدم بها النواب. لذلك كان من المفيد استعراض تلك الأرقام من أجل تحليلها بغية الوصول إلى فهم أفضل للعلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في هذا المجال، واكتشاف الآليات التي تحكمها، علما انها نتيجة مجموعة من الممارسات التي لا يوجد نص قانوني ينظمها بشكل واضح.
وسيعمد هذا المقال إلى التركيز على الأجوبة التي أرسلتها الحكومة الحالية إلى مجلس النواب ردًا على اقتراحات القوانين التي استلمتها من هذا الأخير، أي أن الفترة المشمولة بالتحليل تمتد من 26 شباط 2025 تاريخ حصول حكومة الرئيس نواف سلام على الثقة وحتى اليوم. فحكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي سبقت تشكيل الحكومة الحالية كانت حكومة تصريف أعمال منذ أيار 2022 وهي، على الرغم من انعقادها في جلسات لمجلس الوزراء، لم تكن ترسل تعليقها على اقتراحات القوانين المقدّمة من النواب نظرًا لكونها مستقيلة، وهو أمر مفهوم عملًا بقواعد النظام البرلماني لأن زوال المسؤولية السياسية عن الحكومة يمنع من محاسبتها، مع الإشارة إلى أن البرلمان استمر بإحالة الاقتراحات إلى الحكومة حتى لو كانت مستقيلة.
جراء ما تقدم، لا بد أولًا من وضع علاقة الحكومة بمجلس النواب في هذا المجال ضمن إطارها الدستوري الصحيح ومن ثم العمل على تحليل الأرقام واستخلاص النتائج.
المعنى الدستوري لأجوبة الحكومة
يقوم النظام البرلماني على التعاون بين السلطتين التنفيذية والتشريعية ويتجلى هذا الأمر بشكل واضح في المادة 67 من الدستور التي تسمح للوزراء بحضور جلسات مجلس النواب كي يتمكنوا من الدفاع عن مشاريع الحكومة وأهدافها، وكذلك في المادة 18 التي تعطي لمجلس الوزراء والنواب الحق في اقتراح القوانين. ولا شك أن المبدأ العام الذي يحكم العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية تم تكريسه في الفقرة “ه” من مقدمة الدستور التي تنص على أن “النظام قائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها”.
وهكذا يمكن القول أن إرسال اقتراحات القوانين إلى الحكومة يدخل ضمن مفهوم التعاون بين السلطات لأن هذه الأخيرة يحق لها أن تبدي رأيها في كل المواضيع التي سيتباحث بها البرلمان، لا سيما وأن تلك الاقتراحات يمكن أن يكون لها تداعيات على خطط الحكومة لا علم للنواب بها.
وقد كرست المادة 102 من النظام الداخلي لمجلس النواب هذا المبدأ إذ نصت على التالي: “على رئيس المجلس أن يحيل إقتراح القانون على اللجنة أو اللجان المختصة وإيداعه الحكومة للإطلاع إلا إذا كان النظام ينص على أصول خاصة”.
ومن الملاحظ أن وجوب إرسال الاقتراح إلى الحكومة لم يكن موجودًا في النظم الداخلية القديمة، لا بل هو حديث نسبيًا كونه أضيف خلال جلسة 6 حزيران 1991 عندما تم تعديل النظام الداخلي كي يصبح “متوافقًا” مع التعديلات الدستورية التي أدخلت على الدستور سنة 1990 عملًا بوثيقة الوفاق الوطني.
يعكس النقاش المقتضب الذي جرى خلال تلك الجلسة روحية هذه المادة إذ أعلن النائب رشيد الصلح التالي: “بالنسبة لإيداع الحكومة الاقتراح الذي ورد في الفقرة الاخيرة: أنا أطلب أن تحدد مهلة للحكومة للجواب عليه”. فما كان من رئيس المجلس حسين الحسيني إلا وأن أجابه: “ليس المطلوب من الحكومة الإجابة عليه، بل المطلوب أن يكون عندها خبر”. وهذا ما يظهر في الصيغة المعتمدة للكتاب الذي يحيل بموجبه رئيس مجلس النواب الاقتراحات إلى رئيس مجلس الوزراء بوصفه ممثلا للحكومة وذلك “للإطلاع وإبداء الرأي وإفادة مجلس النواب”.
وهكذا يتبين أن الحكومة غير ملزمة بالردّ على الاقتراحات التي تردها من مجلس النواب وما الهدف من ذلك سوى إطلاعها كي تكون مستعدّة لمناقشتها عندما يحين الوقت. فغياب مهلة صريحة يعفي الحكومة من ضرورة إبداء رأيها على كل اقتراح يردها إذ يمكن لها أن ترد على البعض منها أو أن تتجاهل الموضوع برمته.
ولا شكّ أن جواب الحكومة في حال وجوده لا يشكّل قيدًا من الناحية الدستورية على مجلس النواب الذي يحتفظ بحريته التشريعية الكاملة، إذ يمكن له الأخذ برأي الحكومة كلياً أو جزئيًا أو حتى رفضه بالكامل. علاوة على ذلك، لا يمكن حتى تعليق عمل البرلمان على حصوله على جواب الحكومة لأن من شأن ذلك تعطيل صلاحياته الدستورية والمسّ بمبدأ الفصل بين السلطات. فتأخر الحكومة غير المبرر في إرسال جوابها قد يؤدي إلى مساءلتها سياسيّا وربما سحب الثقة منها، لكنه لا يجب أن يشلّ صلاحيات البرلمان التشريعية في أيّ حال من الأحوال.
لكن ذلك لا يمنع من أن تمكّن النواب من معرفة رأي الحكومة هو حلّ أفضل لأن السلطة التنفيذية تملك معطيات لا تتوفر لهؤلاء. لا بل يمكن القول أن رأي الحكومة بكل اقتراحات القوانين يكتسي أهميّة بالغة في الدولة الحديثة انطلاقًا من موقف المرجع الدستوري الفرنسي “رينيه كابيتان” الذي كان قد اختصر هذه الإشكالية عندما أعلن أن الحكم هو التشريع (gouverner c’est légiférer)، أي أن الدولة في العصر الحديث تحتاج إلى سلطة واحدة تقوم بتوجيه السياسة العامة عبر تنفيذ رؤيتها للحكم التي تتطلب إقرار التشريعات اللازمة وتطبيق تلك التشريعات. فموقف الحكومة في النظام البرلماني ليس في الحقيقة مجرد رأي عابر، بل هو يعكس توجهات الدولة الأساسية. فوحدة العمل التشريعي تنبع من وحدة الحكم، وغياب رؤية حكومية واضحة للقوانين التي ينبغي اقراراها هو مؤشر له دلالات سياسية مهمة، إذ يعكس تشظي السلطة السياسية والانتقال من نظام برلماني تقود دفته الحكومة، إلى نظام مجلسي يكون الحكم فيه بيد النواب.
أجوبة الحكومة من خلال التحليل الكمي لها
تظهر الأرقام أنه منذ تشكيل حكومة رئيس نواف سلام وحتى اليوم، تم تقديم 247 اقتراحا من قبل النواب وقد أحيل منها 157 اقتراحا إلى الحكومة. وقد أجابت الحكومة على 31 اقتراحًا توزعت بين الموافقة على الاقتراح (13) والرفض (15) والتريث بإبداء الرأي (ثلاثة اقتراحات).
لا شكّ أن أبرز ما يمكن ملاحظته هو عدم إحالة اقتراحات القوانين المعجلة المكررة التي بلغ مجموعها 52 اقتراحًا. والتفسير الأول الذي يمكن تقديمه هو أن الاقتراح المعجل المكرر لا يحال على اللجان بل يعرض مباشرة على الهيئة العامة وفي حال رفضت هذه الأخيرة صفة العجلة يعمد رئيس المجلس على إحالة الاقتراح إلى اللجنة المختصة.
وما يعزز هذا التفسير هو أن المادة 102 من النظام الداخلي السابق ذكرها تفرض على رئيس المجلس إحالة الاقتراح إلى اللجان المختصة وإحالته إلى الحكومة “ما لم ينص النظام على أصول خاصة”. والظاهر أن رئاسة مجلس النواب فسّرت هذا النص بشكل تتم الاحالة إلى اللجنة والحكومة بشكل متزامن. وهذا ما تمكن المرصد البرلماني من ملاحظته أيضا إذ درجت العادة أن تعرض الاقتراحات على رئيس المجلس نهار الأربعاء من كل أسبوع من أجل توقيع الإحالة المتزامنة إلى كل من الحكومة واللجنة المختصة. وبما أن الاقتراحات المعجلة المكررة تخضع لأصول خاصة محددة في الفصل الثاني من الباب الثاني للنظام الداخلي، تم استثناؤها من موجب الإحالة إلى الحكومة.
لكن هذا التفسير يفترض أن مجلس النواب سيبتّ سريعًا بصفة العجلة وفقا للمنطق البديهي للأمور، أي أن المجلس خلال دورات الانعقاد سيجتمع في جلسات أسبوعيّة تسمح له بممارسة صلاحياته الدستورية. فالاقتراحات المعجلة المكررة تجد مبرّرها في حالة العجلة التي تلزم البرلمان باتباع الأصول الموجزة في التشريع، ما يعني ضرورة عدم انتظار ليس فقط رأي الحكومة بل أيضا رأي اللجان النيابية. لكن هذه الحقيقة تصطدم في لبنان بواقع غريب وهو غياب مجلس النواب لفترات طويلة عن الاجتماع، لا بل أن العقد العادي الأول هذه السنة مثلا انقضى برمته من دون التئام الهيئة العامة. أمام هذا الواقع يفقد مفهوم المعجل المكرر جدواه إذ حتى لو تم تقديم اقتراحات معجلة مكررة ستظل قابعة في أدراج البرلمان لشهور طويلة مثل أي اقتراح عادي. فالحكومة يمكن لها خلال فترة الانتظار المديدة تلك أن تبدي رأيها بالاقتراح حتى لو كان معجلًا مكررًا ما يعكس التناقض الذي وصل إليه العمل البرلماني. ولا شك أن هذه الملاحظة الأخيرة هي من عوارض الخلل في عمل المؤسسات الدستورية في لبنان، إذ يظهر أن المشكلة الحقيقية لا تتعلق بعدم إحالة تلك الاقتراحات المعجلة المكررة إلى الحكومة، لكن بتعطيل مجلس النواب وغيابه لفترات طويلة.
ومن الأمور التي تلفت الانتباه عند التدقيق في الأرقام، أن رئيس مجلس النواب لم يقم بإحالة 38 اقتراحا عاديًا من دون وجود أي مبرر واضح لهكذا تصرف. لكن من خلال تحليل مضمون هذه الاقتراحات يتبين أن غالبيتها يهدف إلى تحقيق غاية سياسية، كالاقتراحات المتعلقة بانتخاب مجلس النواب أو إنشاء مجلس للشيوخ أو اقتراع المغتربين أو تعديل قانون البلديات أو الأحكام الخاصة بالمجلس الشيعي الأعلى.
كذلك يلاحظ أن الاقتراحات التي تهدف إلى تعديل الدستور لم تتمّ إحالتها إلى الحكومة. وعلى الرغم من غياب أي شرح لتلك الممارسة، يمكن استنتاج أن تعديل الدستور يخضع لأصول خاصة محددة في المادة 77 من الدستور التي تنص على أن مجلس النواب لا يحق له أن ينفرد بوضع اقتراحات التعديل بل يتوجب عليه بعد موافقة ثلثي أعضائه إرسال رغبته بتعديل الدستور إلى الحكومة كي تتولى هي صياغة مشروع قانون دستوري بتلك التعديلات. وهكذا يتبين أن اقتراحات تعديل الدستور التي يتقدم بها النواب لا يمكن إرسالها إلى الحكومة إلا بعد موافقة الهيئة العامة بغالبية الثلثين، ومن المعلوم أن لدى الحكومة مهلة أربعة أشهر كي تردّ على اقتراح المجلس بالموافقة أو الرفض. ولما كانت جميع اقتراحات تعديل الدستور لم تصل إلى الهيئة العامة، فهذا يفسر سبب عدم إحالتها إلى الحكومة.
ومن الملاحظات المفيدة عدم إحالة ثلاثة اقتراحات تتعلق بتعديل النظام الداخلي لمجلس النواب. ولا شك أن هذا الأمر منطقي ليس فقط لأن تلك الاقتراحات لا تدخل في عداد المبادرة التشريعية لأن النظام الداخلي ليس قانونًا بالمعنى الدستوري، لكن أيضا لأن المادة 43 من الدستور منحت مجلس النواب صلاحية الانفراد بوضع نظامه الداخلي ما يعني أن آلية التعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية التي يفرضها الدستور في القوانين العادية لا حاجة لها بخصوص النظام الداخلي. ولا شك أن هذه المقاربة بات يمكن انتقادها لأن النظام الداخلي يحتوي على أحكام ستنعكس لا محالة على علاقة الحكومة بمجلس النواب، ومن هنا كان لا بدّ من استطلاع رأي الحكومة مسبقا بشأن التعديلات المقترحة للنظام الداخلي لا سيما إذا كان من شأن ذلك المس بصلاحيات هذه الأخيرة، علما أن الحكومة تحتفظ بحقها بمناقشة تعديلات النظام الداخلي في الهيئة العامة حتى لو لم تتم إحالة اقتراح التعديل إليها. بالتالي يمكن القول أن هذه المسألة التي لا ينتبه إليها أحد تعيد التذكير بالنقاش حول ضرورة إخضاع النظام الداخلي لمجلس النواب لرقابة المجلس الدستوري من أجل التأكد من احترامه لمبدأ الفصل بين السلطات وتعاونها وتوازنها المكرس في مقدمة الدستور كما شرحته المفكرة القانونية في الورقة البحثية حول إشكاليات النظام الداخلي لمجلس النواب.
أما بالنسبة للمدة التي تستغرقها هذه الآلية، فقد خلص المرصد البرلماني وفقا لمراقبته لجميع الاقتراحات ال 157 التي أحيلت فعليا خلال الفترة المدروسة إلى أن معدّل المدة بين تاريخ تسجيل الاقتراح وتاريخ إحالته إلى الحكومة هو تقريبا 7.38 يوما، أي أسبوع تقريبا وهو ما ينسجم مع الممارسة المعتمدة التي تقضي بأن تعرض الأمانة العامة لمجلس النواب الاقتراحات المقدمة على رئيس المجلس كل نهار أربعاء من أجل إحالتها إلى اللجان المختصة والحكومة. ويتبين أيضا أن الحكومة تحتاج إلى فترة أطول بكثير من أجل إرسال جوابها إلى المجلس. فقد تبيّن للمرصد البرلماني أن معدّل المدّة بين تاريخ إحالة الاقتراح وتاريخ جواب الحكومة بلغ 175 يوما تقريبا. ولا شك أنّ هذه المدة تظلّ طويلة حتى لو تمّ الأخذ في الحسبان أن الحكومة تحتاج إلى الإجابة على مئات الاقتراحات التي تصلها دوريا من مجلس النواب. وقد يكون مبرر هذا التأخير احتياج الحكومة للحصول على رأي إدارات وجهات مختلفة قبل إرسال جوابها النهائي إلى مجلس النواب. فبخصوص مثلا اقتراح القانون المقدم من النائب جورج عطالله حول تعديل قانون الجنسية، عمدت الحكومة إلى طلب رأي كل من هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل، ووزارة الداخلية ووزارة الخارجية والهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية. ولا شك أن هذا المسار يحتاج إلى مدة طويلة وإلى تنسيق تقوم به المديرية العامة لرئاسة مجلس الوزراء التي تتولى مراسلة جميع الجهات المعنية وتحضير جواب الحكومة بعد حصولها على الآراء المطلوبة، وعرضه لاحقا على مجلس الوزراء الذي يتولى إقراره، ومن ثم يعمد رئيس مجلس الوزراء إلى إحالته إلى رئيس مجلس النواب.
وباتت الحكومة الحالية بعد حصولها على الثقة تقوم بتضمين جدول أعمال مجلس الوزراء بندا يتعلق باقتراحات القوانين المقدمة من النواب علما أن هذا البند لا يظهر بشكل دائم. لا بل أن المرصد البرلماني لاحظ أن الحكومة باتت تجيب على اقتراحات قديمة جرى تقديمها قبل تشكيلها، حتى أن البعض منها أحيل إليها سنة 2019.
ومن العلوم أن الفائدة الأهم من جواب الحكومة تكمن في مناقشته من قبل اللجنة النيابية المختصة عندما تقوم بدراسات اقتراحات القوانين. لذلك يمكن القول أن التأخر في إرسال الجواب يضعف من جدوى هذه الآلية لأن اللجنة لن تتمكن من الاطلاع على موقف الحكومة ما يشكل إخلالًا بمبدأ التعاون بين السلطات. لا بل أن المادة 38 من النظام الداخلي تنص على أن تنهي اللجنة “دراستها وترفع تقريرها في المشاريع والاقتراحات وسائر المواضيع المحالة عليها في مهلة أقصاها شهر اعتباراً من تاريخ ورودها”. فإذا كان رئيس المجلس يحيل الاقتراحات العادية إلى اللجان والحكومة بشكل متزامن، لا بدّ من التساؤل حول قدرة الحكومة على إرسال جوابها خلال مهلة الشهر تلك الممنوحة إلى اللجنة، علما أن هذه المهلة باتت نظرية كون اللجان نادرا ما تحترمها.
في النهاية، يمكن القول أن التواصل بين مجلس النواب والحكومة عبر اقتراحات القوانين يشكل أحد أهم وجوه مبدأ التعاون بين السلطات وهو وجه لا يحظى بالاهتمام المطلوب. فأجوبة الحكومة من المفترض أن تستند على معلومات دقيقة، وهي تعكس سياسة هذه الأخيرة وتوجهاتها العامة في شتى الميادين ما يعني أنها تقوم فعليا بربط مسؤوليتها السياسية أمام النواب في كل موقف تتخذه من هذه الاقتراحات.