ماذا يعني إخراج جرائم الحرب من قانون العفو العام؟
16/10/2026
أضاف المجلس الدستوري في قراره حول دستورية قانون العفو تحفظًّا تفسيريًا مفاده بأنّه «يُعتبر كل فعل يشكّل جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية أو تعذيباً أو إخفاءً قسرياً خارجاً عن نطاق العفو»، وهو تفسير يعكس التزام لبنان بالمبادئ القانونية الدولية الأساسية التي تفرض محاسبة مرتكبي الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. ومؤدّى هذا التفسير أنّ الجرائم التي ارتكبت في إطار العدوان الإسرائيلي على لبنان قبل 1 آذار 2026 تبقى قابلة للملاحقة القضائية وغير مشمولة بالعفو، وهذا ما ينطبق بشكل خاص على جرائم التدمير الممنهج للقرى الجنوبية التي كانت ستكون مشمولة بالعفو لولا هذا التفسير.
وفيما لم تكن هذه الاشكالية قد وردت في الطعن الأساسي المقدّم من قبل التيار الوطني الحرّ، فقد شددت عليها "المفكّرة القانونيّة" في المطالعة القانونية التي قدّمتها إلى المجلس (السبب السابع)، ما أدّى إلى إثارته عفوًا من قبل المجلس في إطار مراقبته الشاملة لدستوريّة قانون العفو تحت عنوان "السبب المبني على مخالفة المواثيق الدولية" (الصفحات 29 إلى 31 من قراره).
وعليه، يكون المجلس الدستوري قد كرّس من خلال قراره مبدأً دستوريًا عامًا أصبح جزءًا من البنية التشريعية اللبنانية، ومفاده حظر العفو عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، ومنها جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية وجرائم التعذيب والإخفاء القسري، لمخالفته المواثيق الدولية. وهذه المرّة الأولى التي تّكرّس فيها الوضعية الاستثنائية لهذه الجرائم في البيئة القانونية اللبنانية، ما يّشكّل إدانة رسمية طال انتظارها لقانون العفو العام في 1991 والذي أدّى إلى العفو عن جميع الجرائم التي ارتكبت خلال الحرب اللبنانية من دون أن يستثني منها جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
إخراج جرائم الحرب من دائرة العفو
كانت "المفكّرة" قد ذكرت في مطالعتها أنّ "منحة العفو العام شملت ضمنًا بعض الجرائم التي تشكّل جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية أو غيرها من الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، وخصوصًا محو القرى وضمنًا بيوتها الخاصة ومدافنها وبساتينها وأشجارها المعمرة، وهو المحو الذي تمّ في إطار عقاب جماعيّ ضدّ القرى الجنوبية وسكانها من الطائفة الشيعية، مع أدلّة على كون المحو تمّ لغايات غير عسكرية بخلاف مبدأي التمييز والتناسب".
وإن كان القانون اللبناني لا يشمل توصيفات قانونية تتعلّق بجرائم الحرب أو بالجرائم ضدّ الإنسانية، إلا أنّه يجرّم العديد من الأفعال التي ترقى إلى مستوى جرائم حرب وفقًا للقانون الدولي. وفيما كانت جرائم القتل والتعذيب والإخفاء القسريّ غير مشمُولة أصلًا بقانون العفو، كان اعتماد القانون على مبدئية العفو العام من دون ذكر الجرائم المتصلّة بالحرب ضمن قائمة الاستثناءات سيؤدّي إلى إعفاء مرتكبي العديد من جرائم الحرب لولا التوضيح التفسيري الذي اعتمده المجلس. ومن أبرز هذه الجرائم:
- الجرائم التي تشترط توّفر حالة الحرب: مثل جناية السرقة المشددة خلال وقوع الحرب (المادة 636 من قانون العقوبات) وجناية سلب جريح أو مريض أو غريق أو ميت في منطقة عمليات حربية (المادة 132 من قانون القضاء العسكري)، وجنحة استعمال إشارة الصليب الأحمر أو أي إشارة مماثلة له علانية ومن دون حق في مناطق القتال (المادة 146 من قانون القضاء العسكري).
- الجرائم المرتبطة بمحو القرى الجنوبية: مثل هدم الممتلكات وتخريبها وتخريب علامات الحدود بين الأملاك والاستيلاء على عقارات الغير والتعدّي على المزروعات والحيوانات وآلات الزراعة (المواد 731 إلى 744 من قانون العقوبات)، وهدم الأبنية المخصصة للعبادة أو تدنيسها (المادة 475 من قانون العقوبات) والاعتداء على حرمة الموتى والقبور وإتلاف الجثث (المواد 478 إلى 481 من قانون العقوبات)، وغيرها من الجرائم البيئية.
- الجرائم المرتبطة بالمحتجزين في السجون الإسرائيلية: مثل الخطف والحرمان من الحرية الشخصية وأخذ الرهائن (المادة 569 من قانون العقوبات).
وعليه، وبالإضافة إلى تمكين القضاء اللبناني من ملاحقة جرائم الحرب المرتكبة في لبنان (وهو ما نعود إليه أدناه)، فإنّه يقطع الطريق أمام تذرّع المسؤولين الإسرائيليين بقانون العفو اللبناني لمنع ملاحقتهم أمام المحاكم الأجنبية أو الدولية على خلفية الجرائم المرتكبة في لبنان، علمًا أنّ عددًا من ضحايا هذه الجرائم قد باشروا بطلب فتح تحقيقات في الخارج، لا سيما أمام القضاء الفرنسي.
يذكر في هذا الإطار أنّ النائبين حليمة القعقور وميشال موسى كانا قد تقدمّا في 1 حزيران 2026 باقتراح "قانون الجرائم الدولية" بهدف تجريم جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، والمعاقبة عليها وتنظيم ملاحقتها أمام القضاء اللبناني. وقد تمّ إعداد نصّ الاقتراح بالتعاون مع اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني برئاسة نائب رئيس الحكومة طارق متري والمفكّرة القانونية واتحاد الصحافيين والصحافيات، وأحيل الاقتراح إلى الحكومة لإبداء ملاحظاتها منذ 3 حزيران. ويُسهم هذا الاقتراح في ملء الفراغ التشريعي المتعلّق بالجرائم الدولية والحدّ من الإفلات من العقاب فيها، إذ يدخل ضمانات فعّالة للمحاسبة، منها إقرار مبدأ عدم تقادم هذه الجرائم بمرور الزمن وإلغاء الحصانات أمام الملاحقة.
موجبات القانون الدولي تحدّ السلطة التشريعية: المحاسبة واجبة
في مقاربته لمبدأ حظر العفو عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، اعتمد المجلس توجّهًا مماثلًا لمبدأ حظر العفو عن جرائم الفساد، ومفاده تقييد المشرّع بالتزامات الدولة اللبنانية بموجب المواثيق الدوّلية سندًا للفقرة "ب" من مقدّمة الدستور. فاستند لإصدار تفسيره على القواعد القانونية الدولية، ولا سيما القواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني، التي تفرض على لبنان واجب التحقيق والملاحقة في الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان الأساسية وجرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية.
وهذه المرّة الأولى التي يستند فيها المجلس الدستوري على هذه القواعد الدولية، مما يشكّل إعترافًا بأثرها المباشر على القانون الداخلي، ويجعلها جزءًا من الكتلة الدستورية ومن المبادئ الدستورية الملزمة للسلطات الدستورية كافّة، بما فيها السلطة التشريعية.
فقد أوضح المجلس أنّ "اختصاص الدولة في إقرار قانون العفو الشامل، عملاً بمبدأ السيادة الجزائية، تحدّه القواعد التي ترسمها المواثيق الدولية التي التزم لبنان بها، ومنها ما فرض قيوداً على الأعمال القانونية التي تشكل انتهاكاً خطيراً لحقوق الإنسان الأساسية، حيث الجريمة لا تنشئ حقاً للضحية فحسب، بل واجباً على الدولة في التحقيق والملاحقة".
وأضاف أنّ هذه المخالفة للمواثيق الدولية في القانون "لا تكمن في مبدأ العفو ذاته، بل في نطاق تطبيقه على أفعال يلتزم لبنان بملاحقتها"، مشددًا أنّه "لا يجوز لقانون العفو الشامل أن يُفقد لبنان القدرة على الالتزام بموجباته الدولية لجهة التعاون القضائي في المسائل الجزائية." فيكون قد كرّس أيضًا موجب الدولة اللبنانية في الالتزام بمبدأ التعاون القضائي في الجرائم التي التزم بملاحقتها.
واعتمد في تعليله على الحجج القانونية والمراجع الفقهية التي قدّمتها "المفكّرة" في مطالعتها، أبرزها أن "القانون الدولي الإنساني العرفي يوجب على الدول التحقيق في جرائم الحرب وملاحقة المشتبه بهم… وحتى حين يشجّع على منح أوسع عفو ممكن عند انتهاء الأعمال العدائية، فإنه يستثني منه المشتبه بارتكابهم جرائم حرب أو المتهمين أو المحكومين بها"، وهي المبادئ المنصوص عنها في القواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني التي وضعتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر (القاعدتان 158 و159)، فضلًا عن المادة 6(5) من البروتوكول الإضافي الثاني لاتفاقيات جنيف.
وقد دعم المجلس موقفه بالاستناد إلى الاجتهادات الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وإلى آراء لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدّة ولجنة البندقية في المجلس الأوروبي، والتي خلصت جميعها إلى أنّ العفو عن التعذيب والانتهاكات الجسيمة للحقوق الأساسية غير مقبول أو معترف فيه دوليًا.
بالفعل، تستند هذه القواعد العرفيّة إلى بنود اتفاقيّات جنيف الأربعة واتفاقيات دوليّة أخرى، وتُلزم كافّة الدول بالتحقيق في جرائم الحرب وملاحقة مرتكبيها، وتاليًا بممارسة صلاحيّتها الجزائيّة لملاحقة مرتكبي هذه الجرائم إن كان استنادًا إلى الصلاحية القضائية الشخصية (كالجرائم المرتكبة من لبنانيين) أو الإقليمية (كالجرائم المرتكبة من إسرائيليين على الأراضي اللبنانية) أو حتى الشاملة. وفيما تشجّع الدول، بعد انتهاء النزاعات المسلّحة غير الدولية، على "منح أوسع عفو ممكن" للأشخاص الذين شاركوا في النزاع أو المحرومين من حريتهم لأسباب تتعلق به، وذلك بهدف تشجيع جهود المصالحات الوطنية بخاصّة بعد الحروب الأهلية، فإنّها تُلزمها صراحةً باستثناء مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية من أي عفو.
هل يلتزم القضاء بواجب التحقيق في جرائم الحرب؟
لا يكتفي تفسير المجلس الدستوري بإقرار مبدأ حظر العفو عن جرائم الحرب، بل تضمّن رسالة للدولة اللبنانية، وبخاصّة السلطات القضائية، لتذكيرها بواجباتها بالتحقيق في هذه الجرائم وملاحقة مرتكبيها.
وتتضاعف أهمية هذا المكسب في مواجهة السياسة القضائية الحالية التي تمتنع عن فتح التحقيقات القضائية في جرائم الحرب المرتكبة من قبل الجيش الاسرائيلي في لبنان منذ 8 تشرين الأوّل 2023، ومنها قتل المدنيين والصحافيين والهجمات على القطاع الصحّي والبنى التحتية المدنية ومحو القرى الجنوبية وتهجير سكّانها قسرًا وخطفهم.
وعليه، يُلزم هذا التفسير النيابات العامّة وقضاة التحقيق بممارسة واجباتهم بفتح تحقيقات قضائية في جرائم الحرب المرتكبة على الأراضي اللبنانية، وذلك تمهيدًا لطلب إصدار مذكرات توقيف دولية عبر الانتربول بحق المسؤولين الإسرائيليين المشتبه فيهم.
وكانت "المفكّرة" وأربعة منظمات حقوقية وإعلامية (منظمة العفو الدولية، و”هيومن رايتس ووتش”، واتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان، ومراسلون بلا حدود) قد طالبت الحكومة بوضع استراتيجية قانونية وطنية لضمان المحاسبة في الانتهاكات الاسرائيلية المستمرّة في لبنان، واستكشاف كل السبل القانونية المتاحة، على الصعيدين المحلي والدولي، لضمان التحقيق فيها. ويشمل ذلك دعم مباشرة تحقيقات قضائية لبنانية عاجلة، وشاملة، ومستقلة، ومحايدة فيها، وتزويد المحققين القضائيين بالصلاحيات والحماية والموارد اللازمة لتمكينهم من إنجاز عملهم بفعالية وحياد.