اقتراح تحفيز الاستثمارات في لبنان: محاولة لإعادة إحياء النموذج الاقتصادي المنهار على حساب الخزينة

فادي إبراهيم

14/07/2026

انشر المقال

في 22/6/2026، أقرّت لجنة المال والموازنة مشروع  قانون تحفيز الاستثمارات في لبنان أو ما اصطُلح على تسميته في الإعلام “الإقامة الذهبية” على غرار ما هو معمول به في دول أخرى. وقد وُضع على جدول أعمال الهيئة العامة للمجلس النيابي المزمع عقدها في 15 و16 تموز 2026 تمهيدًا لإقراره. ويهدف المشروع، وفق أسبابه الموجبة، إلى استقطاب أصحاب الرساميل وتشجيعهم على نقل إقامتهم الضريبية إلى لبنان، عبر منحهم الحق بالاستفادة من نظام ضريبي خاص في حال استيفائهم شروطًا تتعلق بالاستثمار والإقامة وتسديد ضريبة سنوية مقطوعة.

وفيما تركّز النقاش الإعلامي على ما سمّاه مفهوم “الإقامة الذهبية”، إلا أنّ القراءة المتأنية للمشروع تكشف أنّه لا يقتصر على استحداث نظام للإقامة الضريبية، بل يؤسس لنظام ضريبي استثنائي يمنح امتيازات واسعة لفئة محددة من الأشخاص، ويعيد في الوقت نفسه الاعتبار إلى الخيارات الاقتصادية والمالية نفسها التي حكمت لبنان قبل الانهيار، أي الاقتصاد الريعي القائم على استقطاب الرساميل إلى القطاعين المصرفي والعقاري من خلال الامتيازات الضريبية، بدل تشجيع الاستثمار في القطاعات الانتاجية. كما يثير المشروع جملة من الإشكاليات الدستورية والضريبية والتطبيقية التي تستدعي التّوقف عندها. وفي تلخيص للتوجّه الذي نلحظه في المشروع، فإنّ الدولة تتخلّى عن جزء من إيراداتها التي كان يُفترض أن تجبيها من ضريبة الدخل أو رسوم الانتقال، مقابل أن يتم استثمار أموال مع أصحاب المصارف أو المضاربين العقاريين.

تجدر الإشارة إلى أنّ المشروع قد أقرّ في لجنة المال والموازنة مع تحفّظ وحيد من قبل النائبة غادة أيوب. وقد استتبع معارضة أيوب للاقتراح تقديم كتلة الجمهورية القوية لاقتراح قانون أكثر تفصيلًا حول الموضوع نفسه، إلّا أنّه لم يُدرج على جدول أعمال الجلسة. 

وعليه، سنحاول الإحاطة بأبرز الملاحظات التي يُمكن إيراداها على هذا المشروع، بعد استعراض مضمونه.

مضمون المشروع

يقترح المشروع تعديل ثلاث مواد أساسية، قوامها إعفاءات ضريبية، وهي على الشكل التالي:

  • المادة 77 من قانون ضريبة الدخل، بحيث يُعفى الأشخاص الطبيعيون اللبنانيون وغير اللبنانيين الذين يصبحون “مقيمين” في لبنان وفق التعريف الجديد من الضريبة على إيرادات الأسهم الأجنبية وسندات الدين الأجنبية وسائر إيرادات رؤوس الأموال المنقولة الأجنبية، وذلك حتى نهاية السنة العشرين التي تلي نشر القانون، شرط أن يكونوا غير مقيمين في لبنان خلال مدة 4 سنوات قبل نشر القانون.
  • المادة 73 (البند الخامس) من قانون ضريبة الدخل، لتنظيم المعاملة الضريبية لربح التفرغ عن أسهم الشركات العقارية بالنسبة إلى المستفيدين من النظام الجديد.
  • المادة الثالثة من قانون رسم الانتقال، بحيث يُعفى الأشخاص الذين يصبحون مقيمين وفق التعريف الجديد من رسم الانتقال على الأموال المنقولة وغير المنقولة الموجودة خارج لبنان.

ويشترط المشروع للاستفادة من هذا النظام أن يستثمر الشخص أو يودع في لبنان ما لا يقلّ عن مليون دولار للأجنبي وخمسمائة ألف دولار للبناني، سواء عبر إيداع مصرفي أو تملك عقارات أو “غير ذلك من الاستثمارات” التي يحددها مرسوم لاحق، وأن يتواجد في لبنان مدة لا تقل عن تسعين يومًا سنويًا، وألا يكون قد صدر بحقه حكم قضائي في لبنان والخارج، وأن يسدد ضريبة سنوية مقطوعة لا تقل عن خمسين ألف دولار أميركي تحدّد لاحقًا بمرسوم. 

وفي حال توفّر هذه الشروط، يُمكن للمستثمر وعائلته (الزوج/ة والأولاد القاصرين ولو بالتبنّي) الحصول على بطاقة إقامة تُجدّد سنويًا في حال استمرار استيفاء الشروط وتسديد الضريبة السنوية المذكورة.

وعليه، فإن المشروع لا يمنح مجرد امتياز ضريبي محدود، بل ينشئ نظامًا ضريبيًا خاصًا يختلف عن النظام العام الذي يخضع له سائر المكلفين.

غياب دراسة للأثر المالي والاقتصادي

قبل الغوص في الملاحظات العديدة على مضمون الاقتراح، من الضروري وضع ملاحظة منهجية قوامها أنّ مشروع القانون وأسبابه الموجبة والنقاش في لجنة المال والموازنة وتقريرها، لم يتضمّنوا أيّ رقم أو دراسةٍ لأيّ جدوى بالمطلق حول ما يُمكن توقّعه من هذا المشروع. فرغم ما يرتبه المشروع من إعفاءات ضريبية واسعة، لا تتضمن أسبابه الموجبة أيّ دراسة تبين عدد المستفيدين المتوقعين، أو حجم الرساميل التي يرجح استقطابها، أو مقدار الإيرادات التي قد تحققها الضريبة السنوية، أو الخسائر الضريبية التي قد تتحملها الخزينة. كما تغيب أي مقارنة بين كلفة هذه الإعفاءات والعائد الاقتصادي المتوقّع منها، بما يجعل المشروع أقرب إلى رهان سياسي واقتصادي غير مدعّمٍ بأي معطى. فمصالح من يحاول إفادتها هذا الرهان؟

إعادة إنتاج النموذج الاقتصادي الريعي

يقدّم المشروع نفسه بوصفه أداةً لتحفيز الاستثمار، إلا أن شروط الاستثمار التي يعتمدها تكشف توجهًا لم يأخذ العبر من النموذج الاقتصادي والمالي المُنهار في لبنان. فلئن حفظ المشروع للحكومة إمكانية تعريف النشاطات الاستثماريّة التي تفتح باب الاستفادة من الإعفاءات بموجب مرسوم، فإنه اكتفى بمنح الامتياز لاستثمارين فقط هما  إيداع مبلغ في أحد المصارف اللبنانية، أو شراء عقار. 

وبذلك، يعيد المشروع توجيه الرساميل نحو القطاعين اللذين شكّلا عماد النموذج الاقتصادي اللبناني قبل الانهيار: المصارف والتطوير العقاري. وهذا النموذج نفسه كان محلّ انتقاد واسع لقيامه على استقطاب الرساميل قصيرة الأجل والمضاربة العقارية، بدل الاستثمار في القطاعات المنتجة القادرة على خلق قيمة مضافة وفرص عمل مستدامة.

واللافت أن المشروع لا يضع أي تمييز بين من يضخ أموالًا في الاقتصاد الحقيقي ومن يكتفي بإيداعها في مصرف، رغم الفارق الجوهري بين الأثرين الاقتصاديين. لا بل أنّ تشجيع الاستثمار في المضاربة العقارية مقابل غياب أي سياسية إسكانية، من شأنه أن يزيد من محنة السكن في لبنان وكلفته المرتفعة.

وعليه، يبدو المشروع أقرب إلى محاولة إحياء النموذج الريعي الذي سبق الانهيار، بدل استخلاص الدروس منه وإعادة توجيه السياسات العامة نحو الاقتصاد المنتج.

تفويض غير دستوري في تحديد الضريبة

ينص المشروع على أن المستفيد يسدد “ضريبة سنوية مقطوعة لا تقلّ عن خمسين ألف دولار أميركي تُحدد بموجب مرسوم يصدر عن مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير المالية”. وتثير هذه الصياغة إشكالية دستورية حسمها المجلس الدستوري في العديد من القرارات، إذ إن المادة 81 من الدستور تقضي بأن فرض الضرائب وتحديدها يتم بقانون يصدر عن مجلس النواب، ولا يُمكن تعديل أو استحداث أو تحديد ضريبة سوى عن طريق المجلس النيابي. أما المشروع، فيكتفي بوضع حدّ أدنى للضريبة، ويترك تحديد مقدارها الفعلي للسلطة التنفيذية.

ولا تقتصر المشكلة على مجرد التفويض، بل تمتد إلى غياب أيّ حدّ أقصى للضريبة، بحيث يصبح بإمكان مجلس الوزراء رفعها إلى أي مبلغ يراه مناسبًا، من دون العودة إلى السلطة التشريعية. وهو ما يمس بمبدأ شرعية الضريبة، الذي يعد أحد أبرز مظاهر الرقابة البرلمانية على المال العام.

لبنان جزيرة من جزر التهرّب الضريبي؟

يعتمد المشروع تعريفًا جديدًا للإقامة يختلف عن المفهوم التقليدي للإقامة الضريبية. فالشخص يعدّ مقيماً متى استثمر المبلغ المطلوب على الوجه المحدد في المشروع، وأقام في لبنان تسعين يومًا فقط خلال السنة.

ويثير ذلك تساؤلات حول مدى انسجام هذا التعريف مع مفهوم الإقامة الضريبية الذي يقوم عادة على مركز المصالح الاقتصادية أو الشخصية أو على الإقامة الفعلية لفترة أطول. أما الاكتفاء بتسعين يومًا، فيتيح عمليًا أن يبقى الشخص مقيماً في معظم السنة خارج لبنان، مع تمتعه في الوقت نفسه بإعفاءات ضريبية واسعة.

ويؤدي ذلك إلى إنشاء إقامة ضريبية “اصطناعية” أكثر منها إقامة فعلية، بما قد يحول لبنان إلى منصة للتهرّب الضريبي الدولي بدل أن يكون مقصدًا لاستثمارات حقيقية.

استحداث فئة ضريبية استثنائية: توحيد ضريبة الدخل أم نظام امتيازات؟ 

لا يكتفي المشروع بمنح إعفاءات ضريبية، بل ينشئ عمليًا فئة جديدة من المكلفين تخضع لقواعد مختلفة عن تلك التي يخضع لها سائر المقيمين في لبنان. فالمقيم العادي يبقى خاضعًا للنظام الضريبي العام، في حين يتمتع المقيم وفق المادة 77 المعدلة بإعفاءات واسعة على إيراداته الخارجية وعلى أمواله الموجودة خارج لبنان، لقاء تسديد مبلغ مقطوع.

ويطرح هذا التمييز تساؤلات حول مدى انسجامه مع مبدأ المساواة أمام الأعباء العامة، إذ يصبح الأشخاص الذين يقيمون في البلد نفسه ويستفيدون من الخدمات العامة نفسها خاضعين لأنظمة ضريبية مختلفة بصورة جوهرية. لا بل أكثر من ذلك، فقد وصل إلى الحكومة مشروع قانون جديد لضريبة الدخل في أوائل العام 2026 من وزارة المالية نفسها التي أعدّت مشروع تحفيز الاستثمارات، يسعى بشكل خاص إلى توحيد الضريبة على الدخل ووضعها في وعاء موحّد لفرض ضرائب تصاعدية أكثر عدالة عليها. إلّا أنّ هذا المشروع بدأ تفريغه قبل أن يُبصر النور حتّى عن طريق استحداث هذه الفئة الضريبية الاستثنائية ممّن هم الأعلى دخلًا، بما يجعل مسودّة مشروع الحكومة حول توحيد ضريبة الدخل في موقع مناقض للمشروع الراهن.

إعفاء واسع من رسم الانتقال

لا يقتصر المشروع على تعديل قانون ضريبة الدخل، بل يمتد إلى قانون رسم الانتقال، بحيث يعفي الأموال المنقولة وغير المنقولة الموجودة في الخارج من هذا الرسم إذا كانت عائدة إلى شخص أصبح مقيماً وفق النظام الجديد.

ويمثل هذا التعديل امتيازًا ضريبيًا إضافيًا بالغ الأهمية، إذ يسمح بانتقال ثروات موجودة في الخارج إلى الورثة من دون خضوعها للرسم اللبناني رغم الإقامة في لبنان، من دون تبيان  المبررات الاقتصادية أو المالية لهذا الإعفاء، أو أثره على إيرادات الخزينة.