المجلس الدستوري يقلّم مخالب العفو العام: تكريس لحقوق المجتمع والضحايا

وسام اللحام

13/10/2026

انشر المقال

بعد طول ترقب وانتظار وفي ظل حملة تهويل هدفت إلى الضغط على المجلس الدستوري، أصدر هذا الأخير بأجماع الأعضاء الحاضرين (ثمانية من أصل عشرة) القرار رقم 12 بتاريخ 12 تشرين الأول 2026 والذي قضى بإبطال قانون العفو العام جزئيا مع وضع تحفظات تفسيرية عديدة من شأنها الحد من الطبيعة المبهمة لهذا القانون التي كانت من الممكن أن تؤدي إلى منح عفو عن جرائم فساد وإثراء غير مشروع وجرائم ضد الإنسانية. 

ولا شك أن هذا الموقف يشكل انتصارا للمبادئ التي يجب أن تلتزم بها السلطة التشريعية خلال إقرارها لأي قانون مستقبلي حول العفو العام، الأمر الذي يحد من اعتباطية السلطة السياسية ومنطق التسويات على حساب حقوق المجتمع والضحايا الذي ساد خلال المفاوضات بين الكتلة النيابية المسيطرة على مجلس النواب عند التصويت على هذا القانون.

وعلى الرغم من أن قرار المجلس الدستوري لم يتضمن إشارة صريحة إلى المذكرة التي كانت المفكرة القانونية قد تقدّمت بها بغية المطالبة بإبطال قانون العفو العام، إلّا أن قراءة فحوى القرار تظهر بشكل جليّ أن روحيّة المذكرة كانت حاضرة في غالبية فقرات القرار الذي استشهد أحيانا بالمراجع نفسها التي أوردتها المفكرة القانونية.  

لكن هذه الإيجابية اقتصرت على تحليل مضمون قانون العفو العام ولم تشمل كيفيّة إقراره كون المجلس الدستوري انكفأ عن ممارسة دوره الرقابيّ على هذا الجانب، تجنّبا للإحراج لأن القبول بوجود مخالفة لأصول التشريع الدستورية كانت ستؤدّي إلى إبطال القانون كليّا، لذلك تمّ الاكتفاء بالإبطال الجزئيّ والتحفّظات التفسيريّة المهمّة التي أوردها في متن القرار.

جراء ما تقدم، كان من الضروري تحليل قرار المجلس الدستوري على أن يقتصر هذا المقال على مجموعة من النقاط المتعلقة بالرقابة على أصول التشريع والمنهجية التي اتبعها المجلس، بينما يتم تخصيص مقال آخر للتبحر في أهمية القرار وأبعاده لجهة المبادئ التي يجب أن تحكم قوانين العفو العام.

مخالفة الدستور كأمر واقع

لا شك أن أغرب ما تضمنه قرار المجلس الدستوري جاء في الفقرة المخصصة لمخالفة قانون العفو العام أصول التصويت المحددة في المادة 36 من الدستور التي تفرض بأن يتمّ التصويت النهائي على القوانين بالمناداة على النواب بالأسماء وذلك احتراما لمبدأ علنية النقاشات ومن أجل التأكد من حصول القانون على الغالبية المطلوبة بشكل لا لبس فيه.

وقد سبق للمرصد البرلماني أن شرح بأن رئيس مجلس النواب لم يحترم أصول التصويت عند إقرار القانون إذ اكتفى كالعادة بمناداة شكلية تقتصر على عدد محدود من النواب ما يخالف الهدف الدستوري من وجود أصلا المادة 36 من الدستور.

وبالفعل قام المجلس الدستوري بدوره البديهي فطلب من الأمانة العامة لمجلس النواب محضر الجلسة والتسجيلات الصوتية للجلسة وحصل عليه بتاريخ 10 أيلول الماضي ما سمح له بالتحقق بنفسه من كيفية إقرار القانون.

وهكذا تمكن المجلس الدستوري من الاستشهاد بالنص التالي الوارد حرفيا في المحضر: 

"-القانون مطروح على التصويت بالمناداة.

-نودي على السادة النواب بأسمائهم.

-أكثرية.

-الرئيس: صدّق القانون بالأكثرية."

وعلى الرغم من أن المحضر يزعم بأن إقرار القانون حصل عبر المناداة على الأسماء لكن المجلس الدستوري لا يكتفي بهذه القرينة بل عمد إلى المقارنة مع التسجيلات الصوتية فتبيّن له "أنّه تمّت تلاوة أسماء بعض النواب وقطع رئيس الجلسة المناداة بعبارة "صدّق بالمناداة" وسمع صوت النائب حليمة القعقور تقول "بس ملاحظة مش صدق بالمناداة، ومش تصويت بالمناداة"".

إن خطورة ما تكشفه التسجيلات الصوتية لا تكمن فقط في إظهارها أن رئيس مجلس النواب أعلن إقرار القانون خلافا للمادة 36 من الدستور لكن أيضا والأهم أنها تثبت بأن المحاضر الرسمية لمجلس النواب لا تعكس الحقيقة، إذ هي تقوم فعليّا بخداع القارئ عبر إيهامه بأن إعلان رئيس المجلس إقرار القانون تمّ بعد المناداة على جميع النواب الحاضرين بينما الحقيقة خلاف ذلك لأن هذه المناداة اقتصرت على عدد محدود من النواب.

وفي ملاحظة استطرادية، يقول فجأة المجلس الدستوري بأنه "لم يتبيّن من المحضر أو من التسجيل الصوتي أنّه تمّ تدوين أيّ اعتراض من قبل النواب على توفّر النصاب أو نيل القانون الأكثرية المطلوبة، علماً أنّ ملاحظة النائب حليمة القعقور المستعادة أعلاه تناولت آلية التصويت ولم يجر تدوينها في المحضر". ولا يمكن في الحقيقة ترتيب أيّ تداعيات على ما نقله المجلس الدستوري كون غياب اعتراض النواب لا يشكّل سببًا للتغاضي عن المخالفة الدستورية في حال وجودها وإلا تحوّلت المبادئ الدستورية إلى نتيجة للتوافقات الظرفية بين هؤلاء. لا بل أن القرار بإشارته إلى عدم تدوين ملاحظة النائبة حليمة القعقور يشكل إدانة للجهاز الإداري في مجلس النواب الذي فشل في نقل وقائع الجلسة بالأمانة المطلوبة، ما يعيد التأكيد على الطبيعة الإشكالية لهذه المحاضر وعدم قدرة المراقب الموضوعي الركون إليها.   

ويختم المجلس الدستوري تحليله بانعطافة لا يمكن فهمها فيقول إنه على الرغم من أن "الصيغة المنصوص عليها في المادة 36 هي جوهرية ولا يجوز مخالفتها"، إلا أنّه بات يرفض إبطال القانون "لعدم ثبوت الاعتراض على طريقة التصويت أو على نيل الأكثريّة المطلوبة" مذكّرا باجتهادات سابقة له في هذا المجال.

وكانت المفكرة القانونية قد انتقدت في تعليق سابق لها بشدة هذا الاجتهاد معتبرةً أنّه يشكّل تخلّيًا عن دور المجلس الدستوريّ ورضوخًا لابتزاز السلطة الحاكمة. إذ لا يعقل أن تكون دستورية أيّ نصوص متعلقة بوجود اعتراض من النواب الأمر الذي يؤدي إلى جعل الدستور مرتهنًا للاعتبارات السياسية بشكل كامل وتوافق الكتل النيابية، وكأن سكوت النائب هو دليل على دستورية النص أو الممارسة، علما أن هذا السكوت قد يكون نتيجة جهل أو بسبب تواطؤ لتحقيق مصلحة سياسية ولا ينمّ اطلاقًا عن قناعة النائب بعدم حصول مخالفة دستورية.

والأغرب من ذلك أن المجلس الدستوري يبرر قراره بوجود اجتهاد سابق له بخصوص المادة 36 وكأن القبول بمخالفة الدستور في الماضي يشكل مبرّرا للقبول بمخالفة الدستور مرة ثانية في المستقبل. فبدل أن يتراجع المجلس الدستوري عن اجتهاده المذكور من أجل تحرير المادة 36 من سطوة النواب، آثر التمسّك به والقبول بمخالفة أصول التشريع، إذ خلاف ذلك كان سيحتّم عليه إبطال القانون برمته، ما كان سيجعله في مواجهة كبرى مع قوى سياسية عديدة. 

وهكذا يكون المجلس الدستوري قد كرّس سلسلةً باتت تطول من المخالفات الدستوريّة الصريحة التي يتوجب القبول بها كأمر واقع، كتمديد ولاية مجلس النواب والمجالس البلدية، وإقرار الموازنة في ظل غياب قطع الحساب، ومخالفة المادة 36 من الدستور.

وينسحب هذا التحليل أيضا على الاختلاف الذي يوجد بين الصيغة التي أقرت والصيغة النهائية التي أرسلتها رئاسة مجلس النواب إلى رئيس الجمهورية من أجل إصدار القانون. فقد أحصت المذكرة التي تقدمت بها المفكرة القانونية وجود ستة تحويرات أساسية في الصيغة الأصلية للقانون علما أن الجهة الطاعنة أيضا أشارت إلى وجود هكذا تحوير كون "الصيغة التي أرفقت بجدول أعمال جلسة مجلس النواب مختلفة عن تلك التي تّم التصويت عليها، كما جاءت الصيغة الأولى التي وزّعت وأحيلت إلى فخامة رئيس الجمهورية مختلفة عن الصيغة التي أصدرها الرئيس".

لا يعالج القرار مسألة الاختلاف بين صيغة القانون الذي أصدره رئيس الجمهورية والصيغة الأولى التي أحيلت إليه وهو أمر مستغرب، إذ كان على المجلس الدستوري أن يدقق في السبب الذي حدا بالأمانة العامة لمجلس النواب إلى إحالة القانون وفقا لصيغتين مختلفتين لا أن يكتفي بلوم الطاعنين الذين "لم يرفقوا بعريضة الطعن أي صيغة من الصيغ السابقة لصدور القانون المطعون فيه لا سيما تلك التي سميّت " الصيغة الأولى" المختلفة، كما قالوا، عن تلك التي أصدرها رئيس الجمهورية، ولم يبيّنوا في مطلق الأحوال وجه الاختلاف بين الصيغتين ومكمن الخلل الدستوري".

ويكرر القرار أن الجهة الطاعنة لم تبين مثلا طبيعة التحوير الذي طال البند العاشر من المادة الثانية "لكي يتمكّن المجلس الدستوري من إعمال رقابته لهذه الجهة" وكأن وظيفة المجلس تتعطل في حال لم يتضمن الطعن جميع التفاصيل المتعلقة بالمخالفة الدستورية المشكو منها. فالمجلس الدستوري يتمتع بصلاحيات شاملة بمجرد تقديم الطعن أمامه وهو يحق له إثارة نقاط عفوا، أي من دون أن يكون الطعن قد جاء على ذكرها، ما يعني أن ربط رقابة المجلس بالتفاصيل التي أهمل الطعن ذكرها لا يشكل مبررا لاحجام المجلس الدستوري عن ممارسة دورها بالكامل، لا سيما وأن القرار نفسه احتوى على مسائل دستورية لم تكن موجودة في الطعن بل قرر المجلس إثارتها من تلقاء نفسه.

والأغرب من ذلك أن المجلس الدستوري كان يملك التسجيلات الصوتيّة ما يسمح له بالتدقيق في كل بنود القانون من دون الحاجة إلى تزويده بتلك التفاصيل من قبل الطاعنين. وبالفعل يعلن المجلس أنه بعد التدقيق في التسجيلات الصوتية "يتبيّن أنه جرى التداول والمناقشة في عدّة ملاحظات وتعديلات تقدّم بها النواب حول المادة 2 وصار إقرار معظمها من قبل الهيئة العامة، ما ينسجم مع نص المادة 2 من القانون المطعون فيه بالصيغة المنشورة في الجريدة الرسمية بعد التدقيق والمقارنة".

ولا شك أن هذا التعليل ليس كافيا على الإطلاق إذ هو عام ومبهم ولا يعمد إلى مقارنة كل نص جرى إقراره بالصيغة المنشورة في الجريدة الرسمية. ويعود المجلس الدستوري إلى الاستشهاد بمحضر الجلسة ليستبعد أي شبهة تحوير فينقل النص التالي:

"" الرئيس: الموافقة على المادة الثانية مع التعديلات برفع الأيدي.

-أكثرية:

نبيل بدر: دولة الرئيس، من دون تعديلات الزميل بو صعب.

الرئيس: صدّقت المادة الثانية مع التعديلات".

وهذا نص لا يشكل دليلا كافيا على أن "التعديلات" التي ذكرها رئيس المجلس هي نفسها التي ناقشتها ووافقت عليه الهيئة العامة، لا سيما في غياب أصول التعديل عن النظام الداخلي لمجلس النواب إذ يكتفي النواب باقتراح تعديلات شفهية بشكل متزامن من دون التقدم بها خطيا، ومن ثم يعمد رئيس المجلس بطرح تلك "التعديلات" مزاجيا على التصويت دون وجود إمكانية لتحديد حقيقة النص الذي جرى إقراره. 

فالهيئة العامة في لبنان ليست ملزمة بالصيغة كما أعدتها اللجان النيابية ولا بصيغة الاقتراح الواردة على جدول الأعمال ما يعني أن القول الفصل في هذا المجال يعود للنقاشات التي جرت في الهيئة العامة خلال إقرار القانون وهي نقاشات لا يمكن التحقق منها إلا عبر العودة إلى التسجيلات الصوتية. وفي حال كانت هذه التسجيلات أيضا مبهمة بسبب عدم وضوح التعديلات التي يطرحها رئيس المجلس على التصويت يصبح تحديد النص النهائي للقانون مجرد تكهنات ويجعل من التلاعب بصيغة القانون المقرة أمرا سهلا.

لذلك يمكن القول أن المجلس الدستوري يجب أن يكون أكثر صرامة في رقابته إذ يتوجب عليه إبطال القانون بمجرد وجود غموض في صيغته النهائية كون ذلك يتعلق بالسيادة الشعبية وصحة الإرادة التشريعية التي يجب أن تكون واضحة وجلية جلاء مطلقا لا يقبل التأويل عملا بالمادة 18 من الدستور التي تمنع نشر أي قانون "ما لم يقره مجلس النواب"، أي أن المبدأ هو إثبات إقرار القانون وليس القول بعدم وجود دليل على حصول التحوير.

استبعاد ضرورة استشارة مجلس القضاء الأعلى  

اعتبر القرار أن عدم استشارة مجلس القضاء الأعلى قبل اقرار قانون العفو لا يشكل مخالفة دستورية، كون تلك الاستشارة يجب أن تتعلق "بشؤون القضاء العدلي والقضاة كالتعديل في النظام القضائي أو في تنظيم المحاكم أو في سنّ تقاعد القضاة وذلك على سبيل المثال، وإنّ ما يخرج عن إطار تلك الضمانات لا يمكن أن يشكّل انتقاصاً منها ولا يستوجب بالتالي استطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى، فإنّ اغفال هذا الأمر لا يؤدّي بالتالي الى ابطال القانون المطعون فيه لأنّه لا يتعلق تحديداً بالتنظيم القضائي وشؤون القضاة".

ولا شك أن هذا الموقف سليم لأن قانون العفو يتعلق بإسقاط عقوبات جزائية وهو لا يعالج صلاحيات السلطة القضائية أو الشأن الوظيفي للقضاة. فكما أن مجلس النواب حرّ بتحديد الجرائم والعقوبات عملا بالمادة الثامنة من الدستور دون استشارة السلطة القضائية، كذلك هو حر بمنح العفو العام من دون أخذ رأي هذه الأخيرة. وكانت المفكرة القانونية قد انتقدت توسع المجلس الدستوري في تفسيره لموجب استشارة مجلس القضاء الأعلى في قراره الذي أبطل بموجبه القانون الجديد للقضاء العدلي، وبالتالي يأتي القرار حول العفو العام منسجمًا مع ضرورة عدم تحويل تلك الاستشارة إلى عائق يهدّد دستورية أي نص يتعلق من قريب أو بعيد بالقضاء ولم يتم الاستحصال على رأي السلطة القضائية العليا مسبقا عليه قبل إقراره.

مواجهة الغموض بالتحفظات التفسيرية

من دون الدخول في مضمون القرار لجهة كيفية معالجته لمختلف بنود العفو العام (العفو الشامل وفقا للنص الدستوري الدقيق)، يمكن استخلاص المنهجية التي لجأ إليها المجلس الدستوري بغية مواجهة غموض أحكام القانون، وهو غموض يتعلق بصياغة القانون، أي بقصور يطال كيفية التشريع.

وقد شرح القرار هذه المقاربة من خلال تقنية التحفظات التفسيرية عندما يحتمل النص أكثر من تفسير،  إذ يمكن للمجلس الدستوري حينها "أن يستبعد التفسير المخالف للدستور ويعتمد التفسير الذي يجعله متوافقاً معه، فتكون التحفظات التفسيرية التي يقرّرها ملزمة لجميع السلطات العامة والمراجع القضائية والإدارية، بما يضمن وحدة تطبيق القانون ويحول دون الاجتهادات المتناقضة".

وقد اعتبر القرار أن بعض بنود العفو العام "تكشف عن صياغة تشريعية غير سليمة" لكن ذلك لا يبرر إبطالها في حال تم تفسيرها بشكل يجعلها متوافقة مع الدستور. ولبلوغ هذا الهدف، كرس القرار مجموعة من المبادئ المهمة التي يمكن استعراضها وفقا للتالي:

  • إن قانون العفو العام هو قانون استثنائي ما يعني ضرورة تفسيره بشكل ضيق وعدم التوسع في تطبيقه من قبل المحاكم المختصة. 
  • إن العفو العام يجد مبرراته في "أسباب وطنية مرتبطة بفترة زمنية محدّدة، أو لتحقيق المصالحة العامة، أو لتخفيف الأزمات الاجتماعية"، ما يعني أن العفو يجب أن يسعى لتحقيق هدف مشروع إذ "بقدر ما يتوسّع نطاق العفو الشامل بقدر ما يتوجّب أن يكون الهدف منه مشروعاً".
  • إن تحقيق هذا الهدف المشروع هو شكل من أشكال حماية المصلحة العامة التي لا يمكن أن تُختزل بمصلحة المستفيد من العفو، "بل تشمل أيضاً مصلحة المجتمع في العدالة، ومصلحة الضحايا في الإنصاف، ومصلحة الدولة في احترام أحكام القانون وفي عدم تكريس الإفلات من المسؤولية".
  • إن العفو يجب أن يحترم مبدأ التناسب إذ حتى لو كان يهدف إلى تحقيق غاية مشروعة "فإنّه يقتضي الموازنة بين المنفعة العامة التي يحقّقها العفو وبين الأضرار الدستورية والقانونية التي يمكن أن تترتب عليه. فكلّما اتسع نطاق العفو، اتسعت معه الحاجة الى تبرير العلاقة بين الجرائم المشمولة به وبين الغاية العامة التي يستهدفها التشريع". لذلك لا يمكن تفسير استثناء جرائم الفساد من منحة العفو بشكل ضيق كون ذلك يؤدي إلى الإخلال بالصالح العام وما يستتبعه من ضرورة احترام العدالة الاجتماعية والمساواة وسيادة القانون.

وانسجاما مع هذه المبادئ عمد المجلس الدستوري إلى تبني منهجية مبتكرة من أجل منع التوسع في تفسير العفو العام إذ قام باستقراء مختلف بنود القانون التي تتكلم عن الفساد ومن ثم بحث عن نية المشترع في قوانين مختلفة صدرت حديثا كقانون الاثراء غير المشروع  وقانون استعادة الأموال المتأتية من جرائم الفساد  وخلص إلى أن المشترع "أبدى إرادة واضحة في استبعاد جرائم الفساد من نطاق العفو"، لا بل هو أضاف أن تفسير قانون العفو "وفقاً لأحكام الدستور والاتفاقيات الدولية التي التزم بها لبنان يوجب اعتبار جرائم الفساد كافة مستثناة من العفو، بالنسبة إلى جميع المتورطين فيه".

وقد برهن المجلس على استحالة أن يكون العفو شاملا لجرائم الفساد وبشكل غير مشروط من خلال استخدام نافذة الفقرة "ب" من مقدمة الدستور التي تحيل إلى التزام لبنان بمواثيق منظمة الأمم المتحدة، ومن بينها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي انضم اليها لبنان سنة 2008 واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية التي صادق عليها لبنان سنة 2005، إذ اعتبر أن الالتزامات التي ترسيها تلك الاتفاقيات تحتم استثناء "جميعَ جرائم الفساد المنصوص عليها في القوانين المرعية الإجراء والاتفاقيات الدولية الملتزم بها لبنان، في القطاعين العام والخاص، وجميع المتورطين فيها، أياً كانت صفتهم. ولا يحول العفو دون تحصيل حقوق الدولة بوصفها متضرّرة، ولا دون إجراءات المصادرة واسترداد الأموال المتأتية من جرائم الفساد".  

الجرأة في المبادرة 

لا بل يمكن القول أن القرار اتسم بالجرأة كون المجلس الدستوري لم يقتصر في تحليله على النقاط الواردة في الطعن بل أثار مجموعة من المواضيع من تلقاء نفسه محاولا إعطاء القانون تفسيرا منطقيا ومدافعا عن موقع لبنان الدولي.

وقد تجلى ذلك في التناقض الذي يوجد بين قانون إلغاء عقوبة الإعدام الذي صدر في 7 آب 2026 وقانون العفو العام، كون القانون الأول استبدل عقوبة الإعدام بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة بينما قانون العفو نص على أنّ عقوبة الإعدام تصبح 28 سنة سجنية وعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة تصبح 17 سنة سجنية.

ولا شك أن هذا التناقض بين الغاء عقوبة الاعدام في قانون ومن ثم ذكرها مجددا كعقوبة قائمة في قانون لاحق لا يمكن فهمه إلا انطلاقًا من التسوية السياسية التي حصلت بين الكتل النيابية بحيث تمّ ربط إلغاء الإعدام بالعفو العامّ. غير أن القيمين على هذه التسوية لم يدركوا أن توافقهم السياسي لا يكفي كي تتحول إرادتهم إلى حقيقة قانونية. فالمبادئ التي ترعى العلاقة بين القوانين لا تقبل بتلك التسوية لأن صدور قانون إلغاء عقوبة الإعدام يعني من الناحية الدستورية استحالة إعادة إحياء هذه العقوبة من جديد إلا بنص قانوني واضح تطبق أحكامه على المستقبل، هذا فضلا عن أن تطبيق قانون العفو يؤدي إلى المساواة بين من استُبدلت عقوبة الإعدام بحقهم بالأشغال الشاقة المؤبدة ، ومن حُكم عليهم أصلاً بالأشغال الشاقة المؤبدة عن جرائم أقل خطورة، "وهذه النتيجة تُخلّ بمبدأ المساواة الذي يقتضي عدم معاملة أوضاع مختلفة معاملة واحدة".

ولعل أهم ما يكشف طبيعة السلطة السياسية في لبنان هو تكريس المجلس الدستوري لمبدأ مفاده "أنّ المشترع لا يُفترض أنّه يشرّع عبثاً"، وهو أمر بديهي لكنه يتعلق بالمشترع النظري، أي كما يجب أن يكون، وليس كما هو في الواقع. فالمشترع يجب عليه أن يتبنّى نصوصًا منطقيّة من الناحية القانونية لا أن يعمد إلى إقرار نصوص ركيكة تحاول التستر على التسويات السياسية التي حكمتها. فركاكة قانون العفو تعكس في الحقيقة مصالح الكتل النيابية المفتقرة إلى المشروعية التي باتت مرغمة بحكم وجودها في نظام دستوري شكلي على إعطاء تلك المصالح لبوسا قانونيا، وهو ما يفسر التناقض الموجود لأن المنطق القانوني لا يمكن له بحكم طبيعته العامة والمجردة أن يقبل بتلك المصالح. 

من جهة أخرى، يمكن القول أن جرأة القرار بلغت ذروتها في إقدام المجلس الدستوري على استثناء كل فعل يشكّل جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية أو تعذيباً أو إخفاءً قسرياً من العفو العام. وقد توصل المجلس إلى هذه الخلاصة بشكل يتّسم بشيء من الغموض كونه استشهد بمجموعة من المبادئ المتعلقة بالعفو التي يقرها القانون الدولي الإنساني العرفي والمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وهي مبادئ على قدر كبير من الأهمية لناحية ضرورة مناهضة جرائم التعذيب وجرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، لكن لا يمكن ربطها بشكل واضح بالدستور اللبناني إلا من خلال الإشارة الواردة في الفقرة "ب" من مقدمة الدستور حول التزام لبنان بمواثيق منظمة الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وعلى الرغم من توسيعه للكتلة الدستورية ومساهمته بإغناء القانون الدستوري بمبادئ جديدة، فإن من شأن هذا الربط أن يفقد نص الدستور مركزيته من خلال النهل من العين التي لا تنضب للقانون الدولي ومواثيقه. 

فرقابة المجلس الدستوري لا تهدف إلى شرح المبادئ التي من المفترض أن تكرسها القوانين على الرغم من إنها قد تكون مبادئ محقة وضرورية، بل إلى البرهنة على أن الدستور يستوجب احترام مجموعة محددة من المبادئ التي تنبع من الأحكام الدستورية نفسها بغض النظر عن مدى صوابيتها، من هنا موجب التعليل الذي يشكل أحد أبرز خصائص القرارات القضائية والذي يفقد جدواه في حال كان التعليل مفتوحًا على أفق غير محدود. وإذ كانت المسؤوليّة تقع أساسًا على الخلل في الفقرة "ب" نفسها من مقدمة الدستور التي صيغت بهذا الشكل المبهم لكن واجب المجلس الدستوري كان يقضي بوضع معايير واضحة تشرح للقارئ أولا كيفية تعريف تلك المواثيق وتتيح له ثانيا معرفة منهجية المجلس في استنباط المبادئ الدستورية من تلك المواثيق. 

وبغض النظر عن هذه الملاحظة المنهجية، لا بدّ من تسجيل التقدّم الكبير الذي أرساه القرار في موضوع جرائم الحرب مقارنة بقانون العفو الذي صدر سنة 1991 والذي شمل من ضمن أحكامه انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان قد تدخل ضمن فئة جرائم الحرب. وهكذا يكون القرار قد كرس قاعدة عامة تشكل ضمانة مستقبلية للمجتمع برمته إذ هو اعتبر أن قوانين العفو لا يمكن أن تشمل جرائم الحرب.       

في الخلاصة، يمكن القول أن المجلس الدستوري أدرك أن الرغبة السياسية القوية التي قضت بإقرار العفو لا يمكن مواجهتها من خلال إبطال القانون كليا بسبب العيوب الشكلية الخطيرة التي تعتريها لكن من خلال تطويق أحكامه عبر تحفظات تفسيرية جريئة من شأنها تكريس مبادئ حقوقية بالغة الأهمية يمكن التعويل عليها مستقبلا لتعزيز حقوق المواطنين وحماية المجتمع والصالح العام. فبدل قطع رأس وحش العفو العام اختار المجلس نزع براثنه وتقليم مخالبه من أجل ترويضه وابقائه في حظيرة الدستور والمبادئ القانونية.