رفع السرية المصرفية لأغراض التدقيق الجنائي لمدة سنة (تعليق العمل بأحكام قانون سرية المصارف الصادر بتاريخ 3/9/1956 لمدة سنة واحدة)
13/10/2021
صدّق في جلسة 21/12/2020 اقتراح قانون متعلّق برفع السرية المصرفية لمدة سنة تنفيذاً لعقد التدقيق الجنائي (وتنتهي هذه المهلة في 31/12/2022).
الإطار العام للقانون: كانت الدولة اللبنانية قد وقّعت ممثّلة بوزير المالية غازي وزنة عقدا للتدقيق الجنائي بحسابات مصرف لبنان مع شركة Alvarez & Marsal في 30/9/2020 سندا لقرار الحكومة رقم 2 في 28/7/2020. إلّا أن مصرف لبنان رفض تزويد شركة التدقيق بالعديد من المعلومات الضرورية للتحقيق بذريعة مخالفة هذا العقد لقانون النقد والتسليف الصادر بمرسوم رقم 13513 في 1/8/1963 ولقانون السرية المصرفية الصادر في 3/9/1956. وقد اعتبر حاكم مصرف لبنان بأنه ملزم بالإبقاء على سريّة هذه المعلومات مع إمكانية البوح بحسابات الدولة وحدها للشركة، في حال رفع وزير المالية في حكومة تصريف الأعمال غازي وزنة السرية عن حسابات الدولة، وهو ما لم يحصل بعد اعتبار وزنة “أنّ في إمكان مصرف لبنان التصرّف بمعزل عن طلبه”. وللإشارة، لم يكن مصرف لبنان طرفا في العقد بل كان موضوع التدقيق بصفته مصرف الدولة وملزما بتطبيق سياساتها المالية التي يدخل التدقيق من ضمنها، وحيث هدف التدقيق تحديداً إلى معرفة ما إذا تمّ ارتكاب مخالفات وجرائم مالية خاصة خلال ما سمّي ب"الهندسات المالية" التي قام بها المصرف المركزي ولما اعتراها من شبهات بعدما تبيّن أنها كلّفت الدولة والمودعين خسائر فادحة، واجترّت أرباحاً طائلة على المصارف الخاصة.
وفي إثر ذلك، ساد جدال قانوني بين رأي اعتبر أن تنفيذ عقد التدقيق الجنائي يتطلّب تعديل قانوني السرية المصرفية والنقد والتسليف (أبرز المدافعين عن هذا الرأي إلى جانب حاكم مصرف لبنان رئيس لجنة المال والموازنة النائب ابراهيم كنعان) ورأي اعتبر أن السريّة المصرفية لا تشمل حسابات الدولة، وأنه وبكل الأحوال لا حاجة لتعديل قانون السرية المصرفية بما أن الدولة هي بمثابة العميل الذي يطلب الكشف عن حساباته (وهو استثناء ملحوظ في قانون السريّة المصرفية) وبأن حماية خصوصية الزبائن ممكنة بعد استبدال الأسماء بإشارات مرمّزة وهو ما وافقت عليه الشركة (وأبرز المدافعين عنه وزيرة العدل ماري كلود نجم متسلّحة باستشارة هيئة التشريع والاستشارات رقم881/2020 [1]). وأدت مماطلة المصرف المركزي وامتناعه عن تسليم المستندات في نهاية المطاف إلى إعلان شركة Alvarez & Marsalإنهاء العقد واعتذارها عن المهمة الموكلة إليها، في ما حمل إلى خشية جدية من سقوط المحاسبة عن تفليسة البلد بشكل كامل.
وقد جاء تصديق هذا القانون بعد إصدار مجلس النواب في 27/11/2020 قرارا لا قيمة قانونية له ردا على سؤال موجه من رئيس الجمهورية حول نطاق شمول التدقيق، نصّ على ضرورة خضوع "حسابات مصرف لبنان والوزارات والمصالح المستقلة والمجالس والصناديق والمؤسسات العامة بالتوازي للتدقيق الجنائي من دون أي عائق أو تذرع بسرية مصرفية أو خلافه"، ومحاولة مجلس النواب ورئاسة الجمهورية تصوير ذلك على أنه إنجاز، في حين أمكن حاكم مصرف لبنان تجاهله.
مسار القانون: صدّق القانون بعد دمج 4 اقتراحات متعلقة برفع السرية المصرفية (أحدها شامل لكل من تعاطى الشأن العام ما بعد اتفاق الطائف المقدم من النائب فؤاد المخزومي؛ وآخرين متعلّقين بتنفيذ عقد التدقيق الجنائي أحدها مقدّم من كتلة الجمهورية القوية (القوات اللبنانية) والآخر من اللقاء التشاوري وردا على جدول الأعمال، واقتراح آخر في نفس الصدد مقدّم من النائب علي حسن خليل لم يكن وارداً على جدول الأعمال). كما كان قد تقدّم النائب ابراهيم كنعان باقتراح قانون في 17/12/2020 لم يتم البحث فيه سعى إلى منع العاملين في المؤسسات العامة وسائر الأشخاص المعنويين العامين والشركات المختلطة من التذرع بالسرية المصرفية وبالسر المهني في حال قرر صاحب الاختصاص القانوني إجراء تدقيق محاسبي مركز.
أمّا الصيغة المصادق عليها فهي أقرب إلى تلك المقدّمة من قبل كتلة الجمهورية القوية. ويعمد القانون إلى تعليق العمل بأحكام قانون سرية المصارف الصادر بتاريخ 3/9/1956 لمدّة سنة من تاريخ نفاذ القانون في كل ما يتعلّق بعمليات التدقيق المالي أو التحقيق الجنائي التي قررتها أو تقرّرها الحكومة. وأوضح القانون أنّ الرفع بات يطال "حسابات مصرف لبنان والوزارات والإدارات والمؤسسات العامّة والهيئات والمجالس والصناديق كما جاء في قرار المجلس النيابي ولغاية هذا التدقيق ولمصلحة القائمين به حصرا". تولّى النائب جورج عدوان رئيس لجنة الإدارة والعدل وضع النسخة الموحّدة للقانون خلال الجلسة. وبعد تداول هذه النسخة المكتوبة بخط يد النائب عدوان في وسائل الإعلام، جرى التباس حول حذف عبارة “أيا تكن طبيعة هذه الحسابات” عند الحديث عن حسابات المصرف المركزي المشمولة بالتدقيق حيث أن نسخة الاقتراح المتداولة لم تتضمّن هذه العبارة. إلا أن النائب عدوان عاد وأوضح بعد نشر النسخة المذكورة، وفي اتصال مع "المفكرة” أنه تمّ الإبقاء على هذه العبارة. وفيما يفترض أن يسمح شمول رفع السرية “حسابات مصرف لبنان أيا تكن طبيعة هذه الحسابات” التمسك بأنه يشمل جميع الحسابات بما فيها حسابات المصارف لدى المصرف المركزي، إلا أنه كان من المفضل تعداد هذه الحسابات لقطع الطريق أمام أي ذريعة لحاكم مصرف لبنان وجمعية المصارف في هذا الصدد، ومنعا لإغراق التدقيق في تعقيدات اجرائية هو بغنى عنها، وبخاصة في ظل المؤشرات الكثيرة على اتجاه هذا الأخير لممانعة تطبيق القانون.
ملاحظات: أبرز ما يعيب هذا القانون الأمور الآتية:
- تمّ تحديد مدّة رفع السرية بسنة فقط، فيما يخشى أن تؤدي المماطلة وانقضاء أشهر من دون تشكيل حكومة وتعيين شركة تدقيق جديدة بعد عزوف شركة Alvarez & Marsal إلى انقضاء هذه المهلة دون الاستفادة من هذا القانون. وتنتهي مهلة القانون في 31/12/2021.
- إن رفع السرية المصرفية محصور فقط بالشركة المدقّقة التي تكلفها الحكومة الجديدة والتي قد لا تنوجد خلال مدة نفاذ القانون كما سبق بيانه، هذا عدا عن أنه يخشى أن تعود الحكومة الجديدة إلى اعتماد نفس خطاب المجلس النيابي لجهة إجراء التدقيق على كل حسابات الدولة والقطاع العام بالتزامن، منعا لأي استهداف لحاكم مصرف لبنان، مما يؤدي إلى تكبير الحجر وتطيير أي تدقيق أو تمييع حظوظ إجرائه.
- يؤدي القانون عمليا إلى إلغاء الغاية منه والتي هي المحاسبة، طالما أنه لا يرفع السرية لصالح الهيئات القضائية التي يفترض أن تلاحق على أساس ما قد يتوصل إليه التدقيق الجنائي.
المناقشات النيابية: خلال الجلسة[2]، أكّد رئيس المجلس النيابي في ما خصّ السرية المصرفية، على أن القرار الصادر عن المجلس النيابي في 27 تشرين الثاني في ما يتعلّق بالتدقيق الجنائي هو أقصى فعل يمكن أن يتخذه مجلس النوّاب ردّا على رسالة لرئيس الجمهورية، ولا يحقّ لمجلس النوّاب إصدار قانون ردّا على الرسالة. فاتفق معه النائب ابراهيم كنعان وطلب منه أخذ الاقتراح إلى أبعد مدى ووافقه النائب جورج عدوان وشدّد على أنّه لا يجب أن يؤخذ أي انطباع أن الهدف هو تمييع الموضوع وطالب بإقرار اقتراح القانون الذي يسمح بإجراء التدقيق الجنائي. من جهته أكّد نائب رئيس المجلس ايلي الفرزلي على أهميّة السريّة المصرفية، كذلك عبّر عن عدم خشيته من تهمة التمييع لتأكّده من نظافة كفه كما نظافة جميع النوّاب وبراءتهم. واعتبر أن هناك العديد من الاستثناءات على السرية المصرفيّة التي تسمح بالملاحقة في حال توفّر شبهات حول شخص ما، من تبييض الأموال والإثراء غير المشروع لكن الهدف من طرح إلغاء السرية المصرفية هو "ضرب لبنان" وخلق حالة من الشعبوية عبر تصريح المسؤولين برفع السرية المصرفيّة عن أنفسهم. وفي مشهدية سريالية انطلقت القاعة بالتصفيق بعد تشديده أن رفع السرية المصرفية عن المجلس سيبيّن براءة جميع الحاضرين وأكد على موافقته على رفع السرية المصرفية في سبيل التدقيق الجنائي لمدة محدّدة. من جهته، دعا النائب علي حسن خليل إلى اعتماد اقتراح القوات اللبنانية والإبقاء على مدة سنة من تاريخ نفاذ القانون، وهو ما حصل عمليّا مع إجراء تعديلات عليه.
[1] الصادرة عن رئيسة الهيئة جويل فواز في 22/10/2020، والمحالة إلى وزارة المالية في 26/10/2020.
[2] المفكرة القانونية – المرصد البرلماني لبنان، كامل نتائج الجلسة التشريعية 21 كانون الأول 2020: المجلس النيابي يقارب السرية المدمّرة بخفر، الموقع الالكتروني للمفكّرة القانونية، 2020/12/23