تغيّب النواب عن اللجان وفق أرقام "المرصد البرلماني"

نيقولا غصن , حلا نجّار

30/10/2026

انشر المقال

عادت مسألة تغيّب النوّاب عن حضور اجتماعات اللجان إلى الواجهة في جلسة 20 تشرين الأول 2026 التي انعقدت من أجل انتخاب أعضاء مكتب المجلس وأعضاء اللجان النيابيّة، بعدما كان أثير الموضوع في السنة الماضية عند الاستحقاق نفسه، من دون أن يجد طريقه إلى الحلّ. وباتت مسألة تغيّب بعض النوّاب عن حضور اجتماعات اللجان محطّ استياء وشكوى لدى عدد من زملائهم، لما فيها من استخفاف النائب بمهامه وحرمان غيره من عضوية اللجنة، هذا فضلا عن تأخر اجتماع اللجان بسبب تعطيل النصاب لا سيما اللجان المشتركة. إلّا أنّ المطالبات بضبط الوضع الموجّهة إلى رئاسة المجلس لاقت الجواب نفسه هذه السنة أيضا، إذ ألقى الرئيس نبيه برّي اللوم على رؤساء اللجان الذين لا يرسلون إليه لوائح بأسماء الأعضاء المتغيّبين كي يتمكن من اتخاذ الإجراءات التي ينصّ عليها النظام الداخلي بحقّ هؤلاء.

وبالفعل نصت المادة 44 من النظام الداخلي على التالي :"إن حضور جلسات اللجان إلزامي. يعتبر مستقيلاً حكماً عضو اللجنة الذي يتغيب عن حضور ثلاث جلسات متوالية بدون عذر مشروع مقدم وفقاً للمادة 61 من هذا النظام وعلى رئيس اللجنة أن يبلغ رئيس المجلس الأمر لانتخاب خلف له."

وكان النظام الداخلي القديم الصادر سنة 1930 أشدّ قساوة في هذا الموضوع إذ نصّت المادة 107 منه على التالي: "إنّ تخلّف العضو عن حضور إحدى الجلسات العامّة بلا عذر ولم يبلغ معذرته لرئيس المجلس خطياً قبل انتهاء الجلسة يستلزم حكماً حسم ما يصيب اليوم من التعويض الشهري الذي يتقاضاه. وإن تخلف أحد أعضاء اللجان عن حضور إحدى الجلسات بلا عذر يبلغه لرئيس اللجنة قبل انقضاء جلستها يستلزم الجزاء الوارد في الفقرة الأولى". وأضافت المادة 108 التالي: "إن تكرار تخلّف العضو عن جلسات الهيئة العمومية أو عن جلسات اللجان خمس مرات متوالية بدون عذر يقبله المجلس يستلزم حكماً حسم نصف التعويض الشهري الذي يتقاضاه. وإذا انقضى شهر ولم يحضر فيه جلسات الهيئة العمومية أو جلسات اللجان استلزم عمله حسم التعويض عن شهر بكامله".

وقد كرس النظام الداخلي الذي أقرّ سنة 1953 المبدأ نفسه مع تخفيف في شروط استحقاق العقوبة إذ باتت المادة 108 تنصّ على التالي: "إذا تكرّر غياب النائب من دون عذر عشر جلسات متوالية من جلسات المجلس أو جلسات اللجان، يُنشر أمر غيابه في الجريدة الرسمية ويُطبَع به إعلان على نفقة النائب يُوزَّع في دائرة منطقته الانتخابية ويُقطَع راتبه عـن المدّة التي تغيّب فيها". لكن النظام الداخلي الذي أقر سنة 1982 (وهو النظام الذي لا يزال نافذا حتى اليوم على الرغم من تعديله أكثر من مرة) أسقط هذه العقوبات واكتفى باعتبار النائب مستقيلا من اللجنة مع ضرورة إبلاغ رئيس المجلس من أجل انتخاب الخلف.

وهكذا يتبين أن استقالة النائب المتغيب بدون عذر عن حضور ثلاث جلسات متوالية هي حكمية، وإبلاغ رئيس المجلس يهدف فقط إلى إعلامه بالأمر كي يطرح موضوع انتخاب بديل عنه في جلسة مجلس النواب المقبلة.  

غير أنّ الممارسة التي دأب عليها مجلس النواب منذ ما بعد الحرب عام 1990 لم يُذكر فيها أيّ تطبيق للمادة 44 من النظام الداخلي، ما حوّل عضويّة اللجان إلى مجرّد مكسب سياسي في بعض الأحيان، لا يرتّب على النائب موجبي الحضور والمشاركة، إلّا عند ضرورات التصويت. أمّا عن كيفيّة تطبيق هذه المادة، فمن غير المنطقي تذرّع رئاسة المجلس بعدم وجود جداول مرسلة إليها من رؤساء اللجان بأسماء المتغيّبين لتبرير عدم تطبيق المادة 44. فإنّ مسؤوليّة الرئاسة تبقى قائمة ولها الإمكانيّة في التحقّق عن المتغيّبين وحثّ رؤساء اللجان على إرسال تلك الأسماء إذا ما وجدت النيّة في ضبط العمل البرلماني. 

وفي هذا الإطار، يسمح عمل المرصد البرلماني بفتح المجال أمام التحقّق من حضور وتغيّب النواب عن اجتماعات لجانهم. ففي جولة على أبرز اللجان وهي الإدارة والعدل، والمال والموازنة، والصحة العامة والعمل والشؤون الاجتماعيّة، والأشغال العامّة والنقل والطاقة والمياه، والاقتصاد الوطني والتجارة والصناعة والتخطيط، والإعلام والاتصالات، يتبيّن أنّ العديد من أعضاء هذه اللجان لم يحضر اجتماعاتها بشكل منتظم، لذلك بات من الضروريّ استعراض تلك الأسماء بهدف سدّ الذرائع، علمًا أن الحالات التي ستتمّ دراستها تتعلق بالنواب الذين  شاركوا في أقل من 50% من جميع اجتماعات لجنتهم. 

لجنة الإدارة والعدل:

يتبيّن أنّ النائب نديم الجميّل لم يتخطّ معدّل حضوره ال 13.69% من كامل اجتماعات اللجنة في الفترة الممتدة بين بداية الولاية البرلمانيّة في أيّار 2022 حتى 19 تشرين الأول 2026، فيما هبط مستوى حضوره إلى 1.92% بين 22 تشرين الأول 2022 و17 تشرين الأوّل 2023. لكن مستوى الحضور الأدنى في اللجنة هو للنائب إبراهيم كنعان، رئيسة لجنة المال والموازنة، حيث بلغ معدل حضوره 12.50% بين أيار 2022 وتشرين الأول 2026 ووصل إلى 5% بين تشرين الأول 2025 وتشرين الأول 2026. وقد أقرّ النائب كنعان بتقصيره عن حضوره اجتماعات هذه اللجنة خلال جلسة 20 تشرين الأول 2026 المذكورة أعلاه، منسحبًا من عضويّة اللجنة لصالح النائبة حليمة القعقور. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ حضور النائب علي خريس بقي بحدود 35% في كامل ولاية المجلس النيابي منذ بدايتها في أيار 2022. كما أنّ النائب جورج عقيص غاب بشكل كبير عن اللجنة بين تشرين الأول 2025 وتشرين الأول 2025 فحضر فقط 22.5% من اجتماعاتها، فيما كان يحضر بشكل مكثّف في الفترات السابقة، بحدود ال70% من كامل الاجتماعات. غير أنّه من الضروري الإشارة إلى أنّ دور النائب عقيص لم يقتصر فقط على حضوره جلسات هذه اللجنة بل ترأس ثلاث لجان فرعيّة أساسيّة لها، وهي لجنة لدراسة قانون الإعلام وأخرى لدراسة قانون إصلاح القضاء الإداري وأخرى لدراسة قانون تقليص صلاحيات القضاء العسكري وقد حضر فيها 82 اجتماعًا .   
 

لجنة المال والموازنة:

نلاحظ هبوطًا حادًا في حضور النائب جان طالوزيان من 94% في بداية الولاية البرلمانيّة في أيّار 2022 إلى فقط 20% بين تشرين الأول 2025 وتشرين الأول 2026، فيما شهد حضور النائب غسان حاصباني تقلّبات كان أعلاها نسبة 69.5% بين تشرين الأول 2024 وتشرين الأول 2025، وقد هبطت نسبة حضوره إلى 37.7% في الفترة التي أعقبتها، أي حتّي تشرين الأول 2026. أمّا النائب فؤاد مخزومي فمعدّل حضوره هو حوالي 55% في كلّ الولاية البرلمانيّة حتّى تشرين الأول 2026. بدوره، شهد حضور النائب إيهاب مطر تقدّمًا من أدنى نسبة أي 28% بين تشرين الأول 2023 وتشرين الأول 2024 إلى 62% بين تشرين الأول 2025 إلى تشرين الأول 2026، إلّا أنّ معدّله الإجمالي بقي 37.7%. 

لجنة الصحة:

شهد حضور النواب الأعضاء نسبا مرتفعة لأكثريّتهم في الإجمال، إلّا أنّ النائبين شربل مسعد وغسان حاصباني تميّزا في ضعف حضورهما. فقد بلغت نسبة حضور مسعد ال 26%عن كامل الولاية، وهبطت هذه النسبة إلى 4.5% بين تشرين الأول 2024 وتشرين الأول 2025، ولكن عاد وارتفع إلى أعلى نسبة أي 52% بين تشرين الأول 2025 وتشرين الأول 2026. أمّا النائب غسان حاصباني، فمجمل نسبة حضوره هي 24%عن كامل الولاية، وتراوحت بين 36% في أقصاها بين أيار 2022 وتشرين الأول 2023 وأدناها أي 18%  بين تشرين الأول 2022 وتشرين الأول 2023.

لجنة الأشغال العامّة:

يتبين أن النائب نبيل بدر شبه مقاطع لها مع نسبة إجماليّة هي حضور 15% من كل اجتماعاتها خلال الولاية، ولا تتعدّى نسبة حضوره ال 4  إلى 5% بين تشرين الأول 2024 وتشرين الأول 2026. أمّا النائب فيصل الصايغ، وبالرغم من حضوره مجمل 55% من كامل اجتماعات اللجنة خلال الولاية، إلّا أنّه بين تشرين الأول 2024 وتشرين الأول 2026 لم يعد يحضر سوى 40 إلى 47% من اجتماعات لجنته. كذلك النائب أنطوان حبشي، بات يتغيّب عن حضور اللجنة حيث انحدر مستوى حضوره من 60% في عام 2022 و2023 إلى 39% بين تشرين الأول 2025 وتشرين الأول 2026، إلا أنّ الحضور الإجمالي عن كامل الولاية بقي 57%. أمّا النائب أديب عبد المسيح، فلم تتجاوز نسبة حضوره عتبة ال50% إلّا بين تشرين الأول 2022 وتشرين الثاني 2023 وشهدت هبوطا بين تشرين الأول 2024 وتشرين الأول 2025 إلى 25٪، وبقيت حوالي 40% في باقي الولاية. بدوره النائب أحمد الخير لم يتجاوز مجمل حضوره ال 48%، ففيما بدأ الولاية بجديّة وبحضور 80% في لجنته بين عامي 2022 و2023، هبط حضوره إلى ال15% وال17% بين عامي 2024 و2026. كذلك النائبة ندى البستاني، وبالرغم من أنّ مجمل حضورها في كامل الولاية بقي فوق ال50% حيث وصل إلى 69% من كامل الاجتماعات، إلا أنّ هذا الحضور هبط إلى 40% بين تشرين الأول 2024 وتشرين الأول 2025 و47% بين تشرين الأول 2025 وتشرين الأول 2026. أمّا النائب فؤاد المخزومي، فبالرغم من أن معدّل حضوره في كامل الولاية بلغ 51%، فإنّه انحدر في آخر سنتين إلى 40% و39% فقط. 

 

لجنة الاقتصاد:

شهد حضور النائب هاكوب ترزيان تقلّبات، حيث كان حضوره بنسبة 50% بين تشرين الأول 2023 وتشرين الأول 2024، وعاد وانحدر إلى 30% و28.5% بين عامي 2024 و2026، ولم يتخطّ معدّل كامل حضوره خلال الولاية 42%. أمّا حضور النائب طوني فرنجية فكان قليلًا جدًّا في كامل الولاية ولم يتجاوز ال22%، ووصل إلى أدنى مستوياته أي 5% فقط بين تشرين الأول 2024 وتشرين الأول 2025. فيما يخصّ النائب نقولا صحناوي، فبالرغم من أن النسبة الإجماليّة لكامل الولاية هي 49%، فقد شهد حضوره ارتفاعًا من نسبة 30% فقط في بداية الولاية إلى 66% في آخرها بين تشرين الأول 2025 وتشرين الأول 2026. أمّا النائب ملحم طوق، فلم يتعدَّ إجمالي حضوره ال39% عن الولاية كاملة، كما شهد حضوره انحدارًا إلى 28.5% بين تشرين الأول 2025 وتشرين الأول 2026.

لجنة الإعلام:

دخل النائب ملحم الرياشي اللجنة في تشرين الأول 2025 ولم تتعدّ نسبة حضوره 38% بين تاريخ دخوله وتشرين الأول 2026، أمّا النائب مروان حمادة، فكانت نسبة حضوره في هذه اللجنة 26% لكامل الولاية، أدناها كان 14% بين تشرين الأول 2022 وتشرين الأول 2023 و15% بين تشرين الأول 2025 وتشرين الأول 2026. 

وعليه، يضع المرصد البرلماني هذه الأرقام في عهدة رئيس مجلس النواب كي يمارس دوره الطبيعي والمطلوب منه، أي تطبيق أحكام النظام الداخلي والسهر على حسن عمل البرلمان كمؤسسة دستورية هدفها رعاية شؤون الدولة والدفاع عن الصالح العام.