من اعتصام للعسكريين المتقاعدين في ساحة رياض الصلح

اقتراح لإعفاء العسكريين من رسوم الانتقال: حلّ وهمي لأزمة الرواتب

حلا نجّار

13/06/2026

انشر المقال

تقدّم نواب كتلة لبنان القوي وهم النواب جبران باسيل، أسعد درغام، سليم عون، شربل مارون وسامر التوم بتاريخ 27 تشرين الثاني 2025 باقتراح قانون يرمي إلى منح إعفاءات للعسكريين في الخدمة الفعلية وللمتقاعدين في الأجهزة الأمنية كافة من الرسوم المتعلقة بمعاملات "انتقال الملكية العقارية أيا كان نوعها" والرسوم العقارية والبلدية والرسوم على المحررات والمستندات اللازمة لإتمام معاملات الانتقال العقاري لدى البلديات والدوائر العقارية. تفصيلًا، يعمد الاقتراح إلى تخفيض جميع الرسوم والضرائب المنصوص عنها في الاقتراح، والمرتبطة بانتقال الملكية العقارية بنسبة 75% لمدة ثلاث سنوات، للعسكريين العاملين والمتقاعدين وعائلات الشهداء.

تبرّر الأسباب الموجبة تقديمه بوجوب تقدير التضحيات التي يقدّمها العسكريون في الخدمة الفعلية وقدّمها المتقاعدون منهم في سبيل حماية الوطن والحفاظ على أمنه واستقراره، وفي ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي أثرت على قدرتهم الشرائية ومستوى معيشتهم. بالتالي، يهدف إلى توفير دعم اجتماعي وسكني لهذه الفئة من خلال تخفيف الأعباء المالية المترتّبة على تملّك العقارات ونقل ملكيتها، بما يسهم في تعزيز استقرارهم المعيشي وتأمين سكن لائق لهم ولأسرهم.

 

وعليه، نبدي الملاحظات التالية:

من الإيجابي أن يسعى الاقتراح إلى تعزيز الاستقرار السكني والاجتماعي للعسكريين في الخدمة الفعلية والمتقاعدين منهم وعائلات الشهداء عبر تخفيف الأعباء المالية المرتبطة بتملّك العقارات ونقل ملكيتها، لا سيما أنه يحدّد المستفيدين وآلية الاستفادة بصورة واضحة نسبيًا. إلا أنه لا يتضمن ضوابط رقابية كافية لمنع إساءة استخدام الإعفاءات أو التحايل من خلال تسجيل العقارات بأسماء المستفيدين بصورة شكلية للاستفادة من التخفيضات الممنوحة، لا سيما وأن المادة الرابعة من الاقتراح تفرض على الدوائر العقارية والبلديات بتطبيق الإعفاء فور تقديم المستندات المطلوبة "من دون الحاجة لأي موافقة إضافية".

كذلك، لا يضع الاقتراح سقفًا لقيمة العقار المشمول بالتخفيض، ولا يحدّد عدد مرات الاستفادة بالنسبة للعسكريين الأحياء، الأمر الذي قد يؤدي إلى استفادة غير متوازنة بين أصحاب الدخل المحدود ومالكي العقارات ذات القيمة المرتفعة، بما يبتعد عن الهدف الاجتماعي المرجو منه. 

من جهة أخرى، يخلو الاقتراح من أي دراسة للأثر المالي المتوقع على الخزينة العامة، ما يجعل من الصعب تقدير حجم الإيرادات التي قد تُفقد نتيجة تطبيقه أو تقييم مدى قدرة الجهات المعنية على استيعاب هذه الخسارة من دون مصادر تمويل أو تعويض بديلة. 

يمكن القول أن هذا الاقتراح يندرج ضمن مساعي دعم العسكريين في الخدمة الفعلية والمتقاعدين منهم في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة والسكن، وهو هدف مشروع لكن الوسيلة التي يعتمدها الاقتراح تثير إشكاليات متعددة. فمن جهة أولى يمكن القول أن الإعفاءات الضريبية والرسوم المخفضة تبقى معالجة هامشية لتداعيات الأزمة الاقتصادية التي يرزح تحتها غالبية المواطنين، إذ لا تعالج السبب الأساسي المتمثّل بتآكل الرواتب والمعاشات التقاعدية وفقدانها جزءًا كبيرًا من قيمتها الفعلية. ومن جهة ثانية، يؤدي الاقتراح إلى خرق مبدأ المساواة بين جميع الموظفين في القطاع العام الذين يعانون من الأزمة الاجتماعية ذاتها، إذ لا يمكن تبرير حصر هذه "الإعفاءات" بالعسكريين ومنحهم امتيازات ظرفية على حساب الخزينة العامة.

في الخلاصة، يكرّس هذا الاقتراح النهج المعتمد في تبني حلول ترقيعية هدفها الحقيقي خدمة المصالح السياسية للجهة التي تقف خلفه عبر تصوير نفسها كالحريصة على حقوق العسكريين، من دون تقديم أي حلّ حقيقي ومستدام يكفل حقوق جميع المواطنين، ولا يجعل منهم رهينة الإعفاءات الظرفية التي لا تضرّ فقط بموارد الدولة، لكنها أيضا تشكل معالجة وهمية لأزمة أخطر بكثير من "الحل" الذي يستسهل الاقتراح تبنيه.