رسم رائد شرف
ملاحظات حول صيغة اللجان المشتركة حول العفو العام: مبرّرات هزيلة لعفوٍ شبه شامل
08/06/2026
أنهت اللجان المشتركة في تاريخ 19 أيار 2026 درس الاقتراح الذي قدّمته كتلة الاعتدال في نيسان من السنة نفسها. وإذ حافظت اللجان على بنيان الاقتراح، فإنها عدّلت مضمونه بصورةٍ محسوسة كما أعادت صياغة أسبابه الموجبة ضمن الروحيّة نفسها. وقد انتهت اللجان إلى صياغة توافقيّة بعد مساوماتٍ عدّة حول مضمونه، وخصوصا في الشق المتّصل بتخفيض العقوبات عن الجرائم المستثناة من العفو العامّ. وسرعان ما اتّضح أنّ موضوع هذه المُساومات ليس مسائل مبدئيّة إنّما الأثر العمليّ لما ينتج عنها من توافقات ولا سيما لجهة الإفراج عن جميع الموقوفين والمحكومين الإسلاميّين. وفيما دعا رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى جلسة تشريعية للنظر في 27 بندا تشريعيا منها هذا الاقتراح يوم 21 أيار، فإنه عاد وألغى الجلسة على خليفة تحرّكات الشارع اعتراضا عليه، بعدما فهم أنه لا يؤدّي المطلوب لجهة الإفراج عن جميع هؤلاء.
وبمعزل عن هذه المسألة التي تحوّلت إلى ما يشبه كباشًا سياسيًّا، يبقى أنّ الصيغة المُنجزة تطرح إشكالاتٍ مبدئيّة كبرى. ففي حين ترتكز الأسباب الموجبة على الخلل الحاصل خلال السّنوات المنصرمة في المرفق القضائيّ وإدارة السجون وما تسبّبا به من طول محاكمة وطول آماد التوقيف الاحتياطيّ، جاء العفو العامّ ليشمل ليس فقط المخالفات أو الجنح البسيطة، إنما مجمل الجنح والجنايات إلا ما استثناه صراحةً، ومنها جرائم لم يتحرّك بشأنها القضاء أصلا أو لم يتوقف المشتبه بها أو المدعى عليهم فيها إلا أياما معدودة (جرائم احتكار المواد المدعومة مثلا). وعليه، بدا أن ثمة تفاوتًا بين الأسباب الموجبة للاقتراح ومضمونه، وهو تفاوت يظهر منح العفو وكأنه امتياز غير مبرّر، ممّا يُلقي ظلالًا كثيفة على دستوريّته. وما يزيد من قابليّة الاقتراح للانتقاد هو تمسّكه بمبدئيّة العفو العامّ مع ما يستتبع ذلك لجهة قلب القاعدة الدستورية التي تقوم على تطبيق القانون على الجميع، في اتّجاه تحويل المحاسبة إلى استثناء. وما فاقم من ذلك أيضًا فأيضًا، الصياغة الملتبسة والمبهمة للجرائم المستثناة من العفو العام على نحو يشرّع أبوابًا واسعةً أمام المنازعة حول الجرائم المستثناة فعليًّا.
الأسباب الموجبة المُعلنة لا تبرّر التضحية بحقوق المجتمع
بمراجعة الأسباب المُوجبة لاقتراح القانون، يتبدّى كما سبق بيانه أنها تنحصر في الخلل الحاصل في المرفق القضائي وفي إدارة السجون. فقد وردتْ إشارات متكرّرة إلى "التأخير المزمن في إصدار الأحكام" و"الأزمات المتلاحقة التي طالت مرفقي القضاء وإدارة السجون وأفضت إلى أزمة إنسانية حادّة" و"الإضرابات والاعتكافات التي طالت الجسم القضائي" و"تعذّر سوق الموقوفين إلى جلسات المحاكمة". فإذا تمّ سرد كل ذلك، انتهت الأسباب الموجبة إلى وجوب إقرار العفو العامّ طالما "أن العدالة المتأخرة تفقد معناها العملي" و"أن العدالة الناجزة هي وحدها العدالة الفعلية". بالمقابل، خلتْ الأسباب الموجبة من مجمل الأسباب الحاضرة بقوة في الإعلام، ومنها انعدام شروط المحاكمة العادلة أمام القضاء العسكري أو انتهاج التعذيب أو التدخّلات السياسيّة في القضاء أو أيّ أسبابٍ اجتماعيّة أو سياسية أو اقتصادية أخرى.
ومن دون التقليل من تداعيات تعطيل المرفق العامّ على المتّهمين ومنها إطالة أمد التوقيف الاحتياطي، يبقى أن إثارة حجّة "العدالة المتأخّرة" إنما هو حقّ يراد منه باطل. إذ أن هذه الحجة تُثار بشكل خاصّ في سياق الحديث عن حقوق الضحايا الذين يتعيّن عليهم غالبًا انتظار سنوات قبل نيل العدالة وبهدف تعجيل إجراءات المحاكمة، فيما أنّ الأسباب الموجبة تناولتها هنا من أجل تعميم العفو العامّ من دون إيلاء أيّ اهتمام لضمان الحقوق الشخصية للضّحايا. وكان من الأحرى بالمبادرة التشريعيّة على العكس من ذلك أن ترى أنّ تكديس الملفّات خلال السنوات الماضية إنّما يُعيق عمل القضاء ويتسبّب بمزيدٍ من التأخير، مما يفرض على المشرّع أن يتدخّل لتخفيف عبء هذه الملفّات فلا تتشتّت جهوده بل تنحصر في القضايا الأكثر خطورة.
وعليه، من شأن الخلل في المرفق القضائي أو السجني أن يبرّر منح العفو العامّ فقط للجرائم الأقلّ أهميّة أي المخالفات والجنح البسيطة كما أن يبرر وضع سقوف للتوقيف الاحتياطي في الجرائم المُستثناة حاليا من سقوف المادة 108 من قانون المحاكمات الجزائية. بالمقابل، تبقى هذه الأسباب قاصرةً عن تبرير منح العفو العامّ لأيٍّ من الجنح الخطيرة أو الجنايات، حيث تبقى الأولويّة بالنظر إلى أهميّتها لحقوق المجتمع والضحايا، ويخشى أن يؤدّي شملها ضمن العفو بحجّة تأخير النّظر فيها إلى تعميم الإفلات من العقاب ومعه الفوضى. وفيما كان يُنتظر هنا أن يدعّم المشرّع أسبابَه المُوجبَة بنشر أرقام المحاكم عن عدد الملفّات العالقة وطبيعتها والاختناق الذي تتسبّب به، آثرت اللجان المشتركة عدم الخوض في هذه الأرقام، مكتفية بتحميل السلطة التنفيذية مسؤولية وضع "سياسة عامة واضحة ... ترمي إلى تفعيل المحاكمات وإصلاح أوضاع السجون وأماكن التوقيف وإعادة تأهيلها وفق معايير إنسانيّة وقانونيّة ضمن خطّة زمنية محددة".
التمسّك بمبدئيّة العفو العامّ الشامل
ثاني ما نلحظه هو تمسك اللجان المشتركة بمبدئيّة العفو العامّ. وهذا ما نقرأه في المادة الأولى من الاقتراح حيث شمل العفو جميع الجرائم إلا ما استثني صراحة من القانون. وكانت اللجان المُشتركة قد حسمتْ هذا الخيار بغالبيّة أصوات النواب، بعدما وعد نائب رئيس المجلس الياس بو صعب (وهو الذي يرأس اجتماعات اللجان المشتركة بغياب رئيس المجلس) أن يعوض على ذلك بتوسيع الاستثناءات الواردة في القانون.
وهذا أمر يبقى غير دستوري، طالما أنه يؤدّي إلى قلب القاعدة الدستوريّة التي تقوم على مبدئيّة المحاسبة، وقوامها وجوب تطبيق القانون على الجميع عملا بمبدأ المساواة أمامه، ولا يكون خلاف ذلك إلا استثنائيّا وعند توفر مبررات معقولة. أما وأن مبدئيّة العفو العامّ قد تقررت، فإنّ ذلك سيؤدّي حكمًا إلى منح العفو العامّ لجرائم كثيرة منها جنايات خطيرة بمجرّد أنه لم يتمّ استثناؤها صراحةً، وحتى من دون الإعلان عن ذلك. وما يزيد من قابلية الأمر للانتقاد هو أنّ العديد من الاستثناءات قد وردت بصورةٍ مبهمة وغامضة كما نبيّن أدناه، الأمر الذي يؤدّي إلى تمكين أيّ مدعى عليه من استغلال هذا الإبهام لادّعاء استفادته من مبدئيّة العفو العامّ وتاليا إغراق قضيته في متاهة الدفوع الشكلية لسنوات طويلة.
وبذلك يكون الاقتراح قد ذهب أبعد من قانون العفو العام 1991 الصادربعد حرب امتدّت لأكثر من 15 سنة، حيث أن هذا الأخير اعتمد مبدئية العفو العام فقط بالنسبة إلى المخالفات والجنح دون الجنايات والتي ذهب على العكس من ذلك إلى تحديد المعفى منها بصورة حصرية.
وعليه، بفعل هذه المبدئيّة، ثمذة جرائم بالغة الخطورة لم يتمّ استثناؤها إطلاقًا من العفو العام، ومنها جنايات الخطر الشامل وجرائم تدمير الأملاك الخاصة والقرى والتي ترتكب في موازاة صياغة القانون وجرائم الإتجار بالمخدرات باستثناء حالات نادرة وجرائم بيع العقارات إلى أجانب وقوانين البناء وجرائم الاحتكار وتخزين السلع المدعومة وهي الجرائم التي مكّنت حفنةً من التّجار من تحقيق ثروات على حساب جميع اللبنانيين والجرائم الواردة في قانون حماية المستهلك إلخ... هذا فضلًا عن العديد من الجرائم التي تبقى في منطقة رماديّة، بفعل غموض الاستثناءات مثل التهرّب الضريبي والإبادة البيئية وتدمير الجبال كما نعود إليه أدناه.
استثناءات مبهمة وغير عادلة
كما سبق بيانه، حاولت اللجان المُشتركة التّخفيف من مبدئيّة العفو العامّ من خلال إضافة العديد من الاستثناءات على اقتراح كتلة الاعتدال. وعليه، تطور عدد الاستثناءات من 10 في الاقتراح الأصلي ليصل إلى 14 (منها احتوت على أكثر من استتثناء) في الصيغة المعدلة لاقتراح اللجان المُشتركة. ومن أهم الاستثناءات التي أضيفت الجرائم المنصوص عليها في قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب والجرائم المُرتبطة بأموال المودعين والجرائم المتعلقة بالجرائم المصرفيّة على أنواعها وجرائم الاغتصاب والإتجار بالبشر والعنف الأسري والاعتداء الجنسي على القصّر وأحكام قانون التعذيب والإخفاء القسري والجرائم البيئية فضلا عن جرائم السرقة (فقط في حالات التكرار). وهو أمر يحسب لبعض النواب الذين اصرّوا على الحدّ من شموليّة العفو العام وحصره.
إلا أنّ العديد من هذه الاستتثناءات ذُكرت بصيغةٍ مُبهمة وغامضة، على نحو يفتح مجالًا واسعًا للمنازعة أمام المحاكم في شأن تطبيق قانون العفو العامّ. ومن أهم الاستثناءات التي يجدر التوقّف عندها، هي الآتية:
- استثناء "الجرائم المنصوص عليها في قانون جرائم تبييض الأموال وتمويل الإرهاب": هنا يثور التساؤل عما يشمله حقيقة هذا الاستثناء. فهل هو يشمل مجمل الجرائم التي تنتج عنها الأموال غير المشروعة والتي يشكّل تبييضها جرم تبييض الأموال وهي الجرائم المذكورة في المادة الأولى من هذا القانون تحت عنوان "الأموال غير المشروعة" وعدددها 21 أم فقط جرائم تبييض الأموال بحدّ ذاتها والمذكورة في المادة الثانية منه؟ التفسير الحرفي للنص يفرض القول أن المستثنى بفعل هذه الإحالة هي مجمل الجرائم المذكورة في مختلف مواده ومنها ال 21 جريمة المذكورة في مادته الأولى، طالما أن الاقتراح تحدّث عن "الجرائم المنصوص عليها في قانون تبييض الأموال" من دون استثناء أيّ منها. وينسجم هذا التفسير أيضا مع تفسير القانون على النحو الذي يؤدّي إلى إعماله لا إلى إهماله، طالما أنّ إثبات جريمة تبييض الأموال يفترض التثبّت من كون الأموال المشتبه بتبييضها هي أموال غير مشروعة، وتحديدًا أنّها أموالٌ ناتجة عن إحدى الجرائم ال 21 المذكورة في المادة الأولى من القانون. بمعنى أنّ القول أنّ الاستثناء محصورٌ بجريمة تبييض الأموال من العفو العامّ دون سائر الجرائم المُنتجة للأموال غير المشروعة، إنما يؤدّي إلى تفريغ هذا الاستثناء من معناه بدرجة كبيرة.
وإذ صحّ أنْ قانون تبييض الأموال يجعل جريمة تبييض الأموال "جريمةً مستقلّة ولا تستلزم الإدانة بجرم أصلي"، فإن هذا النص يسمح طبعا بملاحقة الجريمة حتى ولو لم تصدر إدانة بالجرم الأصلي لكنه يطرح إشكالا في حال شمل العفو العامّ الجرم الأصلي على نحو يجعل عدم مشروعية الأموال الناجمة عنه والمشتبه بتبييضها موضع تساؤل. وما يعزّز هذه القراءة هو اشتمال قائمة ال 21 عددًا من الجرائم المالية بالغة الخطورة والتي لا يوجد أيّ مبرر لمنحها أيّ عفو عامّ، وفي مقدمتها تزوير العملة وجرائم التهريب الجمركي والتهرّب الضريبي والإتجار بالأسلحة واستغلال المعلومات المميّزة والإفلاس الاحتيالي وجرائم الفساد على أنواعها.
ولكن، وعلى الرغم من ذلك، يبقى هذا التفسير قابلًا للمنازعة في ظلّ ما يتولّد عن الأخذ به من تناقضاتٍ في بنيان النصّ المقترح. ويتجلّى ذلك في كون الاقتراح يعود ويستثني بعض هذه الجرائم الواردة في قائمة المادة الأولى من العفو العامّ، بما يؤشّر إلى أنّ الإحالة إلى قانون تبييض الأموال لم تكنْ كافية لاستثنائها من العفو. وما يزيد من التناقض هنا هو أن النص المقترح يعمد في سياق تحديد قائمة الاستثناءات على العفو إلى تسميّة الجرائم المُستثناة بصورة مختلفة عن التسمية المعتمدة لها في قانون تبييض الأموال. ومن الأمثلة على ذلك، الجرائم البيئية. ففيما تم تسميتها على هذا الوجه في المادة الأولى من قانون تبييض الأموال، اعتمد النص المقترح صيغة مغايرة قوامها "الجرائم البيئيّة المنصوص عنها في قانون حماية البيئة رقم 444/2002" فضلًا عن الجرائم الواردة في "النصوص ذات الصلة"، ويستشفّ منها إرادة حصر الاستثناء في جرائم بيئيّة محدّدة، وهي الجرائم المنصوص عليها صراحة في قانون حماية البيئة. ويبلغ التناقض أوجه بما يتصل بجرائم المخدرات. ففي حين ورد في رأس قائمة الجرائم المعددة في المادة الأولى من قانون تبييض الأموال "زراعة المخدرات أو تصنيعها أو الإتجار بها"، فإن النص المقترح عاد ليؤكد على اشتمال العفو العام جميع جرائم المخدرات وبشكل خاص مجمل جرائم زراعة المخدرات، مستثنيا منها فقط بعض جنايات التصنيع والإتجار في حال التكرار. وهذا ما سنعود إليه أدناه.
وعليه، هل نعدّ الجرائم الواردة في هذه القائمة كلها مستثناة من العفو العامّ أم نستثني من الاستثناء ما ورد صراحةً على خلافه في سائر بنود قانون العفو العام؟ من هذه الزاوية، يتضح عمق التناقض الحاصل في هذا النصّ والأهمّ خطورة اعتماد مبدئيّة العفو العامّ فضلًا عن صياغة الاستثناءات بصورة ملتبسة. علمًا أنه لو أرادت اللجان المشتركة ضبط نصها وتجنب التسبب بمتاهات قانونية، لأمكنها ذلك من خلال التنصيص صراحة على استثناء مجمل الجرائم المذكورة في قانون تبييض الأموال، وضمنا الجرائم المذكورة في المادة الأولى منه.
- استثناء الجرائم المرتبطة بأموال المودعين والجرائم المتعلقة بالجرائم المصرفية على أنواعها. ويعود غموض هذا الاستثناء إلى غياب أيّ تعريف قانوني لهذه الجرائم. فما معنى الجرائم المرتبطة بأموال المودعين؟ وهل هي تشمل الهندسات المالية التي انخرط فيها المصارف والتي أدّت إلى إيداع نسبة عالية من أموال المودعين لدى مصرف لبنان؟ وهل هي تشمل تهريب المصارف الجزء الأكبر من رساميلها إلى الخارج قبل الأزمة أو تهريب بعض المودعين قيمة ودائعهم كاملة على حساب مجمل المودعين؟ وما عساه يقرر القضاء في حال ادعى هؤلاء أن الاستثناء لا يشملهم طالما أنهم هربوا أموالا مملوكة منهم وليس أموال سائر المودعين؟ وهل تشمل الجرائم المتعلقة بالجرائم المصرفية امتناع المصارف إعطاء معلومات عن القيود المصرفية وفق قانون السرية المصرفية؟
- استثناء الجرائم البيئيّة: عدا عما سبق بيانه، من الثابت هنا بالعودة إلى ما تسرّب من نقاشات أن اللجان المشتركة قد تعمّدت إبقاء الغموض قائمًا. فعلى الرغم من مطالبات نيابية عدة (النائبتان حليمة القعقور ونجاة عون صليبا) بوجوب استثناء جميع الجرائم البيئية بصورة واضحة وتحديدا من خلال الإحالة إلى جميع الجرائم المشمولة في المادة 11 من قانون أصول المحاكمات الجزائية (وكانت وردت هذه الصياغة في الصيغة الأخيرة لاقتراح قانون العفو العام في 2020)، ضمّنت اللجان المشتركة قائمة الاستثناءات عبارة "الجرائم البيئيّة المنصوص عنها في قانون حماية البيئة رقم 444/2002 والنصوص ذات الصلة". وصياغة الاستثناء تستدعي هنا عددًا من الإشكالات. إذ إن مجرد إجراء مقارنة سريعة بين الجرائم المذكورة في قانون حماية البيئة وتحديدا في المواد 58 إلى 61 منه والجرائم المشمولة في المادة 11 من قانون أصول المحاكمات الجزائية يعرّي توجّه اللجان المشتركة إلى حصر الاستثناء أو على الأقل إلى إبقائه مبهمًا. إذ أن المادة 11 تضمنت قائمة من 7 بنود، فيما أن الجرائم الواردة في قانون حماية البيئة تندرج في بند واحد منها. وما يفاقم من ذلك هو إبهام عبارة "الجرائم المنصوص عليها في النصوص ذات الصلة". فما هي هذه النصوص؟ وهل تشمل نصوصا سابقة لقانون حماية البيئة مثل قوانين حماية الغابات والأحراش؟ وهل تحيل عبارة نص إلى القوانين فقط أم أنها تشمل المراسيم أيضا ومنها مرسوم تنظيم المقالع والكسارات رقم 8803/2002، علمًا أن هذا المرسوم صدر بناء على قانون التنظيم المدني وليس وفق قانون حماية البيئة؟ وهل تشمل القوانين ذات الصلة القوانين الصادرة لاحقا والتي استحدثت جرائم بالغة الخطورة منها جرائم تصل عقوباتها إلى عشر سنوات حبس، مثل قانون معالجة النفايات السامة؟ وهل تشمل من جهة أخرى قانون حماية المحميات الطبيعية والتنوع البيولوجي أو أيضا قوانين حماية الحيوان والمياه والهواء والصيد البري وما إلى ذلك من قوانين تهدف إلى حماية الإرث الطبيعي في زمن الإبادة البيئية التي يشهدها الجنوب؟ وإلى ما هنالك من أسئلة كان من الممكن تفاديها من خلال صياغة واضحة للجرائم التي يراد شملها بالعفو أو استثناؤها منه.
- استثناء جنايات تكرار المخدرات وفق المادة 125 من قانون المخدرات، مع استثناء جرائم زراعة المواد المخدرة من هذا الاستثناء. والواقع أنّ هذا الاستثناء مضلّل. ففي حين يوحي أنّ الاستثناء يشمل جميع الأشخاص الذين يثبت اعتيادهم على هذه الجريمة وبكلمة أخرى انخراطهم في الإتجار في المخدرات، فإنّ الحقيقة هي أن شرط التكرار وفق قانون العقوبات هو شرط قانوني مستعصٍ لا يتوفر إلا في حالاتٍ نادرة جدّا. إذ أن التكرار يشترط أن يكون الفعل موضوع المحاكمة قد ارتكب خلال 7 سنوات من انقضاء العقوبة المحكوم بها بموجب حكم مبرم أو مرور الزمن عليها، وهو شرط ينتفي في حال معظم المحكوم عليهم غيابيّا طالما أن الأحكام الغيابيّة غير مبرمة (وهي عمومًا حالات كبار التجار ورؤساء العصابات المنخرطة في هذه التجارة)؛ كما ينتفي في حال ملاحقة شخص ما في عشرات الجرائم المرتكبة في الوقت نفسه أو في حال كان الحكم المبرم يتّصل بجناية أخرى غير الجريمة المنصوص عليها في المادة 125 من قانون المخدرات. وعليه، يبدو شرط التكرار مجرد خدعة بصرية يُراد منها الإيحاء باستثناء كبار التجار فيما أن إرادة اللجان المشتركة تذهب في الواقع إلى شمول العفو جميع المنخرطين في تجارة المخدرات. وما يفاقم من ذلك هو أن الاستثناء من العفو يتصل فقط بتكرار جنايات المادة 125، الأمر الذي يعني أن العفو يشمل جميع الجنايات المذكورة في المادة 126، ومنها بيع عقاقير شديدة الخطورة أو تسهيل استعمال المواد شديدة الخطورة أو من يدير أو يستغلّ مكانا لتعاطي هذه العقاقير أوالمواد شديدة الخطورة. ومن شأن ذلك أن يشكل مدخلا آخر لمناقشة مدى اشتمال مجموعة واسعة من الأفعال بالعفو أم لا، في ظل التداخل الكبير بين ما تشمله المادة 125 والمادة 126.
فضلا عن صياغات تنم عن عدم جدية مثلما ورد في البند 12 حيث وردت عبارة "أحكام قانون التعذيب والإخفاء القسري رقم 10/2018"، فيما أنه لا يوجد أي قانون بهذا الاسم، وأن الأحكام المتصلة بالتعذيب جاءت ضمن القانون رقم 65/2017 تحت عنوان "معاقبة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاانسانية أو المهينة" وأن الأحكام المتصلة بالإخفاء القسري جاءت ضمن القانون رقم 108/2018 تحت تسمية "المفقودين والمخفيين قسراً".
مساومات على دماء الضحايا: العفو المخفّف لا يميّز أحدًا
لا تتوقّف أهمية المبادرة التشريعيّة عند ما يشمله العفو العام أو يستثنيه وفق ما سبق بيانه، بل أيضا عند ما تضمّنه من تخفيضٍ لعقوبات الجرائم المُستثناة من العفو ومنها الجرائم الأكثر خطورة مثل القتل والإرهاب وهو ما نصطلح على تسميته العفو العامّ المخفّف. وقد انتهى النص المقترح تبعا لمساومات عدة شملت القصر الجمهوري في بعض محطاتها إلى تخفيض عقوبة الإعدام إلى 28 سنة سجنية (أي 21 سنة فعلية) وعقوبة المؤبد إلى 17 سنة سجنية (أي 12 سنة و9 أشهر فعلية) على أن تخفض سائر العقوبات بمقدار الثلث. وما يؤشر إلى أهمية هذه المسألة هو أن كتلة الاعتدال لا تخفي مراهنتها على هذه الآلية من أجل ضمان الإفراج عن جميع المحكوم عليهم والموقوفين السنّة، تبعًا لتسليمها باستثناء الجرائم المنسوبة إليهم من العفو العام. وقد تجلت محورية هذه الآلية والانتظارات المعلّقة عليها في اللقاءات والبيانات التي سبقت سقوط الجلسة التشريعيّة التي كانت مقرّرة في 21 أيار الماضي بانتظار استكمال التوافق في هذا الخصوص.
وهنا أيضا تجدر الإشارة إلى أنّ المشرّع وقع في فخّ التّعميم من خلال منح "تخفيض العقوبات" لجميع المحكوم عليهم، من دون أن يكون له الشّجاعة الكافية للنّظر في خصوصية الحالات التي قد يستوجب التدخّل التشريعي لتخفيض العقوبات المحكوم بها فيها. فعلى فرض أن ثمة ظروفا اجتماعية وسياسية ضاغطة دفعت الإسلاميين إلى انتهاك القانون وأن هذه الظروف تستوجب تفهّم المشرع وتدخله لمنحهم تسامحًا ولو نسبيًا (تخفيض العقوبات بشكل كبير وفق مطالب نواب الاعتدال ورفاقهم) كما كان يحصل تقليديا في الجرائم التي يكون الدافع إليها عقائديا أو سياسيا، لماذا تخلو الأسباب الموجبة من أي حديث عن هذه الظروف السياسية الضاغطة كما من أي مناقشة لادّعاء المظلومية؟ والأهم لماذا يستفيد مجمل المحكوم عليهم ومنهم بجرائم مقزّزة ليس لها أي دوافع سياسية أو عقائدية، بأيّ شكل من الأشكال، من هذا التخفيض؟ فكأنّما مفهوم "المظلوميّة" توسّع ليشمل كلّ المحكومين على هامش الخير والشرّ. وهكذا، وبفعل التعميم الحاصل، سنرى جموع المدانين بجرائم قتل وحشيّ وضج الإعلام بها يتحرّرون الواحد تلو الآخر من العقوبات التي حكموا بها ويعودون إلى الحرية، وهو أمر ما كان ليتحقّق لو بذل المشرّع الجهد اللازم لدرس الحالات التي تستحقّ التسامح الاجتماعيّ بدرجة أو بأخرى. وهو بذلك ارتكب خطأً مزدوجًا: فعدا أن توجّهه بقي تقنيًا وخاليًا من أيّ مسعى لإعطاء الفئة المستهدفة ما قد تستحقه من تسامح وتاليا لترسيخ سوابق ذات معنى قيميّ مؤدّاها إعادة اللحمة الاجتماعية في مجتمع منقسم، فإنه وجّه في الآن نفسه رسالة قوامها إفلات أشخاص مدانين بجرائم كبيرة من قفص العدالة من دون أي سبب، بما يعزز مشهدية الإفلات المعمم من العقاب.
إصلاحات صفر: الغد مثل الأمس
أخيرًا، نعيد التنبيه إلى أن المبادرة التشريعية خلت وما تزال من أي منحى إصلاحي سواء على صعيد المحاكم أو السجون أو قوانين أصول المحاكمات المدنية، على نحو يحول دون تكرار الأسباب الداعية إلى منح العفو الشامل على النحو الذي تقدّم. فلا نجد في الأسباب الموجبة أي التزام بالعمل لإصلاح المحكمة العسكرية أو القضاء الاستثنائي أو تعديل شروط التوقيف الاحتياطي بصورة دائمة أو حتى التزام بتنمية مناطق تعاني من نسب عالية من الفقر إلخ. وبذلك، وعلى فرض أن الاقتراح يؤدّي في حال إقراره إلى تصحيح أوضاع أشخاص يعانون من مظلومية معينة، فإنه يتعايش مع استمرار منابع الظلم على حالها من دون أيّ تعديل.
وهذا ما يدفعنا لتكرار نقدنا السابق وقوامه أن قانون العفو العام يكون في حال إقراره مجرّد مقدّمة لاقتراحات عفو عامّ مستقبليّة دائمًا بمعزل عن أيّ إصلاح تشريعيّ أو مؤسساتيّ. وهذه المقاربة تشكّل بحدّ ذاتها منسفًا للضوابط القانونية ومعها الحقوق والأمان الاجتماعي وارتهانًا لحكم القوة، بما يرفد منابع الظلم بقوة مضاعفة. ومؤداها عمليا معالجة اللادولة واللاعدالة بمزيد منهما، فيما أن المطلوب معالجة اللادولة بالدولة واللاعدالة بالعدالة.