اقتراح قانون الأحزاب في لبنان: جدليّة ديمقراطية الحزب وطائفيته
25/06/2026
تقدم النائب بلال عبد الله بتاريخ التاسع من حزيران 2026 باقتراح "قانون الأحزاب في لبنان" الذي يرمي إلى تحديد كيفيّة إنشاء وتنظيم عمل الأحزاب في لبنان.
يشتمل الاقتراح في الباب الأول الفصل الأوّل على تعريف للأحزاب السياسيّة على أنّها "تنظيم وطنيّ دائم" يقوم على "مبادئ وأهداف سياسيّة مشتركة"، يعمل بوسائل ديمقراطية وسلمية من أجل المشاركة في الحياة العامة والسياسية وفقًا لأحكام الدستور. كما يطرح الاقتراح عددًا من المبادئ التي ترعى عمل الأحزاب، أوّلها حرية تأسيسها والانتماء إليها بما يكفله الدستور، وينص على قيام "النظام الحزبي في لبنان" على أساس "التعددية السياسية والفكرية وحرية الرأي والمعتقد السياسي، واحترام النظام الديمقراطي ومبدأ التداول السلمي للسلطة في إطار الدستور ووحدة الدولة اللبنانية وسيادتها". وبحسب الاقتراح، فإنّ على الأحزاب الالتزام "باحترام الدستور والقوانين" و"صون وحدة الدولة اللبنانية وسيادتها واستقلالها وسلامة أراضيها"، كما "احترام النظام الديمقراطي البرلماني ومبادئ العيش المشترك"، وأن يكون للحزب طابع وطني جامع من دون أي تمييز بين المواطنين على أي أساس. ويحظر الاقتراح على الأحزاب "اعتماد القوة أو العنف وسيلة لتغيير النظام السياسي أو الدستور أو تحقيق أهداف سياسية أو حزبية"، وينص على التزامها "بالوسائل الديمقراطية والسلمية" والامتناع عن "التحريض على العنف أو الكراهية أو النزاعات الطائفية أو العنصرية أو أي سلوك يهدد السلم الأهلي أو موحدة المجتمع اللبناني".
كذلك في الفصل الثاني من الباب الأول يقوم الاقتراح بطرح عددٍ من "المبادئ الوطنية والتنظيميّة" يجب على الأحزاب الالتزام بها، ومنها "تعزيز الانتماء الوطنيّ الجامع، وعدم تحويل الانتماءات الدينية أو المذهبية أو المناطقية أو العائلية إلى أساس نشاطها السياسي أو برامجها أو خطابها، كما تمتنع عن أي ممارسة من شأنها تكريس أيّ نوع من الانقسام أو تعميقه في الحياة السياسية." وينص الاقتراح على وجوب أن يكون للأحزاب "حضور وتنظيم فعليّ" في جميع المحافظات وذلك عند تأسيسها، وأنّ "تعمل على تعزيز انتشارها على كامل الأراضي اللبنانية، بما يكرّس طابعها الوطني الجامع" على أن تشمل بنيتها التنظيمية ما يحافظ على التنوع الوطني ويعكس مكوّنات المجتمع اللبناني. ويشدّد الاقتراح في هذا الفصل على التزام الأحزاب بالممارسة الديمقراطية في تنظيم شؤونها واتخاذ قراراتها، وأن تحدد آليات للترشح والانتخابات الحزبية مرتكزة على تكافؤ الفرص والشفافية، وأن يكون للأحزاب ولايات محددة زمنيًّا لقياداتها استنادًا إلى مبدأ الدوريّة في استلام المهام الحزبيّة.
يتابع الاقتراح في بابه الثاني الفصل الأول بوضع الشروط التي ترعى عمل الأحزاب، فيشير إلى ضرورة توفر عدد أدنى من الأعضاء من أجل تأسيس حزب، هو 50 شخص من التابعية اللبنانية، على أن يكونوا متمتعين بالحقوق المدنية والسياسية الكاملة وقد أتموا الثامنة عشرة من العمر وغير محكومين بجناية أو بمحاولة جناية أو جنحة شائنة. أما في الفصل الثاني، فينص الاقتراح على الشروط المطلوبة للاستحصال على علم وخبر الحزب الجديد من وزارة الداخلية وكيفية تقديم الطلب وما يتضمنه والمهل المعطاة للوزارة من أجل الرد ومعالجة النواقص في الطلب والتي ستفصّل لاحقًا.
بالإضافة إلى ما تقدم، يقوم الاقتراح في بابه الثالث بتحديد الحقوق التي يتمتع بها الحزب المشكل قانونًا وهي على سبيل المثال ممارسة النشاط السياسي وتنظيم الاجتماعات وإصدار البيانات والتملك وفتح حسابات مصرفية وغيرها. كما يعيد الاقتراح تكرار منع استخدام العنف والتحريض وإثارة النعرات ويوجب على الحزب في ممارسة السياسية الالتزام باحترام النظام الديمقراطي القائم، في دلالة إلى النظام القائم في لبنان، كما على التعددية والتداول الديمقراطي للسلطة، ويحظر عليه تعطيل المؤسسات الدستورية أو شلّ عملها أو المساس بسلامتها. وينظّم الفصل الثاني العضويّة في الحزب فيمنح هذا الحقّ للبنانيين المتمتعين بحقوقهم المدنية والسياسية الغير محكومين بجناية أو جنحة شائنة بحكم مبرم وقد أتموا الثامنة عشرة من العمر، كما يسرد حقوق العضو التي تقوم على المشاركة في الحياة الحزبية وإبداء الرأي والترشح والانتخاب، وواجبات العضو ومنها احترام مبادئ الحزب والالتزام بقراراته التنظيمية واحترام مبدأ العمل الديمقراطي داخل الحزب.
أمّا الباب الرابع فيضع الخطوط العريضة للأنظمة الداخلية للأحزاب ويعدد الهيئات الحزبية وهي عامة وتقريرية وتنفيذية، فيما الباب الخامس يشير إلى قواعد التمويل والشفافية والرقابة المالية فيحصر التمويل بإشتراكات الأعضاء والتبرعات اللبنانية ويسمح للحزب بالاستفادة من المساعدات أو الدعم المادي المسموح به قانونًا، ويعطي الصلاحية لوزارة الداخلية لمتابعة التزام الأحزاب بالقواعد المالية المنصوص عليها في هذا القانون، ويخضع المخالفات المالية لرقابة القضاء المختص وفقًا للأصول القانونية.
بدوره يقوم الباب السادس بتحديد العقوبات والضمانات القضائية للأحزاب، فيشير إلى مسائل حلّ الحزب أو تعليق نشاطه، ويعدّد الأسباب التي يمكن للمحاكم أن تستند عليها من أجل فرض من هذه الإجراءات، ومنها استخدام العنف أو التحريض، أو الدعوة إلى تغيير النظام الدستوري أو مؤسسات الدولة بالقوة أو الوسائل غير الدستورية، على سبيل المثال لا الحصر. أما الباب السابع فينص على آثار حل الحزب وتصفية أمواله ومنها زوال شخصيته القانونية ووقف جميع أنشطته وتعيين المحكمة مصفيًا على أمواله. وينتهي الاقتراح بتنظيم فترة انتقالية يكون فيها للأحزاب القائمة الفرصة ضمن مهلة سنتين من تاريخ نفاذ القانون لترتيب أوضاعها بما يتوافق مع القانون وتقديم التصاريح لوزارة الداخلية من دون تحديد ما هو مصير تلك الأحزاب في حال تخلفت عن ذلك خلال المهلة القانونية.
أمّا الأسباب الموجبة للاقتراح، فتعتبر أنّ استمرار خضوع التّنظيم القانونيّ للأحزاب في لبنان لقانون الجمعيات العثماني لا يجوز نظرًا إلى الاختلاف في الطبيعة بين الجمعيات المدنية أو الاجتماعية والأحزاب السياسية التي تمارس "دورًا وطنيًا وسياسيًا عامًا يتصل مباشرة بالحياة الدستورية والإدارية والانتخابية للدولة". وأشارت الأسباب الموجبة إلى أنّ التشريع اللبناني قد غاب عنه إطار تنظيمي خاص بالأحزاب يضمن "التوازن بين حرية العمل السياسي من جهة، وحماية النظام الديمقراطي والمصلحة الوطنية من جهة أخرى"، فيما التجربة اللبنانية أظهرت "الحاجة إلى تطوير الحياة الحزبية على أسس وطنية جامعة" من خلال "تشجيع الأحزاب ذات الطابع الوطني العابر للمناطق والمكونات الاجتماعية، وتعزيز التنوع داخل بنيتها التنظيمية وهيئاتها التقريرية". وبالتالي، يستوجب ذلك إخضاع الأحزاب السياسية لقواعد واضحة تتعلق بالشفافية الماليّة وتكريس مبدأ تأسيس الحزب وفقًا لنظام العلم والخبر من دون إخضاعها لأيّ ترخيص مسبق وحصر صلاحية حلّ الأحزاب بالمحاكم حصرًا على اعتبار أنّ حريّة التنظيم السياسي لا يجوز تقييدها بقرار إداري، واعتماد مبدأ التدرج بالعقوبات بحق الأحزاب ما يدفع إلى تطوير كامل النظام القانوني الذي يرعى عمل الأحزاب.
انطلاقًا ممّا تقدّم، كان من المفيد التعليق على هذا الاقتراح من خلال التركيز على مجموعة من المسائل نظرا لأهميتها:
فصل جديد من الجدل حول قانون الأحزاب
كان قانون الجمعيات على الدوام موضع جدل سياسي وتجاذب بهدف استبداله بقانون خاص بتأسيس الأحزاب تحت ذرائع عدّة منها تطوير القانون والتشدد في تنظيم عمل الأحزاب. وقد بدأت مطالبات الطبقة السياسيّة في لبنان بهذا الشأن مع البيان الوزاري لحكومة الرئيس صائب سلام الذي تلاه هذا الأخير أمام البرلمان في جلسة 12 أيار 1953 إذ أعلن التالي: "وإن الحكومة إذ تهدف الى دعم الحريات العامة وتعزيز النظام الديمقراطي ستتقدم الى هذا المجلس بمشروع قانون للأحزاب السياسية لأنه لم يعد من الجائز قيام الأحزاب في ظل قانون الجمعيات البالي". إلّا أنّ حكومة الرئيس سلام آنذاك فشلت في إيصال مشروعها إلى الإقرار في مجلس النواب، أمّا حكومة عبد الله اليافي فقد أعلنت في بيانها الوزاري أمام مجلس النواب بتاريخ 3 أيلول 1953 نيتها التقدم بمشروع قانون حول "تنظيم الأحزاب السياسية والجمعيات" لكن محاضر مجلس النواب لا تنقل أي نقاشات حصلت حول هذا المشروع.
أمّا المحاولة الثانية فأتت في عهد الرئيس سليمان فرنجية عام 1972 حيث تقدّمت حكومة الرئيس صائب سلام بمشروع قانون معجل ينظّم إنشاء الأحزاب لكنّه يفرض قيودا مشدّدة عليها. وقد جاء هذا المشروع كردّة فعل على قرارات كمال جنبلاط الذي أعطى في نهاية عهد الرئيس شارل حلو سنة 1970 عندما كان وزيرا للداخلية العلم والخبر إلى عدد من الأحزاب المحظورة منها الحزب الشيوعي والحزب القومي السوري الاجتماعي وحزب البعث العربي الاشتراكي. وقد تعرّض مشروع الحكومة لانتقادات شديدة من قبل النواب طوال عام 1972 إذ أعلن مثلا النائب معروف سعد في جلسة 7 آذار من السنة نفسها التالي: "وأخيرا إنني أستغرب إحالة مشروع قانون الأحزاب إلى المجلس النيابي في هذا الوقت بالذات وهو على ما هو عليه من تقييد للحريات، لا أعتقد، ولا يعقل لكلّ من قرأ هذا المشروع القانون أن يكون واضعه لبناني من لبنان واللبناني عرف بديمقراطيته، بتعشقه للديمقراطية، وبتعشقه للحرية، وبضرورتها له كما هو الخبز والماء. إن هذا المشروع القانون كان أجدر أن يكون قبل مئة سنة وليس في هذا الزمن". واستمرّ انتقاد النواب للمشروع بعد استقالة الحكومة وتشكيل الرئيس صائب سلام لحكومة جديدة في 27 أيار 1972. فقد أعلن النائب أمين الحافظ في جلسة 8 حزيران من العام نفسه التالي: " لقد أرسلت الحكومة الماضية إلى هذا المجلس مشروع قانون للأحزاب. والمسؤول الوحيد لغاية الآن عن قانون الأحزاب هو الرئيس صائب سلام. أما السادة الوزراء الحاضرون الآن الذين لم يكونوا وزراء عندما أرسل هذا المشروع فلم يجشم أحد منهم نفسه عناء طلب هذا المشروع، استرداده ولو بضع ساعات، لكي يطمئن إلى أن الحرية سوف تكون مصونة. بل إنه ألقى هذا العبء على المجلس، كأنه لم يعد مسؤولاً أبداً. ويكون بذلك قد استعمل الكثير من الذكاء ليتملص من هذا الحرج". كذلك النائب نجاح واكيم في الجلسة ذاتها قال التالي: "إننا نؤمن بأن حرية الكلمة هي المقدمة الأولى للديمقراطية وعلى هذا، فإن مشروع قانون الأحزاب والجمعيات الذي حاولت الحكومة السابقة أن تفرضه فرضاً على شعبنا، يعتبر ضربة قاصمة للديمقراطية الشكلية التي يتغنّى بها أهل النظام. على أن جماهير شعبنا تعرف كيف تحبط هذا المشروع المؤامرة، وكيف تستبدله بمشروع يأخذ بعين الاعتبار حرية المعتقد السياسي للجماهير وحقها في تنظيم نشاطها، وليس مشروعاً ديكتاتورياً يكتم أنفاس الشعب ويصادر حريتهم السياسية". وهكذا، أمام موجة الاعتراض الكبيرة التي عبرت عنها الأحزاب المصنفة حينها "عروبية" أو "يسارية"، تخلت الحكومة عن مشروعها ولم يبصر النور.
وكانت المحاولة الثالثة في هذا الموضوع عندما أصدر الرئيس أمين الجميل المرسوم الاشتراعي رقم 153 بتاريخ 16 أيلول 1983 المتعلق بالجمعيات الذي ميّز بين الجمعيات غير السياسية والجمعيات الأجنبية والأحزاب السياسية إذ نصت المادة 33 منه على التالي: "لا يجوز تأسيس الأحزاب السياسية إلا بترخيص مسبق يعطى بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير الداخلية". إلّا أنّ الأمر لم يدم طويلا كون حكومة الرئيس رشيد كرامي أقدمت على إلغاء هذا المرسوم الاشتراعي وذلك بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 28 الصادر في 23 آذار 1985.
وكانت آخر محاولة جدية في هذا المجال، الاقتراح حول الأحزاب الذي تقدّم به النائب الراحل روبير غانم سنة 2017 والذي اتّسم بطبيعته الديمقراطية لكنه ظلّ قابعًا في أدراج مجلس النواب.
بالتالي، فإنّ اقتراح النائب بلال عبد الله عن الحزب التقدّمي الاشتراكي يعدّ محاولة جديدة من سلسلة محاولات لتغيير الإطار القانوني الذي تنشأ الأحزاب اللبنانيّة على أساسه. ولا شكّ أنّ الاقتراح يطرح إشكاليّات كبرى ذات طبيعة فلسفية ودستورية، لا سيما في المجتمعات التعدديّة كلبنان حول جواز تشكيل أحزاب ينحصر عملها في منطقة معينة، أو يقتصر نشاطها السياسي على الدفاع عن فئة معينة من المجتمع وتمثيل مصالحها. لذلك كان لا بدّ من استعراض أبرز تلك الإشكاليات من أجل تصويب النقاش وعدم الانسياق تلقائيا وراء الأهداف "النبيلة" التي يزعم الاقتراح تحقيقها.
نظام جديد لإنشاء وحلّ الأحزاب
لا بد أولًا من التذكير أن المادة 13 من الدستور اللبناني تكرس حرية تأليف الجمعيات، كذلك الفقرة "ب" من مقدمة الدستور التي تنص على التزام لبنان بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الأمر الذي يشمل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر سنة 1966 والذي نص في المادة 22 على التالي :" لكل فرد حق في حرية تكوين الجمعيات مع آخرين، بما في ذلك حق إنشاء النقابات والانضمام إليها من أجل حماية مصالحه.لا يجوز أن يوضع من القيود على ممارسة هذا الحقّ إلا تلك التي ينص عليها القانون وتشكل تدابير ضرورية، في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم. ولا تحول هذه المادة دون إخضاع أفراد القوات المسلحة ورجال الشرطة لقيود قانونية على ممارسة هذا الحق."
وهكذا يتبين أن النظام الدستوري اللبناني يقوم على منطلقات ليبراليّة قوامها الحريّة كمبدأ بينما القيود على تلك الحرية تشكّل استثناء لا بد من تبريره ووضع ضوابط له. ففي لبنان، تتشكّل وتتنظّم الأحزاب على أساس قانون الجمعيات العثماني الصادر في عام 1909 والمأخوذ بدوره عن قانون الجمعيات الفرنسيّ الصادر في عام 1901. إنّ هذا النظام القانونيّ الذي لا يزال يحكم إنشاء الأحزاب والجمعيّات على اختلاف أنواعها حتّى اليوم يحمل طابعًا ليبيراليًّا، فهو لا يُخضع تشكيل الأحزاب إلى ترخيص مسبق من الحكومة بل إلى نظام العلم والخبر، أي أنّ الحزب ينشأ بإرادة أعضائه الذين عليهم إعلام الإدارة وتحديدًا وزارة الداخليّة بإنشاء حزب جديد، مع إفادتها بإسم الحزب وعنوانه وأهدافه وأسماء الأشخاص الذين يؤلّفون هيكليته الإداريّة (المادة السادسة من قانون الجمعيات). في المقابل، تأخذ وزارة الداخليّة علما وخبرا بإنشاء الحزب عبر إصدارها اعترافا بذلك، ما يعطيه الحقّ في ممارسة نشاطه وفتح حساب مصرفي على سبيل المثال. ويبقى قرار الوزارة خاضعا لرقابة القضاء الإداري في حال تمعنت عن إصدار العلم والخبر لأي سبب كان.
يعتمد الاقتراح بدوره المبدأ الليبرالي عينه في تشكيل الأحزاب من خلال إبقائه على نظام العلم والخبر، ولكن مع إضافة شروط جديدة يؤدّي بعضها إلى الحدّ من حريّة تأسيس الأحزاب كما هي في القانون الحالي. فالمادة 18 من الاقتراح تشترط عددًا أدنى (50 شخصًا) من أجل تأسيس حزب، فيما القانون الحالي لا يضع شرطا عدديا، وبالتالي فإنّ الاقتراح، من دون الانزلاق إلى حدّ وضع شروط تعجيزيّة، يعاكس إلى حدّ ما الحريّة الواسعة التي حكمت حتّى الآن تشكيل الأحزاب والجمعيات في لبنان، فيما أبقت فرنسا التي لا زالت تعتمد على قانون الجمعيات لسنة 1901 على هذه الحريّة كاملة من دون إضافة شرط عددي عليه.
بالإضافة إلى ذلك، تنصّ المادة 19 على أنّ يكون المؤسسون قد أتمّوا الثامنة عشرة فيما القانون الحالي يتطلّب إتمامَهم سنّ العشرين، علما أن الاقتراح أدخل شروطا أكثر تشددًا من الشروط للانتساب إلى جمعية، منها ألّا يكون المؤسس محكومًا عليه "بجناية أو بمحاولة جناية أو بجنحة شائنة" وأن يكون متمتعًا "بالحقوق المدنية والسياسيّة كاملة".
يكمل الاقتراح شرح شروط تقديم طلب العلم والخبر فينصّ في المادة 20 منه على وجوب إرفاق "طلب تأسيس الحزب بنظام أساسي وآخر داخلي مكتوبين وموقعين من المؤسسين"، على أن يتضمن ذلك اسم الحزب وشعاره، وأهدافه ومبادئه السياسيّة، ومقره الرئيسي، وهيكلته التنظيميّة، وشروط العضوية والانتماء إليه، وآليات اتخاذ القرار داخل الحزب، وقواعد انتخاب الهيئات القياديّة ومددها، ومصادر تمويله وضوابطها، وقواعد تعديل النظامين الأساسي والداخلي. وتنصّ المادة 21 على أن يقدّم طلب التأسيس إلى وزارة الداخلية "مرفقًا بالنظام الأساسي واللائحة الاسميّة للمؤسّسين والمستندات المثبتة لتوفر الشروط القانونية فيهم". إثر ذلك، يتعيّن على الوزارة التأكّد من صحّة الطلب ولها بحسب المادة 22 "أن تعلم المؤسسين بأيّ نقص خلال مهلة أقصاها خمسة أيام عمل من تاريخ تقديم الطلب". وتنص المادة أنّه "في حال انقضاء هذه المهلة من دون تبليغ أصحاب العلاقة بوجود نواقص يعتبر الحزب قائمًا حكمًا". وللوزارة بحسب المادة 23 أن تطلب من المؤسسين إعادة النظر بالنظام الأساسي والداخلي إذا وجدت فيه ما يخالف "النظام العام أو هذا القانون أو القوانين الأخرى المرعية، وذلك خلال المهلة عينها" من دون تحديد صراحة ما هو مصير الحزب في حال رفض التعديلات التي تطالب بها الوزارة أو في حال استجاب لها لكن الوزارة طلبت مرة ثانية بإدخال تعديلات جديدة. فمنح الوزارة حق اعتبار أن الحزب يخالف "القوانين المرعية" يظل مبهما ويسمح لها بحرية تفسير اعتباطية من شأنها الحد من حرية تأسيس الأحزاب.
وتعلن المادة 24 من الاقتراح بأنّ شخصية الحزب القانونيّة تكتسب عند اكتمال الشروط والإجراءات المنصوص عليها على أن تقوم وزارة الداخلية بتسجيل الحزب في سجل خاص، وإعداد إعلان تسجيله ونشره في الجريدة الرسمية. وينشأ عن ذلك عدّة حقوق تنص عليها المادة 25 منها ممارسة النشاط السياسي السلمي، وحق إصدار البيانات والتملّك وإبرام العقود، وحقّ فتح حسابات مصرفيّة والمشاركة في الحياة العامة، وحق اللجوء إلى القضاء المختص وإقامة الدعاوى.
لا بدّ من التّنبيه إلى أمر غير مألوف قد تكون له تداعيات خطيرة. فالمادة 25 يفهم منها أن الحزب لا يمكن أن يباشر نشاطه ولا يحق له التقاضي إلا بعد تسجيله من قبل وزارة الداخلية واكتسابه للشخصية المعنوية. ولا شك أن هذه الأحكام لا تنسجم مع المبادئ القانونية المعمول بها اليوم إذ أن الجمعيات في لبنان تكتسب الشخصية المعنوية بمجرد تكوينها وإعلام وزارة الداخلية بذلك. وقد أعلن مجلس شورى الدولة أن الجمعية "تتمتع بأهلية التقاضي بمجرد تسليمها بيان تأسيسها المذكور في المادة السادسة من قانون الجمعيات وبحكم القانون إلى وزارة الداخلية الملزمة بالمقابل بتسليم العلم والخبر دون إبطاء وهي لا تتمتع بأية سلطة استنسابية، ذلك أن الجمعية تؤسس بإرادة مؤسسيها" (قرار رقم 135 تاريخ 18 تشرين الثاني 2003).
من هنا يمكن القول أنّ الاقتراح بإعلانه أنّ الشخصيّة المعنويّة للحزْب لا توجد إلا بعد تسجيله، وأنّه قبل ذلك لا يحقّ له ممارسة أيّ نشاط، لا بل لا أهليّة له للتّقاضي، يشكّل مخالفة لمبدأ حرية تشكيل الجمعيات الدستوري وهو يجعل من تسجيل وزارة الداخلية أقرب إلى نظام الرخصة المسبقة من نظام العلم والخبر.
معاقبة الأحزاب وحلّها : حصر الصّلاحيات بالقضاء
من أكثر المسائل حساسيّة هي مسألة معاقبة الأحزاب المخلّة بالقانون وصولًا إلى حلّها، وذلك لأنّ الأمر يتعلّق بالحدّ من حريّة يكفلها الدستور للمواطنين، وبالتالي ضرورة تأطير هذه الإمكانيّة لمنعها من الجنوح إلى التعسّف، وأيضًا لأنّ النظام القانوني الحالي يمنح تلك الصلاحية إلى كل من القضاء المولج بحسب قانون العقوبات بمعاقبة الجمعيات عبر تعليقها أو حلّها، والحكومة التي باتت تعتبر أنّ قانون الجمعيّات يمنحُها حقّ حلّ الجمعيّات بمرسومٍ يتّخذ في مجلس الوزراء.
في هذا الموضوع، يتبنّى الاقتراح توجها هاما من خلال حسم أنّ للقضاء وحده اتّخاذ قرار بحلّ الأحزاب بعد التثبت من توفر شروط الحل المحددة قانونا (مادة 56 من الاقتراح). ومن شأن هذا الأمر أن يحمي حرية تأسيس أحزاب سياسية من تعسف السلطة السياسية ويضمن حق المحاكمة العادلة.
ويعدد الاقتراح الحالات التي يمكن حلّ حزب على أساسها وهي :"قيامه باستخدام العنف أو التحريض عليه أو إنشاء تنظيمات مسلحة أو دعمها، قيامه بالدعوة إلى تغيير النظام الدستوري أو مؤسّسات الدولة بالقوة أو الوسائل غير الدستورية، قيامه بارتكاب مخالفات جسيمة وممنهجة لأحكام هذا القانون بما يفقده صفته كحزب سياسي وفقًا لأحكام هذا القانون، وتلقيه تمويلًا خارجيًّا بصورة ثابتة وممنهجة خلافًا لأحكام هذا القانون".
كما تعطي المادة 56 عينها في الفقرة "ب" الحقّ للمحاكم بتعليق نشاط الحزب لمدة تتراوح بين ستة أشهر وثلاث سنوات في الحالات التالية :"ممارسته التنظيميّة أو السياسيّة بما يخالف بصورة جسيمة أو ممنهجة أحكام المواد 5 أو 9 أو 11 أو 12 أو 28 أو 29 من هذا القانون" والتي تتناول مسألة وجوب تمتع الأحزاب بطابع وطني جامع وألّا تميّز الأحزاب في أهدافها ونشاطاتها بين المواطنين على أساس الأصل أو الدين أو اللون (المادة 5)، كما تتناول مسألة حضور الأحزاب في جميع المحافظات اللبنانيّة ومراعاة مبدأ التنوع الوطني في بنيتها التنظيميّة (المادة 9)، والتزام الأحزاب بالممارسة الديمقراطيّة في داخلها (المادة 11) وتحديد آليات الترشح والانتخاب داخل الأحزاب السياسيّة في أنظمتها الداخلية والسياسيّة واعتماد مبدأ تكافؤ الفرص بين الأعضاء (المادة 12)، وأيضًا مسألة منع الأحزاب من اتخاذ أي موقف سياسي أو ممارسة تقوم على التمييز بين المواطنين على أساس الجنس أو الطائفة أو العرق أو اللغة (المادة 28)، ومسألة حق العضويّة في الأحزاب للمواطنين وشروط هذه العضويّة لجهة عدم ارتكاب جناية أو جنحة شائنة والتمتع بالحقوق المدنية والسياسيّة (المادة 29).
في هذا الإطار لا بدّ أوّلًا من التنبيه إلى أن مدّة تعليق عمل الأحزاب التي يتيحها القانون هي مدّة طويلة جدًا حتّى في حدّها الأدني أي ستة أشهر. ففي مقارنة سريعة ينص قانون الأحزاب التونسي الصادر سنة 2011 على مدّة تعليق تقررها المحكمة لا تتعدّى ال30 يومًا (المادة 28). أمّا في لبنان، فإذا اختارت المحكمة تعليق عمل الحزب إلى الحدّ الأقصى (ثلاث سنوات)، فإنّ ذلك يعني أنّ الحزب بحكم المنحل واقعيا. وقد يصار إلى استخدام تعسّفي لإمكانيّة التعليق الطويلة هذه بحيث يتم حرمان الحزب من المشاركة في الاستحقاقات الانتخابيّة على سبيل المثال.
من جهة ثانية، يتبين أن المواد التي يمكن للمحكمة أن تستند إليها لتعليق عمل الأحزاب لا تحمل طابعًا جزائيًّا ولا وصفًا واضحًا للمخالفات التي يمنع على الأحزاب القيام بها، بل هي مطاطة في مضامينها وتحمل قدرًا كبيرًا من التفسير والتأويل، فتشكل بذلك خطرًا على حريّة تكوين الأحزاب، لا سيما في النقاط التي تتعلق بالتنوع الطائفي داخل الحزب وانتشاره الجغرافي، وهي مواضيع سنعالجها في أقسام لاحقة.
تعطي المادة حق تعليق العمل أيضًا بسبب "تكرار المخالفات لجهة تقديم البيانات المطلوبة إلى وزارة الداخلية"، وقد يشمل ذلك ليس فقط الوثائق المطلوبة لنيل العلم والخبر ولكن أيضًا ما تنص عليه المادة 53 من بيان مالي سنوي على الحزب تقديمه مرفقًا بتقرير المدقق المالي إلى وزارة الداخلية. وتنص المادة على أن الحكم الصادر في هذه الشؤون حكم استثنائيّ "يمس الكيان القانوني للحزب ولا يصار إليه إلّا في حدود الحالات المحددة حصرًا في هذه المادة"، ما يزيد التأكيد على حصريّة صلاحيّة المحاكم في البتّ بالتعليق والحلّ وفي ضرورة تقيّدها بحرفيّة النص القانوني لجهة أسباب الحلّ أو التعليق.
ولا بدّ من التنبّه إلى أنّ الاقتراح ينصّ في نهايته على إبطال الأحكام المخالفة له أو غير المتوافقة معه، إلّا أنّ ذلك لن يؤدّي إلى إلغاء قانون الجمعيات أو مواد قانون العقوبات المذكورة، بل فقط عدم جواز تطبيقها على الأحزاب لأنّها تبقى جميعها سارية المفعول على الجمعيّات العاديّة التي لا علاقة لها بالاقتراح. لكن السؤال يبقى طبعا لناحية معرفة كيفية التمييز بين الحزب السياسي والجمعيات الأخرى، وهي مسألة ليست بديهية لأن التعريف الذي أعطته المادة الأولى من الاقتراح بقولها بأن الحزب يهدف إلى المشاركة في الحياة العامة وفي تكوين الرأي العام والمساهمة في إدارة الشأن العام، هي أهداف قد تسعى إليها منظمات المجتمع المدني التي تهتم بالانتخابات والديمقراطيّة وحقوق الإنسان واستقلاليّة السلطة القضائية. لذلك يبقى معيار التمييز غير واضح المعالم ما يعني أن الجمعيات العادية ستظلّ خاضعة لأحكام قانون الجمعيات العثماني بينما الأحزاب السياسيّة ستخضع لأحكام هذا الاقتراح، ما قد يخلق تضاربًا في المرجعيّة القانونية وفقا لطبيعة الجمعيّة.
الأحكام الخاصّة بتمويل الأحزاب
من أهم الإضافات التي أدرجها هذا الاقتراح على مسألة تنظيم عمل الأحزاب هو ما ورد في الباب الخامس تحت عنوان "التمويل والشفافيّة والرقابة الماليّة". وقد حدّد هذا الباب في فصله الأول مصادر التمويل المقبولة قانونًا للأحزاب، فحصرها باشتراكات الأعضاء والتبرّعات على أن تكون "من مصادر لبنانيّة وفقًا لأحكام هذا القانون والنظام الأساسيّ" للحزب. وقد حظرت المادة 45 بشكل صريح على الأحزاب "قبول أيّ تمويل أو دعم من أيّ مصدر خارجيّ، سواء كان دولة أو منظمة أو جهة غير لبنانية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة".
تفتح هذه المادة المجال لنقاش أحد أبرز السمات التي تميّزت بها الأحزاب اللبنانيّة تاريخيًّا حتّى يومنا هذا. فالتمويل الخارجي للأحزاب وبالتالي ارتهانها للخارج ولأوامره يشكّل أحد أبرز الآفات التي تصيب الأحزاب اللبنانيّة، إن كان في زمن الحرب حيث بات من المعروف أن العديد من "الأحزاب" المتناحرة تلقت أموالا وأسلحة أو حتّى عناصرمن دول أجنبية، إلى فترات لاحقة استمرّ فيه التمويل عبر البترودولار. إلّا أنّ أبرز الأمثلة وأوضحها يبقى التمويل الإيراني لحزب الله، حيث أنّه يشكّل المثل الوحيد على حد علمنا اعترف فيه حزب لبنانيّ بشكل صريح وعلني بشمولية تمويله من الخارج. إذ فاخر الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله في 24 حزيران 2016 معلنا التالي :"موازنة حزب الله ومعاشاته ومصاريفه وأكله وشربه وسلاحه وصواريخه من الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران".
جراء ما تقدم، لا بدّ من طرح السّؤال حول قدرة الاقتراح بمفرده على فرض احترام أحكامه على أحزاب امتهنتْ لعقود طويلة سيّاسة الارتهان للخارج عبر تلقّي المال والسلاح، لا بل أن هذا التمويل كان يحصل من خارج أي إطار قانونيّ يسمح بمراقبة كيفيّة صرف هذه الأموال بشفافيّة. فالمشكلة لا تكمن فقط في التمويل الذي قد يكون مشروعا في حال تم بطرق قانونية يمكن إخضاعها للأصول المحاسبية، لكنها تكمن أساسًا في أنّ هذا التمويل يتمّ بشكل سرّي عبر قنواتٍ غير معلومة ما يفاقم من احتمال الفساد وصرف تلك الأموال للهيمنة وتعزيز سطوة النافذين داخل الحزب. وإذا كان منع تمويل الأحزاب من قبل دول أجنبيّة هو أمر بديهي، لكن منع تلقّي أيّ دعم أو تمويل من قبل منظمات دوليّة أو أجنبيّة يطرح علامات استفهام لا سيما إذا كان هذا التمويل يتم بطرق شفافة وعلنية من أجل المساهمة في مشاريع انمائية أو حقوقية تتصل بتعزيز دولة القانون والحياة الديمقراطية. فبإمكان أحزاب السلطة بسهولة أن تحصل على تمويل داخلي، لا بل أن تسمي هذا التمويل "تبرعات" (لا ينص الاقتراح على سقف لها) يجري تقديمها من قبل شركات تجارية أو أصحاب أعمال نافذين تربطهم مصالح سلطوية مع تلك الأحزاب، بينما تعجز الأحزاب الصغيرة عن ذلك.
يتضمن اقتراح القانون أيضًا تطوّرًا بالغ الأهميّة بالنسبة إلى قانون الجمعيّات الحالي بالنظر إلى كيفيّة إدارة الأموال من قبل الأحزاب. ففي حين ينص قانون الجمعيّات في مادته السابعة على أن يكون لكلّ جمعيّة دفتر تبيّن فيه ما يعود لها من "الواردات ومفردات المصروفات ونوعها ومقدارها وأن تبرز هذه الدفاتر الى الحكومة العدلية والملكية في أي وقت طلبتها"، ينص الاقتراح في المادة 53 على أن "يلتزم الحزب السياسي بمسك سجلات محاسبية منظمة وشفافة وفقًا للأصول المحاسبية المعتمدة، تبين جميع وارداته ونفقاته ومصادر تمويله ووجوه إنفاقه" كما على الحزب أن يعيّن "مدققًا ماليًا مستقلًّا من بين المدققين القانونيين المعتمدين، يتولى تدقيق حساباته الماليّة بشكل سنوي وإعداد تقرير مفصل بشأنها". ويلزم الاقتراح الحزب بتقديم "البيان الشامل السنوي مرفقًا لتقرير المدقق المالي إلى وزارة الداخليّة والبلديّات خلال المهلة التي تحددها الوزارة" كما أنّ "يخضع هذا البيان لرقابة شكليّة وإجرائيّة من قبل الوزارة للتأكد من استكماله للبيانات المطلوبة دون التدخل في الخيارات السياسيّة أو أوجه الإنفاق".
كما ينص الاقتراح على أن تلتزم الأحزاب بفتح حسابات مصرفيّة لدى المصارف العامة في لبنان تسجّل فيها جميع الإيرادات والنفقات، والتزام الأحزاب بمسك سجلات مالية منظمة وشفافة وفق الأصول المحاسبية المعتمدة، كما تقديم الأحزاب بيانًا ماليًا سنويًا يوضح مصادر التمويل وأوجه الإنفاق وفقًا للنظام الذي تحدده الجهة المختصة، كما يخضع الاقتراح حسابات الأحزاب إلى تدقيق مالي دوري من قبل مدقق حسابات مستقل أو جهة يحددها القانون.
وينص الاقتراح في الفصل ثالث من الباب الخامس على أن تتولى وزارة الداخلية صلاحية متابعة التزام الأحزاب بالقواعد الماليّة المنصوص عليها في هذا القانون، كما أنّه يخضع المخالفات المالية لرقابة القضاء المختص وفقًا للأصول القانونية المرعيّة الإجراء ويلزم الأحزاب بتقديم جميع البيانات والمستندات الماليّة المطلوبة للجهات المختصة عند الاقتضاء.
بالإضافة إلى ما تقدّم، تحدد المادة 55 الجزاءات على المخالفات الماليّة، ففي حال مخالفة الحزب لأحكام القانون المتعلّقة بمالية الأحزاب أو في حال قدّم بيانات غير صحيحة أو ناقصة، يمكن لوزارة الداخلية إرسال تنبيه خطي للحزب، أو تعليق صرف أي مخصصات أو تسهيلات قانونية ممنوحة للحزب إن وجدت إلى حين تسوية المخالفة، ويعود للقضاء مصادرة قيمة التمويل الخارجي الذي تلقاه الحزب مع فرض غرامة ماليّة تعادل القيمة، كما يعود له فرض غرامة مالية تتراوح من عشرة أضعاف إلى مئة ضعف الحد الأدنى الرسمي للأجور.
ويغيب عن الاقتراح كليا مسألة بالغة الأهمية تتعلق بالتمويل الرسمي للأحزاب. فقد تم الاعتراف في غالبية الدول الديمقراطية الحديثة بأهمية الأحزاب في الحياة السياسية لا بل أن ذلك جرى تكريسه في دساتير بعض الدول كالمادة الرابعة من دستور الجمهورية الخامسة الفرنسية (1958) التي تعلن أن الأحزاب السياسية تشارك في الاقتراع والتعبير عن الرأي العام في ظل احترام المبادئ الديمقراطية والسيادة الوطنية. لذلك نصّ القانون الفرنسي على إيجاد تمويل رسمي للأحزاب التي تتمكن من الحصول على نسبة معينة من الأصوات وتلك التي تحظى بتمثيل في البرلمان، ما من شأنه تعزيز الولاء لمنطق الدولة وتشجيع الأحزاب على التمسك بهذا المنطق بدل نسج ارتباطات خارجية لن تؤدي في نهاية المطاف إلا مفاقمة الإنقسام الداخلي.
وإذا كان التمويل الرسمي ينطلق من الإقرار بأن الديمقراطية الحديثة لا وجود لها من دون الأحزاب ما يفرض تدخل الدولة لمساعدتها لا سيما الأحزاب الناشئة منها، لكن هذا المبدأ يصطدم في لبنان بطبيعة أحزاب السلطة المهيمنة على المجتمع ومؤسسات الدولة إذ هل يعقل أن تحصل هذه الأحزاب الزبائية على تمويل رسمي وهي التي تمكنت من وضع يدها على مقدرات اللبنانيين وسخرت لخدمتها المرافق العامة؟ فكل تمويل رسمي لا يمكن أن يتم قبل تأمين التحوّل الديمقراطي لتلك الأحزاب، وهو موضوع إشكالي سنعالجه في القسم الأخير من هذا المقال.
ومن المفيد في هذا الإطار التنبه إلى أنّ إخضاع ماليّة الأحزاب إلى المراقبة المحاسبيّة لا يغني عن إخضاع أعضاء الحزب أيضا الذين يتولّون مسؤوليّات فيه للمراقبة الماليّة على حساباتهم. وبالتالي، لا بدّ من توسيع موجب التصريح عن الذمة الماليّة المكرس في القانون رقم 189 الصادرة سنة 2020 حول الإثراء غير المشروع. فالقانون الحالي يفرض على النواب والوزراء (الذين قد ينتمون إلى أحزاب معينة) التقدم بالتصريح عن الذمة المالية والمصالح العائدة لهم، لكنه لا يشمل رؤساء الأحزاب مثلا بموجب التصريح. فهل يعقل أن يقوم وزير ممثل لحزب ما بالتصريح عن أمواله، بينما رئيس حزبه، في حال لم يكن وزيرا أو نائبا، غير ملزم بالتصريح. لذلك كان على الاقتراع أن يخص بالذكر رؤساء الأحزاب أو أعضاء لجنته المركزية كي يخضعهم لموجب التصريح أيضا.
ولا شكّ أن العبرة تكمن في القدرة على تطبيق هذه الأحكام ومدى جدية أحزاب السلطة في تنظيم نفسها والحدّ من الفوضى الراهنة التي تسمح لهم بالتحرر من كل رقابة.
إرساء الممارسة الديمقراطيّة داخل الأحزاب
يتضمّن الاقتراح بابًا رابعًا حول "التنظيم الداخلي للأحزاب"، أولى مواده تتعلّق ب "الممارسة الديمقراطيّة الداخليّة"، حيث تنصّ أنّه "يقوم التنظيم الداخلي للأحزاب السياسيّة على مبدأ الديمقراطيّة الداخليّة، بما يتضمّن مشاركة الأعضاء في اتخاذ القرار واحترام قواعد التمثيل داخل الحزب (المادة 33). ويلزم الاقتراح أيضًا الأحزاب السياسيّة "باعتماد مبدأ التداول الدوري للمسؤوليات داخل هيئاتها القياديّة، بما يكفل تجديد الحياة الحزبيّة، ويمنع احتكار المواقع التنظيميّة أو القياديّة، وفقًا لما ينظمه النظام الأساسي لكلّ حزب".
وينظم هذا الباب الرابع من الاقتراح مسألة الهيئات الحزبيّة فينص على تعريف للمؤتمر العام للحزب، على أنّه يتألف من ممثلين منتخبين ويرسم التوجهات العامة للحزب وغيرها من المسؤوليات التنظيميّة، فيما تتولى الهيئة التقريريّة رسم السياسات العامة وإقرار التوجهات الأساسيّة واتخاذ القرارات التنظيميّة الكبرى، أمّا الهيئة التنفيذيّة تكون السلطة الحزبيّة المسؤولة عن تنفيذ قرارات الهيئة التقريريّة وإدارة شؤون الحزب السياسيّة والتنظيميّة والإداريّة والماليّة اليوميّة، ضمن حدود النظام الأساسي وقرارات الهيئة التقريريّة.
ولا بدّ من قراءة هذا الباب الرابع على ضوء ما ورد في الفصل الثاني من الباب الثالث حول العضويّة في الحزب، الذي نصّ على حقوق العضو وهي على سبيل المثال حق انتخاب الهيئات القياديّة والترشح لها وفقًا للشروط المحددة في النظام الأساسي، وحق إبداء الرأي والمشاركة في صنع القرار الحزبي ضمن الأطر التنظيميّة وحق تقديم الاقتراحات والاعتراضات ضمن القنوات التنظيميّة. وتكوّن هذه النصوص من الاقتراح ركيزة العمل الديمقراطي داخل الأحزاب ما يفترض به أن يضمن تداولًا للسلطة في داخلها.
ولا شك أن مسألة الديمقراطية داخل الأحزاب هي أهم تحدي يواجه النظام اللبناني القائم على مجموعة من أحزاب الزعماء الذين لا تعكس سيرتهم السياسية أي احترام فعلي للتعددية وللمبادئ الديمقراطية لا بل قام البعض منهم بقمع معارضيه وتحويل الحزب إلى وسيلة عائلية لتكريث التوريث السياسي أو أداة زبائنية للهينمة على المجتمع وربط المواطنين بشخصه. لذلك سنعمد إلى مناقشة هذه التفاصيل وأهميتها في القسم الأخير المخصص للمبادئ الديمقراطية والقيود على حرية الرأي نظرا لأهميتها القصوى.
الشروط الجغرافيّة في تأسيس الأحزاب : مكسب ديمقراطي أم عائق في وجه حريّة تأليف الأحزاب ؟
في مذكراته الصادرة حديثًا، يقول الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط وبشيء من الفخر أن اللجنة المركزية الجديدة للحزب برئاسة نجله تيمور جنبلاط باتت تضمّ أربع سيّدات، مسيحيتين ودرزيتين، مضيفا "نحن الحزب الوحيد في لبنان الذي استطاع تطبيق تمثيل نسائيّ بقدر الثلث في حاكميّته. من بين أعضاء اللجنة المركزية، هنالك شيعيَّيْن، أربعة مسيحيين وسنيَّيْن، من أجل إعادة التوازن الطائفي الذي كان غاية والدي، ولو كانت أغلبيّة المنتمين إلى الحزب التقدمي الاشتراكي من الدروز"[1].
يعكس هذا الكلام فلسفة الاقتراح الذي تقدّم به نائب كتلة التقدمي الاشتراكي بلال عبد الله، الذي ينصّ في مادته التاسعة على التالي: "تلتزم الأحزاب السياسيّة بأن يكون لها حضور وتنظيم فعلي في جميع المحافظات اللبنانية عند التأسيس، وأن تعمل على تعزيز انتشارها على كامل الأراضي اللبنانية، بما يكرّس طابعها الوطني الجامع، كما تراعي في بنيتها التنظيميّة وهيئاتها المختلفة مبدأ التنوع الوطني بما يعكس مختلف مكونات المجتمع اللبناني دون تمييز أو إقصاء". كما تنص المادة الخامسة المعنونة "الطابع الوطني للحزب" أن على الحزب "أن يعمل على تعزيز المشاركة الوطنيّة والتنوع داخل بنيته التنظيميّة وهيئاته المختلفة".
ولا شكّ أنّ هذه المبادئ الحميدة التي ينص عليها الاقتراح قد تحمل في طيّاتها نتائج ستنعكس سلبًا على حرية إنشاء الأحزاب الجديدة في لبنان على اعتبار أنّ نصّ هذه المواد ملزم للأحزاب الناشئة التي باتت مرغمة على مراعاة التنوع الطائفي والمناطقي داخلها.
ينص الاقتراح على إلزام الأحزاب الجديدة بأن يكون لها "حضور وتنظيم في جميع المحافظات اللبنانيّة" وذلك "عند التأسيس" يضعها أمام صعوبات ماديّة وتنظيميّة قد تعجز عن تخطيها. وبالرغم من جواز المطالبة بأن يكون للأحزاب السياسيّة في لبنان انتشارًا واسعًا لتفادي حصرها بمنطقة أو فئة واحدة، وبالتالي أن يكون مشروعها السياسي شاملًا لكلّ اللبنانيين على مختلف مناطقهم وانتماءاتهم، إلّا أنّ هذا الإلزام للأحزاب يعاكس الطابع الليبرالي لتأسيس الأحزاب والجمعيات في لبنان، الذي لا يحدّه إلّا احترام النظام العام وسيادة الدولة ومؤسّساتها الدستورية.
بذلك يكون الاقتراح الحالي قريبًا إلى حدّ ما من قوانين الأحزاب السائدة في دول مثل المغرب مثلًا، بحيث تنصّ المادة 6 من قانون الأحزاب الصادر عام 2023 فيه على أن يكون الأعضاء المؤسّسون "موزعين بحسب مقرّات إقامتهم الفعلية على ثلثي عدد جهات المملكة على الأقل". أمّا القانون السوري للأحزاب الصادر في أيّام النظام السابق فكان يشترط في المادة 12 على الأحزاب "أن يصل الحد الأدنى لعدد الأعضاء في الحزب إلى /1000/ عضو وأن يكونوا من المسجلين في سجلات الأحوال المدنية لنصف محافظات الجمهورية العربية السورية على الأقل على ألا تقل نسبة الأعضاء في كل محافظة عن 5 بالمئة من مجموع الأعضاء." أمّا المادة 11 من قانون الأحزاب العراقي رقم 36 الصادر سنة 2015 تنص على أن ترفق لائحة الأعضاء المؤسسين للحزب بقائمة مما لا يقلّ عن 2000 عضو "من مختلف المحافظات".
في هذا الإطار، فإنّ التدابير المتخذة في قيادة الحزب التقدمي الاشتراكي والتي تكلّم عنها وليد جنبلاط في مذكراته، والأهداف التي يسعى إليها الاقتراح من خلال التنوع الذي يطلبه في الأحزاب، قد يغدو أيضًا واجهة برّاقة أو تجميلا شكليا صرفا لصورة الأحزاب التي ستحاول التكيّف مع متطلّبات القانون من دون أن تغيّر فعليًّا في رؤيتها وأساليبها في ممارسة السياسة. وهنا يجدر التساؤل إذا كان إدخال عناصر غير درزيّة إلى كنف الحزب التقدمي الاشتراكي وقيادته سيؤثّر على الطابع العام الطائفي للحزب وعلى قاعدته التمثيليّة كون الحزب يجد مشروعيته في تمثيل الدروز والتكلم باسمهم.
والسؤال نفسه يطرح بالنسبة لجميع أحزاب السلطة في لبنان التي باتت اليوم طائفية بشكل فاقع إذ ينحصر اهتمامها بادعاء تمثيل طائفة معينة لا بل أحيانا احتكار هذا التمثيل لدرجة المماهاة بين الطائفة والحزب. فهل إدخال مثلا عناصر غير شيعيّة إلى حركة أمل سيغيّر من طبيعة هذا الحزب وممارساته الزبائنيّة تجاه أبناء الطائفة الشيعيّة في جنوب وبقاع لبنان وضاحية بيروت الجنوبيّة؟ أو ضم أفراد غير مسيحيين إلى قيادة حزب القوّات اللبنانيّة أو التيار الوطني الحر سيؤثّر على خطابهما المتمحور حول تمثيل المسيحيين والدفاع عن "حقوقهم"؟
كما تجدر الإشارة إلى أنّ المادة التاسعة من الاقتراح تتكلم عن حضور وتنظيم فعلي "في جميع المحافظات اللبنانيّة"، فهل انتشار حزب الكتائب اللبنانيّة المعروف في كافة المحافظات اللبنانيّة يعتبر تلبية لهذا الشرط ؟ ومن المعلوم أن انتشار حزب الكتائب مثلا هو بقدر انتشار المسيحيين، ما يبيّن أنّ انتشار حزب ما، وإن توسّع على كلّ المحافظات، وإن أدخل عليه بعض العناصر المتعددة طائفيًا، فهو قد يلبّي ظاهريًّا متطلبات الاقتراح مع ابقاء حقيقة الحزب الطائفية على حالها.
كذلك لا بد من التّساؤل حول مصير الأحزاب الحديثة أو الصغيرة في حال تمّ إرغامها على فتح مكاتب لها في مختلف المحافظات نظرا لضعف قدراتها المالية. فالاقتراح يستخدم تعبيرا مبهما إذ يكتفي بالقول بضرورة تمتع الحزب بحضور وتنظيم في جميع المحافظات، فهل يعني ذلك مجرد وجود منتسبين إلى الحزب من المحافظات أو أن الحضور والتنظيم يعني فتح مكاتب ووجود خلايا حزبية مع هرمية قائمة على التمييز بين المنتسبين والمناصرين. ولا شك أن هذا الإبهام يسمح بالحد من الحرية السياسية لأنه يفتح الباب للسلطة أمام التفسيرات الاعتباطية.
أمّا تقييد إنشاء الأحزاب بانتشار جغرافي بمراعاة "مبدأ التنوع الوطني" في البنية التنظيميّة للحزب وفي هيئاته سيطيح بإمكانيّة نشوء حالات عفويّة يتجمّع فيها الناخبون حول شخص ما حامل مشروع أو فكرة وتأسيس حزب ونموه بشكل طبيعي وتدريجي حتّى وصوله إلى حدّ الانتشار على مدى الأراضي اللبنانيّة كافّة. سيكون بالتالي من الصعب نشوء أحزاب صغيرة تصبو إلى النمو بوتيرة طبيعيّة، بل إن ضرورة الحضور الفعلي في جميع المحافظات منذ التأسيس، مع غموض مسألة "الحضور الفعلي" التي يطلبها الاقتراح، سيصبّ في مصلحة الأحزاب الحاليّة والزعماء الحاليين، الذين يملكون مقدّرات ماليّة وبشريّة تمكّنهم من تلبية شروط هذا الاقتراح بسهولة أكبر، ولو كان ذلك ظاهريًّا من أجل ضمان الوجود القانوني لحزبهم.
إشكالية الحدود على الحريات السياسية في النظام الديمقراطي
لا شكّ أن الاقتراح يطرح إشكاليّة فلسفية كبرى من دون أن يعي ذلك تماما تتعلق بالصراع العقائدي داخل النظام الديمقراطي والحدود التي يمكن فرضها على الحريات السياسية. فالمادة الثالثة من الاقتراح تنصّ على أنّ الأحزاب ملزمة باحترام مبدأ "وحدة الدولة وسيادتها"، وفي المادة الرابعة تظهر مسألة "مبادئ العيش المشترك" التي على الأحزاب أيضًا صونها وعدم الخروج عنها. أمّا المادة الخامسة، فتحتم على الأحزاب أن يكون لها "طابع وطني جامع". فيما المادة الثامنة تمنع على الأحزاب "تحويل الانتماءات الدينية أو المذهبية أو المناطقية أو العائلية إلى أساس في نشاطها السياسي أو برامجها أو خطابها العام، كما تمتنع عن أي ممارسة من شأنها تكريس أي نوع من الانقسام أو تعميقه في الحياة السياسية".
إنّ هذه النصوص تثير مجموعة من التساؤلات التي لا بدّ من مواجهتها، أوّلًا بسبب طابعها الفضفاض، إذ إنّ "مبادئ العيش المشترك" مثلًا مسألة غير واضحة المعالم البتّة لا بل هي من أكثر العبارات المبهمة المستخدمة في الخطاب العام من قبل أحزاب السلطة من أجل تغطية ممارسات سياسيّة تعطيليّة أو زبائنيّة بذريعة الدفاع عن مصالح فئة بمواجهة فئة أخرى أو حتّى للتلويح بالاقتتال الداخلي في حال تم التعرض "لمبادئ العيش المشترك". بالتالي، إنّ تضمين القانون هذا التعبير سيؤدّي في بادئ الأمر إلى إعطاء السلطة السياسيّة ممثّلة بالحكومة ووزارة الداخلية هامشا من الحركة في استنباط تفسيرات وتأويلات قد تحدّ من حريّة تكوين الأحزاب من خلال تهديدها بعدم إعطائها العلم والخبر، لا سيما إذا تم حصر العيش المشترك في الطوائف كما يحصل في لبنان، بدل توسيع هذا المفهوم كي يشمل المواطنين الذين لا يريدون تصنيف أنفسهم ضمن تلك الطوائف.
من جهة ثانية، أنّ التفسيرات الممكنة والمتعددة لمبادئ العيش المشترك قد تستخدم من أجل الحدّ من حرية تأليف مجموعة كبيرة من الأحزاب لديها توجهات دستورية أو عقائدية مختلفة. فإذا نشأ حزب مثلا يهدف إلى إقرار قانون انتخابات نيابيّة بحيث ينتخب كل نائب من المواطنين الذين ينتمون إلى طائفته فقط، كقانون اللقاء الأرثوذكسي، فهل هذه مخالفة للعيش المشترك؟ كذلك إذا أرادت أحزاب معينة إلغاء التمثيل الطائفي برمته واعتماد الديمقراطية العددية التي تقوم على حكم الأكثرية، هل يشكل هذا الهدف مخالفة للعيش المشترك؟
في مكان آخر، يتحدث الاقتراح عن امتناع الأحزاب عن أيّ نشاط من شأنه تكريس "أي نوع من الانقسام أو تعميقه في الحياة السياسيّة". فالحياة السياسية بوصفها صراعا بين الأفكار والمصالح هي بحد ذاتها من تجليات الانقسام الطبيعي الذي يوجد بين البشر في المسائل السياسية التي لا تقبل الحقيقة المطلقة. فما المقصود في الحالة هذه بمنع تكريس الانقسام في الحياة السياسية، وهل أصلا يمكن للحياة السياسية أن توجد خارج الصراع الفكري بين المبادئ المتعارضة؟ فالانقسام طبيعي كنتيجة لحرية الرأي، لكن ضابطه هو احترام القانون والتعبير عن هذا الانقسام عبر وسائل ديمقراطية من دون التحريض أو الحض على الكراهية أو العنف أو التمييز العنصري.
والاقتراح يتنبه لتلك المحاذير في المادة 26 منه التي تحظر على الأحزاب "استخدام العنف أو التحريض عليه أو التهديد به، أو إثارة النعرات الطائفية أو المذهبية أو العنصرية أو ما من شأنه الإخلال بالسلم الأهلي أو النظام العام". فهذه المادة تكفي لمنع أي نشاط من شأنه خلق حالة مضرة من الانقسام الداخلي بينما مجرد الحديث عن منع "تعميق الانقسام" لا يفي بالمطلوب نظرا لطبيعته العامة والمبهمة بحيث يسهل تفسيره بشكل اعتباطي.
أمّا بخصوص مبدأ "وحدة الدولة" المنصوص عليه أيضًا في الاقتراح فهل يقصد به عدم اقتطاع أجزاء من لبنان وضمّها إلى دول أخرى أو يقصد به الدولة الموحّدة غير المقسّمة إلى مقاطعات تتمتع باستقلالية ذاتية ضمن نظام فدرالي؟ إنّ هذا الغموض الذي يعتري النصّ قد يتضارب مع مساعي أيّ حزب حالي أو مستقبلي في طرح مشروع لا مركزيّة موسّعة أو حتّى فيديراليّة . فالمطالبة بتبني النظام الفدرالي مثلا أمر مشروع ويدخل ضمن حرية التعبير عن الرأي ما دام الوصول إلى هذا الهدف سيتم عبر الوسائل الدستورية والمنافسة الديمقراطية.
لا بل أن الاقتراح يتكلم عن ضرورة احترام الأحزاب لاستقلال الدولة اللبنانية ووحدتها. فهل المقصود أن الحزب لا يحق له المناداة بضم لبنان مثلا إلى كيان قومي أوسع سواء كان هذا الكيان عربيا أو مشرقيا أو سوريا؟ فلبنان عرف خلال تاريخه الحديث أحزابا ايديولوجية تدافع عن القومية السورية أو العربية أو توجهات أخرى ترى في الصراع الطبقي العامل الأهم في العمل السياسي. لذلك لا يمكن منع تلك الأحزاب لأنها لا تعترف بالشرعية التاريخية للكيان اللبناني.
علاوة على ذلك يمكن القول أن إصرار الاقتراح على احترام الدستور يحتاج إلى توضيح لأن العمل من أجل تعديل الدستور هو حق سياسي مكفول طالما أن هذا التعديل سيتم بالوسائل الديمقراطية ووفقا للشروط التي وضعها الدستور نفسه حول كيفية تعديله. حتى نهائية الكيان اللبناني المكرسة في الفقرة "أ" من مقدمة الدستور لا يجب أن تشكل قيدا على حرية التعبير. فكما يشرح أحد أهم الفلاسفة السياسيين المعاصرين في العالم العربي ناصيف نصار، لا يحق للسلطة أن تسنّ قوانين تمنع القول برأي سياسي يرفض التسليم بالطابع النهائي للدولة التي ينتمي اليها قائله، إذ صحيح أن السلطة التشريعية مقيدة بالدستور، لكن الدستور "مقيّد بدوره بالمبادئ الأساسية للمجتمع الديمقراطي، ومن أهمها حرية الفكر والرأي السياسي وحق الديمقراطية في منع ما يناقضها فقط. فما دام الرأي الرافض للطابع النهائي للدولة يتعلق فقط بمصير الدولة مستقبلا، ويخضع للنظام الديمقراطي، فما هي الأسباب الموجبة لمنعه بالقانون والذهاب تبعا لذلك إلى تناقض في تطبيق الدستور؟ وبعد، ليس الدستور حاميا لحرية الفكر والرأي، ومحميّا من الوقوع تحت قبضتها، بل هو قابل لأن يكون موضوع لها، تتناوله بالتأييد والإشادة كما تتناوله بالنقد واقتراح التعديل والتبديل. ومن ثم يمكنها أن تطالبه بالحجج المسوغة للنصّ على نهائية الدولة التي هو دستور لها. كيف يتأتى أن يتكوّن في التاريخ شيء نهائي؟ وهل عرف التاريخ السياسي دولة استخلصت من عمرها الطويل أو القصير أنها نهائية؟ هل يحقّ للجيل الحاضر أن يفرض على الأجيال الآتية ما ستفعله بدولتها؟"[2].
ولا بدّ في هذا الإطار من التأكيد أنّ حقّ الشعوب في تقرير مصيرها يسبق منطقيا النظام الدستوري للدولة، فإذا كان قانون الأحزاب أو حتّى الدستور اللبناني يمنع المسّ ب"وحدة الدولة" على تعدد تفسيراتها، فإنّ الإرادة الشعبيّة إذا تظهّرت بطرق شفّافة وديمقراطيّة ونحت باتجاه إعادة النظر بنهائية الدولة أو طبيعتها الدستورية فلا بدّ من أن تحترم، إذ لا يعقل أن يكون الهدف من أي قانون للأحزاب منع بروز هذه الطروحات على الساحة السياسيّة اللبنانيّة.
لا بل أن الأمور التي يتخوّف منها الاقتراح توجد أصلا في قانون العقوبات الذي يعاقب الاعتداء "الذي يستهدف تغيير دستور الدولة بطرق غير مشروعة" (المادة 301)، أو سلخ جزء من الأراضي اللبنانية عن سيادة الدولة (المادة 302)، كذلك منع السلطات القائمة من ممارسة وظائفها المستمدة من الدستور (المادة 304)، وتسليح اللبنانيين ضد بعضهم البعض وحضهم على الاقتتال أو الحرب الأهلية (المادة 308) أو تشكيل عصابات مسلحة لاحتلال مناطق لبنانية أو الاعتداء على أملاك الدولة أو مقاومة القوة العامة (المادة 314)، أو تشكيل جمعيات تهدف إلى تغيير "كيان الدولة الاقتصادي والاجتماعي أو أوضاع المجتمع الأساسية" بالعنف (المادة 316).
ومن الظاهر أن الاقتراح يعاني من توتر نتيجة الإشكالية الكبرى التي يعبر عنها من دون أن يشرحها بشكل مباشر، وهي الإشكالية الفلسفية الأهم حول الحدود على حرية الرأي في النظم الديمقراطية. لا بل أن هذه الإشكالية تصبح أصعب في المجتمعات التعددية كلبنان حيث توجد أحزاب فئوية تهدف بشكل رئيسي إلى الدفاع عن طائفة معينة. وقد عبر الاقتراح عن ذلك في المادة الخامسة منه التي تنص على وجوب تمتع الحزب "بطابع وطني جامع، وألا يقوم في أهدافه أو برامجه أو نشاطه أو تنظيمه على أي تمييز بين المواطنين" بسبب الدين أو الجنس أو اللون.
وقد وجد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الحل لهذه المعضلة إذ اعتبر في المادة 19 أن القيود التي يمكن وضعها على الحق بحرية الرأي تنبع من الواجبات والمسؤوليات التي تترتب على هذا الحق وهي: "احترام حقوق الآخرين أو سمعتهم" و"حماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة". وأضافت المادة 20 منع الدعوة إلى الحرب أو إلى "الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف".
لذلك يمكن القول أن الحدود على الحريّة يمكن استنتاجها من ديباجة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي أشارت إلى أن الحقوق تنبثق " من كرامة الإنسان الأصيلة فيه" لكنها أضافت أيضا "أن على الفرد، الذي تترتب عليه واجبات إزاء الأفراد الآخرين وإزاء الجماعة التي ينتمي إليها، مسؤولية السعي إلى تعزيز ومراعاة الحقوق المعترف بها في هذا العهد".
وقد خلص الفيلسوف ناصيف نصار إلى أن "المرجعية الواضحة للقول في الحدود على حرية التفكير هي مرجعية أخلاقية، قوامها احترام الكرامة المتأصلة في الإنسان واحترام مقتضيات العيش المشترك. كل فرد له الحق في حرية التفكير، بما هي حرية اعتقاد ورأي وبحث ونقد وتعبير، مع واجب احترام كرامة الآخرين وحريتهم واحترام مقتضيات العيش المشترك معهم"[3]. لكن هذه المرجعية الأخلاقية تحتاج إلى مرجعية قانونية كي تحدد الإطار التطبيقي الذي يؤدي إلى احترام كرامة الإنسان من ضمن مقتضيات العيش المشترك، وهو عيش مشترك كما ذكرنا سابقا يختلف عن العيش المشترك الذي يهيمن على الخطاب السياسي اللبناني.
وهكذا يتبين، أن منع الأحزاب التي تجد أن شرعيتها تقوم على التمثيل الطائفي ليس أمرا يمكن التسليم به شريطة أن تكون تلك الأحزاب فعلا ديمقراطية وتحترم القيد المزدوج حول كرامة الإنسان والعيش المشترك. فالمجتمع اللبناني المتعدد طائفيًا هو حقيقة اجتماعيّة من الطبيعي أن ينتج عنه مبادرات سياسيّة قد تخصّ فئات معيّنة وطوائف معيّنة. بالتالي يجب أن تتركز الجهود على الحدّ من إمكانيّة انزلاق تلك الأحزاب إلى الزبائنيّة أو الالتحاق بمشاريع خارجيّة، وليس إلى محاولة قمع التنوع اللبناني عبر الإصرار على تشكيل أحزاب منتشرة على كافة أصقاع البلاد وممثلة لكافة فئاته بقوّة القانون، لا بالمبادرة الفرديّة والحريّة السياسيّة التي تصدر عن قناعة حقيقية.
لا شك أن هذه أهم نقطة التباس ينطوي عليها الاقتراح، وهو التباس غير بريء من الناحية السياسية كونه يريد القول أن المشكلة تكمن فقط في مبدأ التمثيل الطائفي بينما المشكلة الحقيقية هي في أن الأحزاب المهيمنة على الحياة السياسية اللبنانية هي غير ديمقراطية أصلا، وقد فرضت نفسها خلال الحرب الأهلية عبر العنف والتحريض واستمرت بعد انتهاء الحرب من خلال السيطرة على مؤسسات الدولة وتبني المحاصصة والزبائنية والاستفادة من حصانتها الطائفية لتبرير الفساد والسلاح والإفلات من العقاب، الأمر الذي لا يخالف الدستور فقط، لكن أيضا كرامة الإنسان والعيش المشترك بمعناه الواسع.
ولعل العودة إلى المرجعية السياسية للنائب بلال عبدالله هي أبرز شاهد على تلك الحقيقة. فقد قال وليد جنبلاط في مذكراته خلال مفاخرته بالإصلاحات التي يتم إدخالها على الحزب التقدمي الاشتراكي في عهد تيمور جنبلاط أنه تنازل عن رئاسة الحزب سنة 2017 لنجله تيمور كي يكمل إرث عائلة جنبلاط الممتد عبر قرون من الزمن. فعندما يتحول الحزب إلى مسألة عائلية (كحزب الكتائب والتيار الوطني الحر أيضا)، وعندما تغيب أي حياة ديمقراطية حقيقية داخل الحزب (هل يمكن لأحد أن يتخيل أن يخسر نبيه بري الانتخابات لرئاسة حركة أمل) لا تصبح المشكلة متعلقة بالتمثيل الطائفي للحزب، لكن بمدى ديمقراطية هذا الحزب أو حتى بجواز استخدام المفهوم الحديث للحزب السياسي على تكتلات زبائية سلطوية أو ميليشياوية لا تمت بصلة للنظام الديمقراطي حيث تتنافس الأحزاب من ضمن نظام سياسي قائم على السيادة الشعبية وتداول السلطة وفقا للدستور.
في المحصلة، على الأحزاب التي تدعي التنافس الحر ضمن المجتمع الديمقراطي أن تعلم أن السلطة التي تحكم هذا الأخير هي ملزمة بثلاثة مبادئ: "السيادة الشعبية، والحرية الفردية، والمساواة بين المواطنين"[4]. فالسيادة الشعبية تعني رفض ارتهان الحزب إلى الخارج أو حل الخلافات عبر الاحتكام إلى السلاح كما عدم القبول بفرض أي مبادئ دينية أو ايديولوجية على الدولة لأن مصدر السلطة هو زمني لا يعترف بقيود ماورائية على حرية الشعب. والحرية الفردية تمنع على الأحزاب مصادرة حرية الإنسان باسم حقوق الجماعة فوجود الطوائف لا يعني انسحاق الفرد وحرمانه من حرية المعتقد والرأي. أما المساواة فهي تفرض على الأحزاب الاعتراف بأن الحقوق السياسية لا يجب أن تقتصر على من يتمسك بهويته الطائفية، بل يجب أن تشمل أيضا كل المواطنين الذين لا انتماء طائفي لديهم، أو يرفضون الإعلان عن هذا الانتماء في علاقتهم مع الدولة. فالمساواة تتحقق عبر توسيع هامش الحرية لدى المواطنين وليس عبر الاكتفاء بذم الطائفية من دون شرح ما المقصود بالطائفية بحيث يصبح أي مراعاة للتمثيل الطائفي والمشاركة مشمولا بهذا الذم.
في الخلاصة، يمكن القول أن هذا الاقتراح يتضمن إيجابيات عديدة لعل أهمها ارساء مبادئ تعزز من الحياة الديمقراطية داخل الأحزاب ومن شفافيتها عبر وضع قواعد حول تمويلها. كذلك يمنع الاقتراح أي نوع من التمييز على أساس عرقي أو ديني أو مناطقي بين مختلف المنضوين في كنف الأحزاب، ويدين استخدام السلاح والعنف والتحريض، كذلك يعلن ضرورة احترام الأحزاب للتعددية وللمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان والتداول السلمي للسلطة. لكن هذا الأمر لا يمنع من ضرورة التنبيه إلى أن إضافة شروط على إنشاء الأحزاب قد يؤدّى في نهاية المطاف إلى معاكسة النفحة الليبراليّة الموجودة في قانون الجمعيّات النافذ اليوم، وقد يهدّد الحريّة السياسيّة للمواطنين في حال تم التوسع في تفسير تلك الشروط كما تم شرحه أعلاه.
بالتالي، لا يجب أن يكون الاقتراح مسكونا بهاجس وجود أحزاب طائفية، لكن بمدى ديمقراطية تلك الأحزاب التي تريد أن تعطي صورة لنفسها كالمدافعة عن حقوق طوائف معينة. فالفساد واستخدام السلاح والعنف، أو تحريض فئات المجتمع على بعضها البعض، أو الارتهان إلى الخارج تمويلا أو تسليحا، هي جميعها ممارسات تخرج عن العمل السياسي الديمقراطي السلمي، وتدخل في عداد الجرائم التي يمنعها أصلا قانون العقوبات. فوجود تنوع طائفي شكلي لا معنى له في حال استمرت أحزاب السلطة في لبنان على النهج نفسه القائم على التحريض والزبائنية والتهديد. لذلك فإن الهدف الرئيسي من أي قانون للأحزاب يجب أن يكون ضمان الديمقراطية داخل الحزب كشرط لحماية النظام الديمقراطي في المجتمع أولا ومن ثم وضع ضوابط قانونية على السلطة السياسية من أجل احترام الحريات الدستورية التي تعتبر الأحزاب السياسية أبرز تجلياتها. فإذا كانت الديمقراطية مهددة في حال تمتعت الدولة بالقدرة على قمع الأحزاب التي لا توافق على مشروعها السياسي، لكنها قد تصبح مهددة أيضا من قبل الأحزاب نفسها عندما تتحوّل هذه الأخيرة إلى أداة بيد أمراء الحرب والمليشيات لإضفاء شرعية قانونية شكلية على مصالحهم السلطوية.