تمرّد نائبيْن على المجلس الدستوري: منطق التسوية والإعفاء الضريبي أولا

فادي إبراهيم

02/05/2024

انشر المقال

تقدّم النائبان علي فياض وجهاد الصمد باقتراح قانون معجّل مكرّر يرمي إلى إجراء تسوية ضريبية على التكاليف غير المسدّدة المتعلّقة بضريبة الدخل والضريبة على القيمة المضافة المعترض عليها أمام لجان الاعتراض. وفي التفاصيل، تُحدّد التسوية بقيمة 50% من قيمة الضرائب المعترض عليها أمام لجان الاعتراض من قبل المكلّفين، على أن تشمل أعمال عام 2020 وما قبل. 

وقد جاء في الأسباب الموجبة للاقتراح أنّ معظم لجان الاعتراض على الضريبتيْن يتعذر عليها البتّ بالطّلبات المقدّمة إليها بسبب الشغور الحاصل فيها وبالتالي فقدانها لنصابها. وقد أضافت الأسباب الموجبة أنّه يتعذّر حاليا ملء الشواغر في اللجان بسبب "الظروف الاستثنائية والقاهرة"، ما يستدعي التدخل حفاظا على مصلحة الخزينة وذلك ليسدّد هؤلاء ما عليهم من ضرائب، وكذلك عملا بمبدأ العدالة الضريبيّة الذي أعطى المكلّفين الحق بالاعتراض.

واللافت أن هذا الاقتراح يستعيد بشكل شبه حرفي المادة 87 من من قانون موازنة العام 2024 والتي كان أبطلها المجلس الدستوري في قراره الصادر في تاريخ 4/4/2024، وذلك لتعارضها مع قوة القضية المقضية المتمثلة في قراريه بشأن موازنتيْ 2018 و2022، فضلا عن مخالفة هذه التسوية لمبدأ المساواة والعدالة الاجتماعية والضريبية. 

إنّ هذا الاقتراح يقبل الانتقاد من عدّة زوايا، أهمها الآتية: 

تحدٍّ لقرارات المجلس الدستوري

كما سبق بيانه، يأتي هذا الاقتراح بمثابة تمرّد على 3 قرارات للمجلس الدستوري صدرت تباعا في 2018 و2022 و2024، بما يخالف تماما المادة 13 من قانون إنشاء المجلس الدستوري التي نصّت على أنّ قرارات المجلس الدستوري ملزمة لجميع السلطات العامة والمراجع القضائية والإدارية، أي أنّها تتمتّع بحجية مطلقة تجاه الجميع.

وأكثر ما يلفت هو أن التحدي بات متعمّدا ومتكرّرا من قبل جهات عدة، بما يشكل ازدراء بمؤسسة المجلس الدستوري، ففيما دأبت الحكومات المتعاقبة ولجنة المال والموازنة على تجاهل هذه القرارات والتعامل معها كأنها غير موجودة، فإن مقدّميْ الاقتراح الحالي يذهبان أبعد من الجهات تلك في تحدي المجلس الدستوري من منطلق أنهما قدماه ولم ينشف بعد الحبر عن قرار الدستوري، وكنتيجة تصحيحية لموازنة 2024 كما أصبحت تبعا لهذا القرار. وما يزيد من قابلية الأمر للانتقاد هو لزوم مقدّمي الاقتراح صمتا مطبقا حيال قرار الدستوري والنتيجة المترتبة عنه، وذلك أملا بتمريره من دون لفت الأنظار إلى مخاطره وأبعاده على صعيد الاستقواء على مؤسسات الدولة وتقويض الدور المرجو منها. 

خطورة التمسك بمنطق التسوية الضريبية 

إن هذا الاقتراح ليس خطرا فقط لتعارض مضمونه مع القوة المقضية لقرارات المجلس الدستوري، بل أيضا لتعارضه مع مبادئ المواطنة والعدالة الضريبية. وهذا ما بيّنه المجلس نفسه تكرارا في قراراته، لجهة أنّ التسوية (المقرة أو المقترحة) تخالف مبدأ المساواة بين من دفع ضريبته من جهة ومن تخلّف عن القيام بموجبه لمصلحة هذا الأخير، "ومن شأنها تشجيع المواطنين على التخلف عن تسديد الضرائب المتوجبة عليهم، وحمل الذين دأبوا على الالتزام بتأدية واجبهم الضريبي، على التهرب من تسديد الضرائب المتوجبة عليهم، أملاً بصدور قوانين إعفاء ضريبي لاحقاً". كما أكّد المجلس في قراراته الثلاث أنّ هذه المادة "تؤدي إلى التفريط بالمال العام، وبالتالي زيادة العجز في الموازنة العامة، في وقت تزاد فيه الضرائب والرسوم على سائر المواطنين من أجل تغذية الموازنة وتخفيض العجز المتنامي فيها". كما أكّد المجلس الدستوري أنّ هذه المادة تخالف مبدأ استقلالية القضاء بحيث "لا يجوز للسلطة الاشتراعية أن تستبق قرار القضاء بشأن نزاع معروض عليه، ووضع قانون يتناول هذا النزاع، وإلا كان مخالفاً لمبدأ استقلالية السلطة القضائية ولمبدأ الفصل بين السلطتين الاشتراعية والقضائية".

حجج واهية تحرم الدولة من إيراداتها

أخيرا، تقتضي الإشارة إلى أن الحجج التي استند إليها الاقتراح لضرب كل ما تقدم من مبادئ وأصول (ومنها تعذر انعقاد لجان الاعتراض الضريبية نتيجة ظروف استثنائية وقاهرة)، إنما تبقى هي واهية لا تصمد أمام أي جدل جدّي. وإثباتا لذلك، يجدر التذكير بما يأتي: 

أولا، إنّه من الثابت من الأسباب الموجبة أن الشغور لا ينطبق على مجمل اللجان، إنما على معظمها، بمعنى أن ثمة لجانا قادرة على العمل ومن الممكن نظريا تفويضها استثنائيا بمعالجة الملفات العالقة لدى لجان أخرى يتعذر انعقادها عند الاقتضاء، مما ينفي أي ادعاء بوجود استحالة بت النزاعات. هذا فضلا عن أن ما قيل لجهة وجود ظروف أزمة استثنائية لا يصمد حقيقة أن آلية التسوية الضريبية للتكاليف المعترض عليها تم اعتمادها منذ ما قبل الأزمة في العام 2018 أي منذ ما قبل الانهيار المالي وفي وقت كانت ما زالت اللجان قادرة على القيام بأعمالها.

ثانيا، إنّه كان من المفترض أن تحلّ هذه اللجان كلها وأن تنتقل صلاحياتها بالكامل إلى محاكم الدرجة الأولى الإدارية التي أعلن قانون نظام مجلس شورى الدولة الصادر في العام 2000 إنشاءها وذلك سندا للمادتيْن 99 و100 من قانون الإجراءات الضريبية. وعليه، يتبيّن أنّ الاقتراح يأتي لمعالجة نتيجة تولّدت عن ظرفيْن استثنائييْن، الأول قوامه عدم تشكيل محاكم الدرجة الأولى الإدارية الذي أدّى إلى اللجوء إلى تشكيل لجان الاعتراض، والثاني قوامه الشغور في بعض لجان الاعتراض. وبدل أن يحاول الاقتراح إيجاد حلول للوضعيْن الشاذيْن أعلاه، يسعى إلى حلّ معضلة الاعتراضات العالقة أمام لجان الاعتراض عبر مخالفة دستورية تضرب مفاهيم العدالة الضريبية وتنعكس سلبا على إيرادات الخزينة.

ثالثا، في الممارسة، عمد مجلس شورى الدولة إلى اعتبار نفسه صالحا للنظر في كل النزاعات الإدارية التي لم تنشأ المحاكم أو اللجان الإدارية الصالحة لبتها وفق أحكام القانون، وذلك انطلاقا من كون حق التقاضي حقا دستوريا. وعليه، أُعلن مجلس شورى الدولة مختصا للنظر في كل الدعاوى التي أناطها نظام مجلس شورى الدولة بالمحاكم الإدارية الابتدائية (وخير مثال على ذلك النظر في قضايا العجلة)، ريثما يتم إنشاؤها. كما أعلن مجلس شورى الدولة نفسه مختصا للنظر في الطعون بقرارات ردّ طلبات الحصول على معلومات ريثما يتم إنشاء وتفعيل عمل الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد. وعليه، كان من الممكن نظريا أن تنقل هنا أيضا صلاحية بت النزاعات الضريبية إلى مجلس شورى الدولة ريثما يتم تفعيل المحاكم الإدارية الابتدائية، مما ينفي هنا أيضا أي ادعاء بالاستحالة. 

رابعا، ما يزيد من عبثية الاقتراح، هو محاولة تطبيقه على الحالات المشابهة. فماذا نفعل مثلا عندما نأخذ علما أن مجالس العمل التحكيمية ومعها مجمل النزاعات العمالية معطلة بفعل إضراب مفوضي الحكومة وبعض مستشاريها؟ هل نعلن أن الدعاوى مقبولة بنسبة 50% من قيمتها، وسط مجازفة أن نضرب حقوق العامل في حال كانت دعواه محقة أو حقوق صاحب العمل في حال لم تكن كذلك؟ أم أن يصح من استسهال بشأن خزينة الدولة والمال العام لا يصح في أية حالة أخرى؟      

أخيرا، فإنّ ما يُبرّره الاقتراح لجهة أنّه يُفيد الخزينة معاكس تماما لنتائجه في حال تحوّله إلى قانون. فالاقتراح يحصر التسوية بالتكاليف المتعلقة بأعمال 2020 وما قبل، أي بتكاليف أصبحت قيمتها بخسة بالليرة اللبنانية، فيأتي الاقتراح ويحسم نصفها أيضا ما يُسبّب ضررا مضاعفا للخزينة بعد تدهور قيمة التكاليف أصلا. وعليه، يكون المكلّف المعترض قد أُعفي مرتّيْن، الأولى مع انهيار قيمة الليرة اللبنانية خلال الفترة الماضية ما جعل القيم المفترض دفعها بخسة أصلا، والثانية عند تطبيق الاقتراح الحالي بحسم 50% من قيمة الضرائب البخسة أصلا.