هل يلغي لبنان عقوبة الإعدام؟ قفزة إنسانيّة قبالة السّقوط الإسرائيليّ

لين أيوب

16/05/2026

انشر المقال

 

عقدت لجنة الإدارة والعدل في تاريخ 12/5/2026 جلسة خاصة لمناقشة اقتراح إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان، وذلك على ضوء ملاحظات لجنة حقوق الإنسان التي أقرّت الاقتراح معدّلًا في 23/2/2026. وينتظر أن تقرّ نسخة معدلة عن الاقتراح في جلستها المقبلة في 19/5/2026.   

 

وفي التفاصيل، يرمي الاقتراح المقدّم من النواب الياس حنكش وأسامة سعد وبوليت يعقوبيان وجورج عقيص وفيصل الصايغ وحليمة القعقور وميشال الدويهي في 7/10/2025، إلى إلغاء عقوبة الإعدام أينما وردت، لاسيما في قانون العقوبات، واستبدالها بالعقوبة القصوى التي تليها وهي الحبس المؤبد مع ظروف متشددة، على أنّ يستفيد المحكومون بالإعدام قبل صدور هذا القانون من مفاعيله، مع إمكانية تطبيق أحكام قانون تنفيذ العقوبات وتعديلاته عليهم. ويلحظ أنّ الاقتراح كان قد أعدّ بالتعاون مع "الهيئة اللبنانيّة للحقوق المدنية". وكانت الأسباب الموجبة قد ركزت أصلًا على "أنسنة العقوبات" باعتبارها مسؤولية حضارية في التخلّي عن القتل باسم القانون، بالأخصّ أنّ معالجة أسباب الجريمة تتمّ أوّلاً عبر تطوير سياسة الوقاية المسبقة للحدّ من الجرائم، بعد أن تبيّن أنّ لا علاقة بين تطبيق الإعدام وردع الجريمة.

 

كما يجدر التذكير أنّ المقرّر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء أو بإجراءات موجزة أو تعسفية موريس تيدبال- بينز، كان قد شدّد في تقريره الأوّلي بعد زيارته إلى لبنان ولقائه مع لجنة حقوق الإنسان النيابية في 1/10/2025، على ضرورة تحويل وقف تنفيذ أحكام الإعدام المعمول به منذ عام 2004 إلى إلغاء قانونيّ رسميّ لعقوبة الإعدام في لبنان، انسجامًا مع الاتجاه العالمي نحو القضاء على هذه الممارسة في جميع أنحاء العالم. وقد أشار إلى أنّ عقوبة الإعدام تبقى عقوبة مشروعة في لبنان كون وقف التنفيذ غير مُكرّس في القانون، بما في ذلك في جرائم لا ترقى إلى مستوى "أخطر الجرائم" كما يقتضيها نصّ المادة 6 (2) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وقد أكّد على أنّ غياب إلغاء رسمي أو حظر تشريعي لهذه العقوبة يترك الباب مفتوحًا لاستئناف تنفيذ الإعدامات، ولا سيما استجابةً للضغوط الشعبية أو التحوّلات السياسية. هذا وقد أرسل المقرر الخاص ملاحظاته حول الاقتراح في 29/1/2026 أثنى فيها على الجهود البرلمانية لإقراره، داعيًا إلى اعتماد صيغة أكثر مرونة فيما يخصّ العقوبة البديلة للإعدام تترك للقضاء سلطة تحديدها بحسب الحالة تبعًا لخطورة الجريمة وظروف المرتكب، بدل فرض عقوبة ثابتة واحدة على جميع الجرائم التي كانت تستوجب الإعدام مهما اختلفت طبيعتها.

 

وفيما استعادت لجنة حقوق الإنسان النيابية الاستبدال التلقائي لعقوبة الإعدام أينما وردت في النصوص العقابية بالعقوبة القصوى التي تليها وتاليا الأشغال الشاقة المؤبدة، فإنّها ربطت استفادة المحكوم عليهم بالإعدام من تخفيض العقوبة بإثبات استيفاء الحقوق الشخصية، وبعدم رفض هذا التخفيض من أيّ ذوي الضحية (وتحديدا الأصول والفروع والزوج أو الزوجة). وقد خففت اللجنة آنذاك من غلوائها من خلال حصر إمكانية هؤلاء في رفض التخفيض في مرّة واحدة فقط، مع التأكيد على أنه ليس للمحكوم عليه أن يقدم طلب تخفيض ثانيا قبل مضي سنتين.

 

وعليه، انعقدت الجلسة برئاسة مقرر اللجنة جورج عطالله وحضور رئيس لجنة حقوق الإنسان ميشال موسى، فضلا عن عدد من النواب من داخل كما من خارج اللجنة ووزير العدل عادل نصار ووزير العدل السابق إبراهيم نجّار ممثلًا عن نقابة المحامين في بيروت، فضلا عن ممثلين عن الهيئة اللبنانية للحقوق المدنية. وبعد مداخلات عدة شدّد بعضها على الأهمية القيمية لهذا الاقتراح، برز توافق واسع على مبدئية إلغاء عقوبة الإعدام، على أن يصار إلى إعادة صياغة الأسباب الموجبة والنصّ المقترح فيما يتصل باستبدال عقوبة الإعدام بعقوبة أخرى، على ضوء النقاشات الحاصلة، وعلى أن يُصار إلى إتمام النقاشات وإقرار الاقتراح في الجلسة القادمة. ويُسجّل هنا أن قلّة من النواب عبّروا عن رفضهم لهذا التوجه: ومنهم النائب جميل السيد الذي شدّد على أهمية التوقف عند مشاعر الضحايا وحقهم بالإنصاف محذّرا من فتح الباب للثأر، والنائب قبلان قبلان الذي اعتبر أنّ إلغاء عقوبة الإعدام مخالف للشريعة الإسلامية التي تجيز الإعدام، وإن عاد وأعلن أنّه لن يصوّت لا إيجابًا ولا سلبًا على الاقتراح في حال طرحه على الهيئة العامّة. كما أبدى النائب حسن عزّالدين موقفًا مشابهًا في هذا الصدد. 

واللافت أيضا أنّ ممثل مجلس القضاء الأعلى طارق بو نصار أبلغ اللجنة دعوة المجلس إياها إلى التريّث في إلغاء عقوبة الإعدام من دون أن يبيّن الأسباب التي انبنى عليها موقف المجلس. والمفارقة أن وزير العدل كان قد أسند مطالعته لإلغاء العقوبة على ضرورة تجنيب القاضي العبء الذي يمثله إنزال عقوبة مماثلة. 

  

وعليه، يهمّنا في ظلّ هذه النقاشات تسجيل الملاحظات الآتية:

 

  1. قفزة هامة على صعيد القيم الإنسانية

أول ما يجدر التشديد عليه هو الإنجاز الحقوقيّ الذي يمثله هذا الاقتراح في حال إقراره، وذلك بعد أكثر من عشرين سنة من الامتناع عن تنفيذ هذه العقوبة بصورة تامّة (عمليا منذ 2004). وفي حال حصول ذلك، فإن لبنان يكون قد التحق بقرابة 147 دولة ألغت عقوبة الإعدام (العدد مأخوذ من الأسباب الموجبة) ويكون سباقا في هذا الاتجاه في محيطه العربي. وما يزيد من أهميّة هذا الحدث هو احتمال حصوله على مسافة أسابيع من مصادقة الكنيست الإسرائيلي على قانون ذهب في الاتجاه المعاكس تماما، وهو تحديدا القانون الذي تم إقراره في تاريخ 30 آذار 2026 والذي يتيح لسلطة الاحتلال فرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين، في خطوةٍ تمثّل تصعيدًا نوعيًّا وخطيرًا في سياسة التمييز والفصل العنصري. وعليه، يكون لبنان في طور توجيه رسالة مضادّة تؤكد التمسّك بحقوق الإنسان وقيمة الحياة ورفض اعتماد القتل كأداة لتحقيق العدالة. وهذا ما شدّد عليه رئيس لجنة حقوق الإنسان النائب ميشال موسى خلال النقاش الحاصل في لجنة الإدارة والعدل لجهة أنّ إلغاء عقوبة الإعدام هو رسالة بليغة جدا للعالم، تكتسي أهمية كبرى في هذا التوقيت بالذات مقارنة بالسقوط القيمي والتشريعي الحاصل في إسرائيل.

 

وقد برزت خلال النقاشات إشكالية أساسيّة تتّصل بمآل القرارات القضائية بالإعدام الصادرة سابقًا، والتي كان الاقتراح الأساسي دعا إلى استبدال العقوبة الواردة فيها تلقائيًا بالعقوبة التي تليها من حيث القسوة تبعا لإعلان عدم إنسانية هذه العقوبة، وهو الأمر الذي توقّفت عنده مليًّا لجنة حقوق الإنسان. وهذا ما نعود لنناقشه أدناه. 

 

  1. حقوق ذوي الضحايا مقابل إلغاء العقوبة غير الإنسانيّة

 

بالعودة إلى النقاشات النيابية، برز اتجاهان مختلفان في مقاربة مسألة إلغاء عقوبة الإعدام من القرارات القضائية التي كانت قد حكمت بهذه العقوبة. 

 

الاتجاه الأول، وهو الاتجاه الغالب الذي يقارب عقوبة الإعدام على أنها عقوبة غير إنسانية، بما يوجب ليس فقط إلغاءها في النصوص ولكن أيضا استبدالها في مجمل القرارات القضائية التي كانت قد حكمت بها. ويرتكز هذا الاتجاه على المواثيق الدولية وأهمها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (مادة 5) والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (مادة 7) والتي تنصّ على أنه "لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانيّة أو الحاطّة بالكرامة…". بمعنى أن مجرّد توصيف هذه العقوبة على أنّها غير إنسانية والدعوة إلى إلغائها لهذا السبب كما نستشفّ من الأسباب الموجبة ومن نقاشات اللجنة يجعل الإبقاء على أحكام الإعدام بمثابة تعايش مع عقوبة يتجه المشرّع نفسه إلى إعلان عدم إنسانيتها وتاليا أمرًا منافيا لهذه المواثيق وإخلالًا بها. ومن هنا، يصبح استبدال عقوبة الإعدام في مجمل القرارات الصادرة سابقًا (والمُوقف أصلًا تنفيذها) نتيجة طبيعية للفلسفة المعلن عنها من أجل إلغاء هذه العقوبة، والتي هي أبعد ما تكون مجرّد اعتبار تقنيّ.

 

أمّا الاتجاه الثاني، والذي عبّر عنه النائب جميل السيّد في سياق رفضه العامّ لإلغاء عقوبة الإعدام وانعكس إلى حدّ ما في تعديلات لجنة حقوق الإنسان التي حفظت لذوي الضحية إمكانيّة رفض استبدال عقوبة الإعدام ولو لسنتين، فهو ينبني على العكس من ذلك على مقاربة مسألة عقوبة الإعدام على أنها خيار اجتماعي أو مسألة تقنية بإمكان المشرع إلغاؤها أو عدم إلغائها كما بإمكان ذوي الضحايا رفض استبدالها بعقوبة أخرى. وفي الحقيقة، يطرح التعديل المقترح من لجنة حقوق الإنسان إشكاليات عدة: فعدا عن تعارضه مع المواثيق الدولية كما سبق بيانه، فإنه يتعارض مع كون تحديد العقوبات من صلب وظيفة الدولة والسلطة التشريعيّة وليس شأنا يعود للضحية أو لعائلتها. وهذا ما أكده النائب علي حسن خليل. يضاف إلى ذلك أنّ ربط مسألة استبدال العقوبة بموقف ذوي الضحايا يمسّ بصورة مباشرة بمبدأ المساواة بين المحكومين،  إذ تصبح إمكانية الاستفادة من تخفيض العقوبة مرتبطة بعوامل خارجة عن المسؤولية الجرمية للمحكوم عليه. 

 

خلاصة

وعليه، يؤمل أن تشهد الجلسة القادمة إقرار جوهر الاقتراح بعد تمتين أسبابه الموجبة (مثلا الإشارة الواضحة إلى المادة 5 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية) وضبط أحكامه وخصوصًا بما يتصل باستبدال عقوبة الإعدام الواردة في القرارات القضائية الصادرة سابقًا، بمنأى عن أيّ مساومات قد تقلّل من رمزيّة هذا الاقتراح وعمقه. 

 

كما يؤمل أن يستكمل المشرّع التوجّه الذي عكسه هذا الاقتراح نحو أنسنة قانون العقوبات وتكريس "الإنسان" كقيمة ذاتية في اتجاه استحداث آليات تضمن معاقبة الانتهاكات الجسيمة للقانون الإنساني وفي مقدمتها الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، وهي الجرائم التي يئن لبنان منذ تشرين الأول 2023 تحت وطأتها. كما يؤمل في الاتجاه نفسه أن يلتحق لبنان بالمنظومة الدوليّة الإنسانية من خلال الانضمام إلى معاهدة روما وإعلان صلاحية المحكمة الجنائيّة الدوليّة.