مشروع قانون لرفع سنّ المسؤولية الجزائية الدنيا: مبادرة حكومية لإصلاح عدالة الأطفال

غيدة فرنجية

10/08/2026

انشر المقال

في 19 شباط 2026، أحالت الحكومة إلى مجلس النواب مشروع القانون المعجّل المكرّر الوارد بموجب المرسوم رقم 2549/2026 والذي يهدف إلى رفع سنّ المسؤولية الجزائية الدنيا من 7 سنوات إلى 14 سنة، وهو السن الذي يُعتبر الطفل دونه غير قادر على ارتكاب جريمة جزائية، وتاليًا لا يجوز ملاحقته أو محاكمته أو توقيفه أو اتخاذ تدابير جزائية بحقّه. جاء هذا المشروع بناء على اقتراح وزير العدل وبعد موافقة مجلس الوزراء. ويقتصر نصّ المشروع على مادّة وحيدة تقضي بتعديل المادة الثالثة من القانون رقم 422 تاريخ 6/6/2002 المتعلق بحماية الأحداث المخالفين للقانون والمعرضين للخطر التي تنصّ على أنّه "لا يًلاحق جزائيًّا من لم يتمّ السابعة من عمره حين اقترافه الجرم”. أمّا التعديل المقترح، فيرفع سنّ المسؤوليّة الجزائيّة إلى إتمام "الرابعة عشرة من العمر". كما يقترح إضافة بند يُجيز الاستفادة من هذا التعديل للأطفال "الذين صدرت بحقهم أحكام أو قرارات بتاريخ سابق لصدوره" سندًا لمبدأ المفعول الرجعي للقانون الجزائي في حالة تخفيف العقوبة.  

وقد بررت الحكومة في أسبابها الموجبة، أهميّة المشروع بضرورة حماية الأطفال وملاءمة القانون اللبناني مع الاتفاقيات والمعايير الدولية المتعلقة بعدالة الأطفال، ومواكبة التطوّرات العلمية المتعلقة بعلوم الأطفال. إذ تشير إلى أنّ لبنان صادق على اتفاقيات دوليّة بعد صدور قانون الأحداث، ومنها البروتوكول الاختياري لاتفاقيّة حقوق الطفل في العام 2004. لذلك، وتماشيًا مع المعايير الدوليّة، وبناءً على "التطورات الحاصلة في المفاهيم الدوليّة لعدالة الطفل، وما رافقها من إعادة تقييم لسنّ المسؤوليّة الجزائيّة الدنيا”، بات من الضروري تعديل هذه السنّ في القانون اللبناني. وقد استندت الأسباب بشكل خاص إلى المادة 40 فقرة 3 من اتفاقيّة حقوق الطفل التي تملي على الدولة الموقّعة "تحديد سن دنيا يفترض دونها أن الأطفال ليس لديهم الأهلية لانتهاك قانون العقوبات” وعلى التعليق العام رقم 24 (2019) الصادر عن لجنة حقوق الطفل في الأمم المتحدّة "الذي يوصي بعدم تحديد السن الدنيا للمسؤوليّة الجزائيّة بأقل من أربع عشرة سنة”. 

وتضيف الأسباب الموجبة أن علوم الطفل وعلوم الأعصاب تشير إلى أن الأطفال دون هذه السنّ لا يملكون النضج النفسي والعقلي لفهم نتيجة أفعالهم وتحمّل نتائجها الجزائيّة. وبالتالي، من الضّروري تجنيب الأطفال "الآثار السلبيّة للنظام الجزائي، وتكريس مبدأ المصلحة الفضلى للطفل، وضمان توافق التشريع الوطني مع التزامات الدولة اللبنانيّة الدوليّة”. وتبرر الأسباب الموجبة في النهاية ضرورة تطبيق التعديل على الأفعال المرتكبة قبل سريانه "ولو صدر بشأنها حكم مبرم" من أجل "تصويب أوضاع قانونية قائمة، ورفع ظلم مستمر، وتأمين حماية فعّالة للأطفال من المعاملة الجزائيّة غير الملائمة لأعمارهم ونموّهم النفسي والاجتماعي". 

يستوجب هذا المشروع الملاحظات التالية:

اهتمام حكومي نادر في إصلاح نظام عدالة الأطفال 

يُدخل هذا المشروع إصلاحًا جوهريًا في نظام العدالة الجزائية، وتحديدًا نظام عدالة الأطفال (أو قضاء الأحداث) من خلال رفع سنّ المسؤولية الجزائية بشكل ملحوظ وفي خطوة واحدة. وما يُزيد من أهمية هذا الإصلاح المقترح هو صدوره عن السلطة التنفيذية التي نادرًا ما تأخذ المبادرة لفتح النقاش حول إصلاح أنظمة العدالة بالرغم من ضروريته. وقد أظهر رصد المرصد البرلماني في "المفكّرة القانونية" أنّ هذا المشروع هو الثاني الذي تُحيله الحكومة بصفة المعجّل المكرّر منذ تشكليها في شباط 2025 (بعد مشروع تعديل رسوم كتابة العدل الذي يُدرس حاليًا في لجنة المال والموازنة)، مما يؤكّد الأهمية التي توليه لهذا الإصلاح. 

وتجدر الإشارة إلى أن هذا المشروع كان قد أحيل إلى لجنة الإدارة والعدل بتاريخ 25 شباط 2026، إلا أنّها لم تدرسه، وتم وضعه مباشرة على جدول أعمال الجلسة التشريعية للهيئة العامة المقررة في 11 آب 2026، بطلب من وزارة العدل. 

مبادرة هامّة لوقف المظالم بحقّ الأطفال 

يشكل هذا المشروع مبادرة هامّة لوقف عقود من المظالم بحق الأطفال بما يتماشى مع المعايير الدولية والتطوّرات العلمية، إذ يعدّ سنّ المسؤولية الجزائية في لبنان (والمحدد حاليًا بسبع سنوات) من الأدنى في العالم، حيث يتراوح هذا السقف عالميًا بين 7 سنوات و16 سنة. فهو يؤدّي إلى إلغاء المسؤولية الجزائية للفئة العمرية التي تتراوح بين 7 و14 سنة، مما يساهم في تجنيب هذه الفئة الهشة من الأطفال الخضوع للنظام الجزائي وتأثيراته السلبية عليهم. 

وهذا الأمر يؤدّي إلى نقل هذه الفئة من اعتبارهم مجرمين محتملين إلى اعتبارهم أطفالًا معرّضين للخطر يستحقّون الحماية، بما فيها آليات الحماية التي يمنحها قانون الأحداث، إذ ينتقل نظام العدالة من البحث في كيفية معاقبتها إلى البحث في كيفية تجنّب إقدامها على ارتكاب الجرائم في المستقبل.

وكانت لجنة حقوق الطفل في الأمم المتحدّة قد أوصت برفع السنّ الأدنى من 12 إلى 14 سنة استنادًا للدراسات العلمية المتعلقة بعلوم نمو الطفل وعلوم الأعصاب التي تُشير إلى أنّ القدرة العقلية للأطفال بين 12 و13 سنة - ومعها قدرتهم على إدراك نتائج أفعالهم وعلى ممارسة حقوقهم لضمان المحاكمة العادلة - لا تزال قيد التطوّير نظرًا لكون قشرة مقدم الجبهي في دماغهم Brain frontal cortex لا تزال قيد النمو في هذا العمر. كما أن الدراسات الاجتماعية تُشير إلى الآثار السلبية الناتجة عن خضوع الأطفال لإجراءات جزائية، لا سيما لجهة حقوقهم في التعليم والعمل. 

وتجدر الإشارة إلى أنّ المشروع سيؤدي أيضًا، في حال إقراره، إلى منع التوقيف الاحتياطي بحق الأطفال دون الـ 14 سنة، إذ يُجير قانون الأحداث الحالي توقيفهم بدءًا من 12 سنة، مع ما يستتبع هذا الاحتجاز من آثار سلبية على نمو الأطفال وتطوّرهم، بخاصّة في حال عدم فصلهم عن الراشدين. 

غياب الدراسات والإحصائيات حول الواقع اللبناني

استندت الحكومة في الأسباب الموجبة لهذا المشروع إلى المعايير الدولية ونتائج الدراسات العلمية الحديثة، كما إلى تعرّض الأطفال في لبنان في السنوات الأخيرة إلى "تأثيرات سلبية" نشأت عن "ارتفاع نسبة الفقر والتهميش والعنف". لكن يظهر في المقابل، أنّها لم ترفق المشروع بأيّ دراسات حول أوضاع قضاء الأحداث في لبنان، إن كان لجهة حجم القضايا وطبيعتها أو مدى توافر حالات التكرار أو لجهة تقييم التحديّات التي تواجهها الدولة لضمان حماية الأطفال المخالفين للقانون. وهذا الضعف في المنهجية التشريعية يحرم النوّاب من الإطلاع على معلومات أساسية تتيح لهم تقييم ومناقشة مدى ملاءمة المشروع المقترح مع الواقع اللبناني. 

تُشير منظمة الإغاثة الدولية (أيلول 2025) أن الإحصائيات الأخيرة المتوّفرة حول قضايا الأحداث تعود للعام 2019، إذ توّقفت وزارة العدل عن إحصاء قضايا الأحداث المخالفين للقانون بسبب انخفاض الموارد الناتج عن الأزمة المالية والاقتصادية. وقد تضمنت حينها 2312 طفلًا في تواصل مع القانون، من ضمنهم 1686 طفلًا على خلاف مع القانون (أي الذين تتم ملاحقتهم لارتكابهم جريمة) معظمهم بشبهات تتعلّق بالسرقة والمخدرات والدخول غير القانوني إلى لبنان. وقد توّزعت أعمار الأطفال على خلاف مع القانون على الشكل التالي: 87% بين 15 و18 سنة، 7% بين 12 و14 سنة، 5% بين 8 و11 سنة، و1% تحت السابعة من العمر. وهذا يعني أنّ المشروع المقترح قد يُساهم في إلغاء المسؤولية عن أكثر من 13% من الحالات (حوالي 220 حالة في العام 2019)، علمًا أنّه من المرّجح أن تكون هذه الأعداد قد ارتفعت في السنوات التالية نتيجة الأزمة. 

أي آليات لحماية الأطفال غير المسؤولين جزائيًا؟

يبقى أن نُشير إلى ضرورة أن يستتبع هذا المشروع تعزيز آليات حماية الأطفال المعرّضين للخطر وإصلاح أشمل لمنظومة عدالة الأطفال، بخاصّة نظرًا للارتفاع الملحوظ في السنّ الأدنى للمسؤولية الجزائية في خطوة واحدة بدلًا من أن يتم ذلك بشكل تدريجي. 

إذ أنّ إلغاء المسؤولية لمن هم دون الـ 14 سنة، وبخاصّة في ظلّ الأزمة الاقتصاديّة الحادّة التي يُعاني منها لبنان، يجب أن يستتبعه وضع برامج لدعمهم وتأهيلهم بهدف الوقاية ومعالجة أسباب ارتكاب المخالفات ومنع تكرارها حمايةً للأطفال والمجتمع. كما يجب أن يستتبعه وضع برامج لحماية الأطفال المعرّضين للاستقطاب والاستغلال في ارتكاب الجرائم إن كان من قبل عائلاتهم بسبب الظروف الاقتصادية الضاغطة أو من قبل شبكات الجريمة المنظّمة، لا سيّما في مجالات الإتجار بالأشخاص والمخدرات. وهذه الآليات والبرامج لا تزال محدودة في لبنان، مما يجعل البحث في تعزيزها أولوية لضمان نجاح الإصلاح المقترح.