اقتراح لتمديد ولاية مجلس النواب: كاد المريب أن يقول خذوني

وسام اللحام

02/02/2026

انشر المقال

تقدم النائب أديب عبد المسيح بتاريخ 2 شباط 2026 باقتراح قانون معجل مكرر ينص على تمديد "ولاية المجلس النيابي القائم حتى تاريخ أقصاه 31 أيار 2027".

وقد أوردت الأسباب الموجبة مجموعة من الذّرائع التي تفرض التمديد فربطت بين حصر السلاح والانتخابات معتبرة أن تقرير قيادة الجيش اللبناني يفيد بأنّ تنفيذ هذه الخطة يتطلّب وقتاً لا يقل عن السنة الواحدة. وتضيف الأسباب الموجبة أن التعنّت في رفض تسليم السلاح "في ظل العدوان والتهديد والاحتلال الإسرائيلي القائم اليومي التوسّعي ليشمل مساحات جغرافيّة أوسع في الجنوب والبقاع ومناطق أخرى، أضف على ذلك التوترات والتصعيد العسكري المرتقب في المنطقة (...) ومن أجل ضمان أمن وسلامة اللبنانيّين والمقترعين وتأمين التكافؤ في الفرص حسب الدستور اللبناني، وتأمين سيادة الدولة على جميع أراضيها، فإن تأجيل فتح مراكز الاقتراع وتأجيل الانتخابات النيابية في هذه الأوضاع القاهرة هو مطلب دستوريّ لتأمين حسن سير الاستحقاق الديمقراطي".

وتعيد الأسباب الموجبة التذكير بمشروع القانون الذي تقدّمت به الحكومة من أجل إدخال تعديلات استثنائيّة على قانون الانتخابات الصادر سنة 2017 لجهة اقتراع المغتربين ومراكز الاقتراع الكبرى ما يعني أنّ القانون النافذ حاليًّا غير قابل للتّطبيق، علمًا أن "رئاسة مجلس النواب لم تقبل إدراجه على جدول قوانين الهيئة العامة" على الرغم من العجلة التي تفرض ذلك. وفي السياق نفسه، تُحيل الأسباب الموجبة إلى الاقتراح الذي تقدّم به النّواب من كتل مختلفة من أجل إلغاء المقاعد المخصّصة للمغتربين وتمكينهم من الاقتراع في الدّوائر الانتخابيّة داخل لبنان لكنه لاقى المصير نفسه بسبب عدم ادراجه على جدول الأعمال من قبل رئيس مجلس النواب الذي عبّر عن رفضه للإقتراح ما يعني أن "تعديل القانون الحالي ولو استثنائيا غير متاح في المرحلة الحالية فيما يبقى القانون نفسه من دون مراسيم تطبيقية مفهومة وواضحة".

وتختم الأسباب الموجبة باعتبار أن تأجيل الانتخابات هي صلاحية حصرية لمجلس النواب خلافا لما تتناقله بعض وسائل الإعلام عن تأجيل تقنيّ سيقوم به مجلس الوزراء الأمر الذي يحتّم تقديم هذا الاقتراح من أجل احترام الأصول الدستورية ومبدأ الفصل بين السلطات.

إن هذا الاقتراح يستوجب الملاحظات التالية:


اقتراح لا يخجل من نفسه

من الملاحظ أن الاقتراح يكتفي بتمديد ولاية مجلس النواب التي من المفترض أن تنتهي في 21 أيار 2026 إلى 31 أيار 2027 من دون ذكر أن ذلك يتمّ على سبيل الاستثناء. فقوانين التمديد التي عرفها لبنان سواء كان ذلك للمجلس النيابي أو المجالس البلدية كانت دائمًا تشير في متنها أو حتى في الأسباب الموجبة إلى وجود ظروف استثنائيّة تحتّم تأجيل الانتخابات. إذ أن القانون رقم 246 الصادر في 31 أيار 2013 نصّ مثلا على أنّ ولاية مجلس النواب تنتهي بصورة استثنائيّة بتاريخ 20 تشرين الثاني 2014. وكذلك الأمر بالنسبة إلى المادة 46 من قانون الانتخابات التي نصّت على أن ولاية مجلس النواب تنتهي استثنائيا في 21 أيار 2018.   

وهكذا يتبيّن أنّ الاقتراح لا يجد أي حرج في تأجيل الانتخابات من دون حتى تضمين القانون ولو من قبيل رفع العتب الدستوري نصًّا يقول بأن هكذا تدبير هو استثنائي أو لمرّة واحدة. ولا شكّ أن هذه الظروف الاستثنائية غير موجودة لانتفاء شروطها القانونية كون السلطة السياسية لا تجد أنها في مواجهة قوة قاهرة تمنعها من تنظيم الانتخابات. إذ أنّ الذّرائع التي تتحجّج بها الأسباب الموجبة غير كافية إطلاقا لتبرير هكذا تمديد كون الحكومة تمكّنت من إجراء الانتخابات البلدية والاختيارية السنة الماضية في ظلّ استمرار الاحتلال والاعتداءات الاسرائيلية وتصاعد التوتر الإقليميّ، ما يعني أن الوضع الراهن لا يختلف من حيث واقعه القانوني عن الظروف التي كانت سائدة سنة 2025، الأمر الذي يوجب احترام المهل الدستورية وإجراء الانتخابات في موعدها الذي جرى تحديده بموجب المرسوم رقم 2438 الصادر في 30 كانون الثاني 2026 والذي قضى بدعوة الهيئات الناخبة في 10 أيار المقبل بالنسبة للبنانيين المقيمين.

من جهة أخرى، لا يمكن للاقتراح التذرع بعدم القدرة على تطبيق القانون الحالي من أجل تأجيل الانتخابات. فالغموض الذي يشوب القانون لجهة اقتراع المغتربين ومراكز الاقتراع الكبرى هو أمر معروف منذ صدور القانون سنة 2017 وقد عمد مجلس النواب إلى تعليق العمل بهذه الأحكام استثنائيا أكثر من مرة. وبالتالي تكون السلطة السياسية قد تعمّدت اختلاق وضع قانونيّ مستحيل لتتلكّأ بعد ذلك لسنوات عن إدخال التعديلات الضروريّة من أجل ضمان حقوق المغتربين، ولتضع الجميع تبعا لذلك في المأزق الذي كان يمكن للكلّ توقعه. بمعنى أن السلطة السياسية اختلقت هذا الوضع القانوني الشاذّ، الأمر الذي يفرض حرمانها من استغلاله من أجل المطالبة بتأجيل الانتخابات؛ وإلا تتحول حقوق المواطنين الدستورية إلى مجرد منة تمنحها السلطة متى تشاء وتتحكم بها بالكامل.

اقتراح يبدع في تمديده لولاية مجلس النواب 

خلافًا لجميع قوانين التمديد العديدة السابقة التي كانت تحدد تاريخا واضحا لانتهاء ولاية مجلس النواب، يعمد الاقتراح الحالي إلى النصّ على أنّ ولاية مجلس النواب تمدّد حتى تاريخ "أقصاه" 31 أيار 2027. 

وهكذا يكون الاقتراح قد أوحى بإمكانية إجراء الانتخابات قبل هذا التاريخ من دون تحديد الجهة التي بإمكانها أن تدعو إلى انتخابات مبكرة قبل انتهاء المهلة الممددة. ولا شكّ أن لا وجود لجهةٍ كهذه طالما أن ولاية مجلس النواب هي ثابتة ولا يمكن اختصارها إلا إذا قرر مجلس النواب تقصير ولايته أو عبر صدور مرسوم بحلّ مجلس النواب وفقا للشروط التي يحددها الدستور. فالاحتمال الأول يعني أن تضمين الاقتراح تعبير "أقصاه" لا معنى قانونيّ له لأنّ تقصير ولاية المجلس النواب تحتاج إلى تدخّل المجلس نفسه عبر إقرار قانون جديد يحدّد تاريخا مختلفا لانتهاء الولاية. أما الاحتمال الثاني، أي حلّ مجلس النواب، فهذا أيضا متعذّر لأنّه ليس للسلطة التنفيذيّة حلّ مجلس النواب إلا وفقا للشروط الصعبة التي يحددها الدستور ولا يمكن الاستنتاج بإمكانية حلّ مجلس في أي وقت قبل انتهاء المهلة الممددة في 31 أيار 2027.  

ومن الملاحظ أن الاقتراح يتبنى الصيغة ذاتها التي جرى اعتمادها عندما تم تأجيل الانتخابات البلدية سنة 2023 إذ نص القانون حينها أن التمديد للمجالس البلدية هو لمدة أقصاها 31 أيار 2024. وقد أبطل المجلس الدستوري في قراره رقم 6 تاريخ 30 أيار 2023 هذه النقطة تحديدًا، إذ اعتبر أنه لا يمكن السماح للسلطة الإداريّة بتحديد موعد إجراء الانتخابات وفقا للتالي: "وحيث إن ترك المشترع للسّلطة الإداريّة أمرًا هو من صلاحيته المقررة له في الدستور من ضمن صلاحيات شاملة، تتناول فيما تتناوله، الموعد الذي تجري خلاله الانتخابات، هو أمر مخالف للدستور، علمًا أنه كان بالإمكان تجنب هذه المخالفة الدستورية بعدم تضمين النص كلمة أقصاه".  

فإذا كان تمديد ولاية المجالس البلدية لفترة يمكن اختصارها من قبل السلطة التنفيذية يشكل مخالفة للدستور فإن هذه القاعدة تنطبق من باب أولى في حال التمديد لمجلس النواب، بالنظر إلى طبيعته كسلطة دستورية. وإذ كان التمديد للبلديات لفترة قابلة للاختصار هو أمر يمكن تخيّله قانونًا لأن هذه الأخيرة تخضع كليا للقانون الذي يحدد نظامها وولايتها ما يعني إمكانية الحكومة اختصار تلك الولاية في حال سمح القانون بذلك، لكن ترك تحديد متى تنتهي ولاية مجلس النواب إلى الحكومة لا يمكن تخيله اطلاقا كون ذلك يعتبر حلا للمجلس ونظام الحل محدد حصرا في الدستور.

وهكذا يصبح القانون أمام الواقع التالي: إما مخالفته الصريحة للدستور عبر استنتاج إمكانية قيام الحكومة بالدعوة إلى انتخابات نيابية مبكرة أو أن القانون لا معنى له لأن انتهاء ولاية المجلس قبل 31 أيار 2027 سيحتاج إلى تدخل جديد للسلطة التشريعية عبر إقرار قانون من أجل تعديل الولاية مرة ثانية لتقصيرها.


اقتراح مخالف للدستور 

من البديهي القول أن الاقتراح الحالي يخالف الدستور كونه يؤدّي إلى حرمان المواطنين من ممارسة حقوقهم السياسيّة من دون وجود أيّ ظرف استثنائي حقيقيّ يبرّر هكذا إجراء. وقد اعتبر المجلس الدستوريّ في أكثر من قرارٍ له  أن "مبدأ الإنتخاب هو التعبير الأمثل عن الديمقراطية وبه تتحقّق ممارسة الشعب لسيادته من خلال ممثليه، باعتباره مصدر السلطات جميعا، ومنه تستمد مؤسسات الدولة شرعيتها الدستورية" (قرار رقم 1 تاريخ 12/9/1997). وقد شدّد المجلس الدستوري في أكثر من قرارٍ له على مجموعة من المبادئ التي يمكن استنتاجها من سيادة الشعب لا سيما مبدأ "دورية الانتخابات". ففي قراره رقم 6 تاريخ 30 أيار 2023 والقرارات 5 و6 و7 تاريخ 28 أيّار 2024، أعلن المجلس الدستوري صراحة أن "حق الاقتراع، المكرس في المادة 21 من الدستور الذي يتولّد عنه مبدأ آخر وهو الدوريّة في ممارسة الناخبين لحقّهم في الاقتراع، ما يوجب دعوة الناخبين لممارسته بصورة دورية وضمن مدة معقولة."  وقد كرَّست هذا المبدأ أيضاً الفقرة "ب" من المادة 25 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

جرّاء ما تقدم، يصبح جليا أن الاقتراح الحالي يخالف مبدأ دورية الانتخابات ولا يوجد أي ظرف استثنائي يبرّر تمديد ولاية مجلس النواب علمًا أن مدّة التمديد التي يريدها الاقتراح أي سنة لا تدخل في عداد "التمديد التقني" لا بل هي طويلة جدا ولا يمكن تبريرها بالحاجة إلى تعديل قانون الانتخابات من أجل حلّ إشكالية اقتراع المغتربين. وقد عالج المجلس الدستوري أيضا هذه النقطة في القرار ذاته حول تمديد ولاية المجالس البلدية سنة 2023 فقال: "وحيث إن تقاعس الإدارة، التي كان لديها متّسع من الوقت للتحضير للانتخابات وإجرائها قبل انتهاء الولاية وفي المواعيد التي حدّدتها، لا يبرّر تمديد تلك الولاية وتركها لإرادة تلك الإدارة لمدة سنة، إذ أنه يظلّ ثمة احتمال أن تتقاعس مجدّداً حتى نهاية المهلة وتضع المجلس النيابي مرة جديدة أمام الأمر الواقع وكان بإمكان المجلس المذكور، نظراً للمعطيّات التي توفّرت له، بعدم إمكان إجراء الانتخابات في موعدها، أن يكون التمديد تقنياً، لفترة معقولة وقصيرة أي المدّة المناسبة التي تستدعيها تلك المعطيات". 

فتقاعس السلطة السياسية عن إزالة الغموض الذي يكتنف قانون الانتخابات قد يستمرّ لفترة طويلة ولا يمكن القبول بالاستمرار بتأجيل الانتخابات حتى حصول توافق بين الكتل المسيطرة على مجلس النواب من أجل حلّ هذه الإشكالية وكأن حقوق اللبنانيين هي رهينة مشيئة تلك الكتل والجهات السياسية التي تقف خلفها. 

وفي حين أن تأجيل الانتخابات مخالف للدستور بداهة، إلا إنه يُخشى أن يفشل المجلس الدستوري في إبطال قانون التمديد في حال تم الطعن به عبر تبنيه لاجتهاده السابق حول التمديد الذي حصل سنة 2014 إذ خلص حينها إلى رد الطعن "للحيلولة دون التمادي في حدوث الفراغ في المؤسسات الدستورية" لأن قانون التمديد جرى الطعن فيه قبل أسبوع فقط من انتهاء ولاية مجلس النواب "ما أدّى إلى تقليص الخيارات أمام المجلس الدستوري إلى حد كبير" (قرار رقم 7 تاريخ 28/11/2017). فعلى الرغم من أن المجلس الدستوري اعتبر أن تأجيل الانتخابات يخلّ بمبدأ دورية الانتخاب الذي يشكل الأساس والقاعدة في الأنظمة الديمقراطية التي تنبثق فيها السلطة من الشعب ما يجعله مخالفا للدستور لكنه رضخ لابتزاز السلطة السياسية التي جعلته يختار بين الدستور وحدوث فراغ في السلطة التشريعية في حال تمّ إبطال التمديد علما أن رئاسة الجمهورية كانت حينها شاغرة أيضا.        

       

في الخلاصة، يتبين أن النائب أديب عبد المسيح تطوّع من أجل تقديم هذا الاقتراح مبديًا حرصه على الدستور فقط لناحية إصراره على أن التمديد يحتاج إلى تدخل للسلطة التشريعية، لكنه تجاهل في المقابل كل المبادئ الدستورية التي تضمن ديمقراطية الحياة السياسية وكأن الدستور لا وجود له إلا لخدمة السلطة وليس لحماية حقوق المواطنين.