اقتراح قانون الإعلام: بين الإصلاحات الإيجابية والأفخاخ الجديدة
14/07/2026
من المقرر أن تنظر الهيئة العامة يوم الأربعاء المقبل في اقتراح قانون الإعلام الصادر عن لجنة الإدارة والعدل، بعد مسار طويل استمرّ قرابة عقد ونصف. وقد احتوى هذا الاقتراح أحكامًا إيجابية من شأنها تعزيز حماية الصحافيّين وحرية التعبير وتنظيم وسائل الإعلام من قبل هيئة تتمتع بدرجة هامة من الاستقلالية. إلا أنه احتوى أيضا على سلبيّات لا بد من التوقف عندها، علمًا أن هذه السلبيّات قد تضاعفت في الصيغة الأخيرة للاقتراح كما أنجزته اللجان المشتركة.
وقبل المضي في عرض إيجابيات الاقتراح وسلبياته، يجدر التنبيه إلى أن الاقتراح كما تبنّته اللجان المشتركة قد ألغى فصلا كاملا عن تنظيم وسائل الإعلام العامّ، من دون تقديم أي تبرير واضح لهذا الإلغاء. وفي حين أشارت مصادر للمرصد البرلماني إلى احتمال إعادة إدراج هذه الأحكام في الاقتراح في حال إقرار اقتراح قانون إخضاع المتعاقدين في وزارة الإعلام لشرعة التقاعد، فإن إلغاء هذا الفصل ينذر بإضعاف دور هذا الإعلام وشلّ قدرته على أداء وظيفته. علما أن الفصل الملغى كان يتضمن أحكامًا تبرز الدور المميز للإعلام العام مقارنة بالإعلام الخاص، وخصوصا لجهة التصدي للتضليل الإعلامي ومتابعة قضايا الفساد وإساءة استخدام السلطة وضمان المساواة في الظهور.
1- إيجابيات الاقتراح: تعزيز الحرية الإعلامية وحماية الصحافيين
هيئة مستقلة لتنظيم الإعلام ومراقبته
يسعى الاقتراح لإنشاء هيئة وطنية مستقلة. وضمانا لهذه الاستقلالية، نص الاقتراح على انتخاب 7 من أصل 10 أعضاء من قبل جهات مختلفة، منها الهيئات القضائية ومجالس نقابتي المحامين ونقابتي المهندسين… كما تسمّي هذه الجهات عددا من المرشحين ليعيّن مجلس الوزراء 3 منهم إلى عضوية الهيئة وفقا للأصول المحددة. كذلك يمنح الاقتراح الهيئة عددًا من الحصانات، لا سيّما لجهة عدم جواز إنهاء عضوية إلا ضمن آلية وحالات محددة، وعدم جواز اتخاذ قرار بتعليق أو وقف عمل الهيئة في أيّ ظرف من الظروف من قبل السلطة التنفيذية. كذلك يخوّل الاقتراح الهيئة صلاحيات مهمة في الرقابة على الإعلام بمعرض ممارستها لمهامّها المحددة في القانون وبالتدرّج بالنسبة للمخالفات القانونية ومخالفات دفاتر الشروط ومخالفات قواعد السلوك المهني، ووجوب العمل على ضمان حرية التعبير والإعلام والنشر وفق المبادئ العامة التي ينص عليها الدستور والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية ذات الصلة.
ورغم هذه الإيجابيات، إلا أننا نلحظ غياب أيّة آلية لضمان منع التعطيل في تشكيل الهيئة أو ضمان شفافية ونزاهة العملية الانتخابية داخل تلك الهيئات. نسجّل أيضا إقصاء الصحافيين عن عضوية الهيئة والاكتفاء بانتخاب خبير إعلاميّ. فضلا عن الغموض في المعايير المعتمدة مثل تحديد الحد الأقصى لعمر الأعضاء بـ 69 سنة، وحصر الانتخاب بمجالس النقابات عوضًا عن مجموع الجسم القضائي أو النقابي. كما يخلو الاقتراح من آليات تتيح التصدي السريع والفعال لحالات التحريض على الكراهية والتمييز، ولا سيما في الظروف الاستثنائية، كالحروب والأزمات، حيث تبرز الحاجة إلى تدخل عاجل للحدّ من انتشار هذا النوع من المحتوى، وهو ما أظهرته بوضوح التجربة خلال الحرب الأخيرة.
ومن جهة أخرى، يُستحسن تعزيز متطلبات الشفافية من خلال النص صراحةً على موجب نشر الشكاوى الواردة إلى الهيئة، والقرارات الصادرة بشأنها، والمراجعات المقدمة في مواجهتها ونتائجها، وعدم الاكتفاء بنشر التقرير السنوي. كذلك، يُفضَّل إخضاع النزاعات التي تنشأ بين الهيئة وموظفيها أو المتعاقدين معها لاختصاص القضاء الإداري، باعتبارها منازعات تتصل بممارسة مرفق عام وصلاحيات سلطة عامة، بدلًا من إحالتها إلى القضاء العدلي.
اعتماد نظام الحرية في إنشاء المواقع الإلكترونية مع حصر نظام الترخيص والرقابة المسبقة
يضمن الاقتراح التعددية الإعلامية من خلال التأكيد على حرية الإعلام الإلكتروني، وعدم إخضاع إنشاء المنصات والمواقع الإلكترونية الاعلامية لأي موافقة أو ترخيص مسبق، وإدراج المواقع الإلكترونية ضمن أحكام قانون الإعلام، وإلغاء عدد المطبوعات الدورية السياسية، وإلغاء رقابة الأمن العام المسبقة على طباعة وإصدار ونشر المنشورات غير الدورية، وجواز إنشاء المؤسسات التي تعتمد البث والنشر عبر وسائط الإنترنت والأقمار الصناعية وغيرها من التقنيات اللامحدودة وفق أصول العلم والخبر.
الحد من المقاربة الجزائية
يُخرج الاقتراح بعض الأفعال، مثل القدح والذم ونشر ما يُحظر نشره، من نطاق التجريم الجزائي، ويحيلها إلى المحاكم المدنية، وهو توجّه إيجابي ينسجم مع حماية حرية التعبير. كما يلغي الامتيازات الخاصّة بالرؤساء والموظّفين العامين ويوسّع حدود النقد المباح في قضايا القدح والذم، من خلال تمكين المدعى عليه من إثبات صحة الخبر المتعلق بالوظيفة أو بالمصلحة العامة للشخصيات العامة، والاكتفاء بتقديم بيّنات أو قرائن على صحة المعلومات المنسوبة. وتتولى المحكمة، عند الاقتضاء، استكمال هذه البيّنات والقرائن عبر إلزام الإدارات أو الجهات المختصة، وكذلك المدعي، بتقديم ما لديهم من معلومات أو مستندات. التحريض على الكراهية والتمييز: أدخل الاقتراح جرم التحريض على الكراهية والتمييز، إلا أنّه ربطه بمعايير الرباط بهدف الحدّ من التعسّف في تطبيق النصوص الجزائية. ويُعدّ هذا الخيار قابلًا للتبرير، نظرًا إلى أنّ التحريض من الأفعال الأكثر مساسًا بالمصلحة العامة، وقد يستدعي، عند استيفاء شروطه، تدخلًا جزائيًا.
إلا أن هذه الإيجابية قد انحسرتْ من خلال إعادة تجريم الخبر الكاذب وهذا ما نعالجه ضمن السلبيات.
إلغاء المسؤولية القانونية عن بعض الأفعال
يلغي الاقتراح الجرائم المتصلة بالتحقير وإثارة النعرات وتعريض البلاد للمخاطر المنصوص عليها في القانون الحالي. كذلك ينصّ على أن بعض مواد قانون العقوبات لا تنطبق على الوسائل الإعلامية الخاضعة لأحكامه، مما يوفّر حماية إضافية للصحافيين والنشر الإعلامي. من بينها: جرائم القدح والذم الواقعة على الأشخاص، والتحقير الواقع على السلطة العامة ونشر الأنباء الكاذبة والمسّ بالشعور الديني والوطني.
يُسجَّل أيضًا للاقتراح اعتماده، في المادة 98، المصلحة العامة معيارًا فاصلًا بين ما يجوز نشره وما لا يجوز. وقد أورد أمثلة على الحالات التي تُعد من قبيل المصلحة العامة، كمساءلة الأشخاص المكلَّفين بشؤون عامة، والكشف عن قضايا الفساد، وحماية الحريات العامة، والأمن العام، والصحة العامة. كما لم يُغلق الباب أمام نشر المعلومات المتعلقة بالحياة الخاصة للأفراد، متى كانت صحيحة ومرتبطة ارتباطًا مباشرًا وموضوعيًا بالمصلحة العامة. كذلك أجاز تداول القضايا التي لا تزال قيد التحقيق، إذا كانت تمثّل قضية رأي عام أو تتصل بالمصلحة العامة.
تعزيز حماية الصحافيين
يتضمّن الاقتراح موادّ هامّة ومفصلية لحماية الصحافيين، لا سيما من حيث حماية المصادر الصحافية والحرية النقابية واستقلالية التحرير والحماية من الاعتداءات واحترام مبدأ الضمير المهني وحق الوصول إلى المعلومات. ويكتسب هذا الأمر أهمية بالغة، خصوصًا أنّ حرية الإعلام ترتبط بشكل وثيق بضمان سلامة الصّحافيين، فلا يمكن الحديث عن حرية الإعلام في ظلّ غياب الحدّ الأدنى من الحماية القانونية للعاملين في هذا المجال.
احترام مبادئ المحاكمة العادلة في مجال حرية التعبير
ينصّ الاقتراح على إنشاء غرفة مدنية ابتدائية في مراكز المحافظات والتقاضي على 3 درجات وتطبيق أصول المحاكمة الموجزة في كل مراحل المحاكمة وإلغاء صلاحية المحكمة العسكرية والإبقاء على مبدأ عدم جواز التوقيف الاحتياطي في القضايا الخاضعة لهذا القانون.
تعزيز الدور الاجتماعي للإعلام
يتضمن الاقتراح عددًا من الموادّ التي قد تسهم في تعزيز النزاهة الإعلامية والتزام المؤسسات الإعلامية بالمسؤولية الاجتماعية المترتبة عليها. أبرز تلك البنود:
- تكليف الهيئة الوطنية للإعلام بصياغة مدونات السلوك وإقرارها وفق آلية تشارك بين الفئات المعنية ومنها المؤسسات الإعلامية والصحافيين والنقابات والجمعيات المعنية بحرية الإعلام. في هذا الصدد، نسجّل ملاحظتين: الأولى، ضرورة صياغة مدوّنات السلوك كأدوات توازن بين حرية التعبير ووظيفة الإعلام الاجتماعية، لا مجرد تكرار للقوانين أو مراعاة الحساسيات، وتشمل الواجبات، وتشديدًا على البحث عن الحقيقة، والدفاع عن استقلالية الإعلام، والتضامن مع الصحافيين، إضافةً إلى قواعد خاصة لفترات الأزمات والتدريب عليها. الملاحظة الثانية، الحفاظ على فاعلية آلية التشاور دون تحويلها إلى نصوص تجمّدها أو تفتح الباب للطعن فيها، عبر الإبقاء على مبدأ التشاور والنشر على الموقع الإلكتروني مع إتاحة مشاركة الأطراف المعنية دون فرض التزام شامل قد يعطل الآلية.
- منع وسائل الإعلام ومالكيها من الاستحصال على أية منفعة بطريقة غير مشروعة أو الانخراط في أنشطة قد تُعدّ تضاربًا في المصالح. كذلك حظر على المؤسسات الإعلامية ومالكيها الحصول على امتيازات أو إبرام عقود مع الدولة أو المؤسسات العامة أو البلديات أو أي جهة تتعامل بالأموال العامة. رغم أن هذه المادة تسعى ظاهريا للحد من التدخل في الإعلام والحفاظ على نزاهته، إلا أنّها لا تزال غير واضحة، وثمة احتمال لاستغلالها إذا لم تُوضّح حدودها وصلاحيات تطبيقها.
- تكريس موجب التمييز بين الإعلام والإعلان ضمن أهداف الاقتراح، وإلزام جميع وسائل الإعلام أن تفصل بشكل كامل وواضح بين المحتوى الإعلامي والمحتوى الإعلاني بما يضمن نزاهة الإعلام واستقلالية التحرير عن الإعلانات وحق الجمهور في المعرفة وعدم استغلال ثقة الجمهور بالمحتوى الإعلامي لتمرير رسائل تجارية أو سياسية مبطّنة.
2- سلبيات اقتراح القانون: إسقاط ضمانات منع الاحتكار الإعلامي والإعلاني والالتفاف على إلغاء المقاربة الجزائية
لا ضمانات لمنع الاحتكار الإعلامي
ألغت اللجان المشتركة الضمانة الأساسية ضد احتكار الإعلام والمتمثّلة في الفقرة ما قبل الأخيرة من المادة 8 التي كانت تنصّ على أنّه "لا يحق لأيّ مساهم واحد أو لأي مالك لحق اقتصادي واحد أن يمتلك أكثر من عشرة بالمئة (10%) من رأسمال الشركة أو أن يتمثل بأكثر من عشرة بالمئة (10%) من أعضاء مجلس الإدارة، بشكل مباشر أو غير مباشر، ويعتبر الزوج أو الزوجة وأصولهما وفروعهما بمثابة الشخص الواحد". وقد بُرِّر إلغاء هذه المادة بالقول إنّها "لا تعبّر عن واقع الحال".
والواقع أن هذه الفقرة ضرورية للحفاظ على الضمانات التي تحول دون تركّز ملكية وسائل الإعلام أو السيطرة عليها من قبل بعض الجهات، بما يكفل التعددية الإعلامية ويحمي حرية التعبير وتنوّع الآراء. إن إلغاء هذه الفقرة يتناقض النص في أهدافه (الفقرة 7 من المادة 3) إلى منع الاحتكارات في تملّك وسائل الإعلام وتعزيز المنافسة الحرّة العادلة بما يتناسب مع حجم السوق وحاجاته، لا سيما في تأسيس وسائل الإعلام الخاضعة للترخيص. كما لا يردّ على ذلك أنّ الفقرة الملغاة لا تعبّر عن واقع الحال، لأنّ دور التشريع لا يقتصر على تكريس الواقع القائم، بل يتمثل أساسًا في وضع الضوابط التي تمنع استمرار أنماط الهيمنة، ولا سيما في قطاع الإعلام الذي يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالتعددية وحرية التعبير.
وفي كلّ الأحوال، كان بالإمكان مناقشة النسبة المحددة وتعديلها، بدلًا من إلغاء الفقرة بالكامل.
على صعيد آخر، يبقى ما حذّرنا منه سابقًا، إذ إنّ السماح لكل شركة إعلامية بامتلاك مؤسسة تلفزيونية واحدة ومؤسسة إذاعية واحدة عن كل فئة من الفئات المحددة في هذا القانون، يهدّد التعددية الإعلامية، بخاصّة أن عدد المؤسسات التي تعتمد على شبكة البث التلفزيوني والإذاعي الترددي الأرضي من قنوات وموجات تملكها الدولة اللبنانية محدود ولا يمكن تجاوزه حتى تاريخه. فضلًا عن ذلك، يسمح القانون للأجانب تملك كامل المؤسسات الإعلامية غير السياسية، فيما يسمح لهم بامتلاك 20% من رأس المال في المؤسسات الإعلامية السياسية، من دون تحديد عدد المؤسسات الإعلامية التي يمكن أن يتملك فيها الأجانب. كما أنه لا يتضمن تحديدًا قانونيًا لمن يعتبر شخصًا واحدًا، وهو ما يترك مجالًا للتلاعب.
إلغاء الضمانات لمنع احتكار الإعلانات
كذلك، ألغى الاقتراح الضمانات لمنع احتكار الإعلانات من خلال إلغاء الفقرة (ب) من المادة 66 التي كانت تنص على أنه "يحظر على قسم الإعلانات في شركات البث أو على شركات الإعلان المتعاقدة معها أن تربط إعلاناتها بصورة حصرية مع وسيط إعلان واحد". نتحفّظ على إلغاء هذه الفقرة، لأنّ ذلك يفتح المجال أمام إبرام عقود حصرية تمنح وسيطًا إعلانيًا واحدًا للسيطرة على تسويق الإعلانات الخاصّة بوسيلة إعلام معينة، بما قد يؤدي إلى تركّز سوق الإعلانات والحد من المنافسة والإخلال بتكافؤ الفرص بين الوسطاء الإعلانيين، وينعكس كذلك على استقلالية وسائل الإعلام وتنوّعها، بما لا ينسجم مع أهداف القانون.
استثناءات تعيد المقاربة الجزائيّة: تجريم الخبر الكاذب
كما سبق بيانه، أعاد الاقتراح فتح باب الملاحقة الجزائية من خلال إعادة تجريم الخبر الكاذب. فقد أعادت اللجان المشتركة تكريس هذا التجريم من خلال النص على معاقبة كل من "تعمّد اختلاق أضاليل ونشر أخبار كاذبة ومؤذية"... ويثير هذا التعديل عددًا من الإشكاليات:
- لا يتّضح مبرر إعادة التجريم، إذ يتعارض مع التوجه العام للاقتراح الرامي إلى الحدّ من التجريم الجزائي في قضايا النشر، كما لا ينسجم مع المعايير الدولية لحرية التعبير. وحتى إذا رأت اللجان ضرورة الإبقاء على تنظيم هذا الفعل، كان من الممكن إخضاعه للمسؤولية المدنية بدلًا من إعادة تجريمه جزائيًا.
- يستخدم النص تعابير فضفاضة، مثل "اختلاق أضاليل" و"أخبار كاذبة" و"مؤذية"، من دون أن يبين المقصود بها أو الحدود الفاصلة بينها. فلا يتضح ما الذي تضيفه عبارة "اختلاق أضاليل" إلى مفهوم الخبر الكاذب، كما أن وصف الخبر بأنه "مؤذٍ" يظل معيارًا غير محدد، إذ لا يربط الأذى بمصلحة عامة معينة أو بخطر فعلي على الأمن أو السلم العام. وبذلك، لا يضع الاقتراح أي قيد موضوعي يحصر نطاق التجريم في الحالات التي تستدعي تدخل القانون الجزائي، بل يفتح المجال لملاحقة أي خبر كاذب يُدّعى أنه ألحق ضررًا بأي شخص، بصرف النظر عن طبيعة الأذى أو جسامته.
- يتيح هذا التعديل الالتفاف على استبعاد قضايا القدح والذم من نطاق التجريم الجزائي. فالممارسة القضائية تُظهر تداخلًا واضحًا بين مفاهيم القدح والذم والخبر الكاذب، الأمر الذي قد يسمح بإعادة ملاحقة الصحافيين جزائيًا تحت أوصاف قانونية مختلفة، رغم نقل دعاوى القدح والذم إلى القضاء المدني. وتزداد خطورة ذلك لأن الاقتراح عزّز ضمانات حرية التعبير في قضايا القدح والذم، ولا سيما من خلال توسيع إمكان إثبات صحة الخبر، في حين لا يوفّر جرم الخبر الكاذب الضمانات نفسها.
- أُدرج الخبر الكاذب في المادة نفسها التي تنظّم التحريض، ما يؤدي إلى إخضاعه أيضًا لأحكام الفقرة (ج) المتعلقة بتشديد العقوبة عند ترتّب نتائج على الفعل، رغم اختلاف طبيعة الجرمين.
- يبدو هذا التعديل غير مبرّر من الناحية التشريعية، إذ إن حالات النشر التي تنطوي على خطر فعلي يمكن ملاحقتها جزائيًا أصلًا بموجب جرم التحريض، متى توافرت شروطه، ما يجعل إعادة إدراج جرم الخبر الكاذب أقرب إلى تراجع عن إلغاء المقاربة الجزائية ومحاولة الالتفاف على الإيجابيات التي كرّسها القانون، أكثر منها استجابة لحاجة تشريعية فعلية.
ثغرات أخرى
أغفل الاقتراح حظر التحقيق مع الصحافيين في القضايا الجزائية أمام جهات أمنية أو قضائية غير مختصة، ومنع التوقيف الاحتياطي للصحافيين في قضايا النشر غير الخاضعة لأحكام هذا القانون. كما لم يتطرق الاقتراح إلى الباب الرابع من القانون الحالي الخاص باتحاد الصحافة اللبنانية، رغم أن هذا الباب يعاني من قصور في مراعاة التعددية المهنية والإعلامية والحرية النقابية، فضلاً عن التطور المتسارع للإعلام الرقمي والمستقل. ومن المفيد أيضًا حصر التفتيش أو أي إجراءات قضائية أخرى متخذة بحق مصادر الصحافيين بالحد الأدنى الضروري، وبما يتوافق مع الهدف الذي صدر من أجله قرار التفتيش.
حُذفت حالات النشر المحظور واستبدلت بمادة عامّة مفادها حظر نشر أو بث كل ما يخالف القوانين المرعية الإجراء. وقد أدّى هذا الأمر إلى التخلي عن أحكام كانت توفر حماية خاصة لفئات هشّة، ولا سيما القاصرين الذين أقدموا على الانتحار وضحايا جرائم الاغتصاب، إذ كانت تمنع نشر أي معلومات من شأنها الكشف عن هويتهم، إلا بموافقة الضحية أو، بالنسبة إلى القاصرين، بإذن من قاضي الأحداث.
كذلك يمنح الاقتراح المتضرر من النشر حق طلب إزالة المادة الإعلامية المشكو منها، من دون أن يراعي أيّ تدرج في الإجراءات (كأن يكون رفض التصحيح أمام طلب الإزالة)، أو يحدّد أسبابًا تسمح للمؤسسة الإعلامية برفض طلب الإزالة، على غرار ما هو معمول به في حالات رفض نشر الرد أو التصحيح.
كذلك الموادّ 385 إلى 387 من قانون العقوبات، المتّصلة بجرائم القدح والذمّ الواقعة على السّلطة العامّة، تبقى محلّ التباس لعدم إلغاء تطبيقها في النصّ.