رأي هيئة التشريع والاستشارات حول اقتراع المغتربين: سموّ الحقوق الدستوريّة على التعطيل البرلماني
18/02/2026
أصدرت هيئة التشريع والاستشارات في تاريخ 13 شباط 2026 رأيها بجواز إجراء الانتخابات النيابية عملًا بالقانون النّافذ من دون استحداث دائرة مخصّصة للمُغتربين. وقد خلصت الهيئة إلى اعتبار أن "حريّة المواطن في أن يكون ناخباً ومنتخباً، والحق في دورية انتخابات نزيهة، عامّة وبالتصويت السرّي، هي من الحقوق الدستورية في الفقرة "ب" من مقدمة الدستور وفي المادة السابعة منه" ولا يمكن الحدّ من هذا الحقّ إلا في حال وجود خطر عامّ استثنائيّ يهدّد وجود الدولة وفقًا للشروط المحدّدة في المادة الرابعة من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، ما يعني أن "عدم إقرار النصوص القانونيّة اللازمة للمقاعد الستّة المخصّصة للمرشّحين غير المقيمين لا يمكن بأيّ حال من الأحوال وتحت أيّ ذريعة كانت، أن يحول دون إمكانيّة ممارسة الناخبين غير المقيمين لحقّهم في الانتخاب".
وقد أشارت الهيئة إلى أنّ رأيها هذا يصدر "استنادًا إلى الوقائع المذكورة في كتاب طلب الاستشارة ووفق توصيف الحال المذكور ضمنه"، مضيفةً أنّ عدم إقرار النّصوص اللازمة للمقاعد الستّة المخصّصة للمرشّحين غير المقيمين "لا يشكّل استحالةً قانونيّة تحول دون تطبيق سائر أحكام الفصل الحادي عشر من القانون 44/2017 وتعديلاته، إنّما يحتّم على الإدارة اتّخاذ كافّة الإجراءات التي تكفل وتؤمّن حقّ النّاخبين غير المقيمين في ممارسة حقّهم بالانتخاب في المراكز التي اختاروها عن طريق تطبيق أحكام الفصل الحادي عشر التي لا تتناول ولا تتعارض مع استحالة تطبيق المادة 112 تماماً كما حصل خلال الانتخابات الحاصلة في سنتيْ 2018 و2020 (هكذا وردت في النص والصواب 2022)، على أن يقوموا بالاقتراع للمقاعد النيابية الـ128".
ويلحظ أن وسائل الإعلام تداولت النتيجة التي توصّلت إليها الهيئة من دون شرح أو حتى عرض التعليل القانوني التي استندتْ عليه، وقد انقسم بنتيجة ذلك الرأي العام بين مؤيد ومعارض من دون أن يتسنى له الاطلاع على الأسباب التي استند إليها القرار. لذلك بات من الضروريّ على وزارتي العدل والداخلية المبادرة إلى نشر تلك الاستشارة التي باتت تشكّل قضيّة تهمّ الرأي العامّ بمجمله. من هنا يعمد هذا المقال إلى تحليل ومناقشة رأي الهيئة بعد أن تمكنّا من الحصول عليه بصورة غير رسمية ومن مصدر طلب عدم الإعلان عن اسمه ونشرناه تبعا لذلك احتراما لحق المواطنين بالحصول على المعلومة.
وقد أعادت الهيئة التذكير بأبرز النقاط الواردة في طلب الاستشارة الموجه من وزارة الداخلية والبلديات إذ أشارت الوزارة إلى أنّ عدد المغتربين المسجّلين بلغ 144406 لكن مجلس الوزراء خلص إلى أن "تنظيم الانتخابات النيابيّة على أساس تخصيص ستّة مقاعد لغير المقيمين يتطلب تدخلا تشريعيا" علمًا أن الحكومة أحالتْ مشروع قانون معجّل في هذا الخصوص لكن مجلس النواب امتنع عن مناقشته بسبب تمنّع رئيس المجلس عن عرضه على الهيئة العامة.
وتضيف وزارة الداخلية في كتاب طلب الاستشارة أنّها لم تتمكن من فتح باب قبول طلبات الترشيح وتسجيل اللوائح بالنسبة للمغتربين "في ظل عدم صدور النصوص القانونية والتطبيقية اللازمة حتى تاريخه"، ما يضع الإدارة أمام "استحالة قانونية حقيقية" تمنع تطبيق الفصل الحادي عشر من قانون الانتخابات ويحملها مسؤولية دستورية "في إجراء الانتخابات النيابية لعام 2026 وفقا لما توجبه القوانين والمبادئ العامة للقانون".
لكن الاطّلاع على هذا التعليل يظهر أنّ الهيئة تحفّظت كونها أشارت إلى أنّ رأيها يصدر بمعزل عن مسألة احتياج تعليق العمل بالدائرة 16 المخصصة للمغتربين لتدخل تشريعي، وتحديدا فيما إذا كان تعليق العمل باقتراع المغتربين لنواب خارج لبنان يحتاج إلى قرار حكومي فقط أم إذا كان يحتاج إلى إقرار قانون في مجلس النواب.
وبغضّ النظر عن هذه الإشكاليّة، يظهر أنّ رأي الهيئة استند إلى مبادئ قانونيّة سليمة، لا بل بديهية في جزء كبير منها. فقد انطلقت الهيئة من المبدأ الدستوريّ المكرّس الذي يعتبر أنّ الاقتراع هو حقّ لكل المواطنين ولا يمكن الحدّ منه إلا بنصوص قانونية صريحة، وأن دورية الانتخابات مبدأ شدّد عليه المجلس الدستوري في أكثر من قرار له. وقد كرّست المادة 111 من قانون الانتخابات هذا الحق الدستوري بالنسبة للمغتربين كي يتمكّنوا من الاقتراع في مراكز خارج لبنان، ما يعني أن هذا الحق لا يمكن بعد الآن التراجع عنه.
لكن رأي الهيئة لم يقتصر على التذكير بهذه المبادئ البديهية فقط بل أضاف إليها مجموعةً من الحجج القانونية التي تصبّ في السماح للمغتربين بالاقتراع للنواب داخل لبنان على الرغم من أنّ القانون النافذ يقول خلاف ذلك. فقد اعتبرتْ الهيئة أنه "من المسائل المسلّم بها فقهاً واجتهاداً أنّ استحالة تطبيق بعض النصوص القانونيّة من قانون نافذ لا تحول دون إمكانيّة تطبيق النّصوص الأخرى من هذا القانون التي يمكن تطبيقها" انطلاقا من المبدأ المستقرّ الذي "يقضي بقابليّة النصوص القانونية للتجزئة، بحيث إنّ إبطال أو تعذّر تطبيق بعض أحكام القانون لا يستتبع حكماً سقوطه بكامله، متى كانت باقي مواده مستقلة وقابلة للتطبيق بذاتها".
وبالفعل تقوم الهيئة بتحليل الشروط القانونيّة التي رافقت إجراء الانتخابات السابقة وفقا للقانون النافذ وتصل إلى نتيجة مفادها أنّ تعليق العمل بمواد قانون الانتخابات الخاصة باقتراع المغتربين الذي حصل في انتخابات 2022 شمل فقط الأحكام المتعلقة بالدائرة 16 بينما المادة 111 التي تكرّس حق المغتربين بالاقتراع ظلّت نافذة ما يعني "أن المشترع على يقين أن المادة 111 قابلة للتطبيق بمعزل عن المادة 112 وان تطبيقها يستوجب الاستناد إلى المواد التي تتعلق بعملية اقتراع غير المقيمين في شقها غير المتعلق بالمادة 112 تماما كما حصل في الانتخابات النيابية السابقة خلال العامين 2018 و2022".
وينسجم هذا الموقف مع اجتهاد لمجلس شورى الدّولة اعتبر فيه أن غياب المراسيم التطبيقية يؤدّي إلى التساؤل حول مدى نفاذ القانون الجديد وهل تظل أحكام القانون القديم نافذة. وقد توصل المجلس إلى الخلاصة التالية: "وبما أنه عندما يوجد فراغ قانوني تطبق الأحكام التنظيمية القديمة إلى أن تصدر مراسيم تطبيقية للقانون الجديد بمعنى أنه تظل النصوص التطبيقية القديمة معمولا بها وسارية المفعول في كل ما لا يتعارض والنصوص التشريعية الجديدة وذلك ريثما تصدر النصوص التطبيقية الجديدة" (قرار رقم 824 تاريخ 9/7/1997).
ففي حال تمّ التسليم بأن المقاعد المخصصة للمغتربين تحتاج فقط إلى مراسيم تطبيقية (وليس إلى تعديلات قانونية) يمكن القول بأنها تعتبر بمثابة أحكام جديدة لن تدخل حيز التنفيذ إلا مع صدور تلك المراسيم، ما يعني أن غياب تلك المراسيم سيجعل من الأحكام القديمة التي جرت على أساسها الانتخابات سنة 2018 سارية المفعول إلى حين صدور المراسيم التطبيقية.
من الواضح أن الهيئة لا تعالج السبب الذي يحول دون تطبيق الفصل الحادي عشر من قانون الانتخابات بكامله إذ لا بد من التساؤل هل هو ناتج عن قصور في القانون نفسه أو عن تقاعس السلطة التنفيذية عن اتخاذ الإجراءات الضرورية بغية جعله قابلا للتطبيق في جميع مندرجاته.
لكن هذا السؤال المشروع لا يمكن ترتيب نتائج قانونيّة عليه كونه سيؤدّي إلى حرمان المغتربين من حقهم في الاقتراع إذا ما افترضنا أن القانون مكتمل وأن عدم قابليته للتطبيق مردّها استنكاف الحكومة عن اتخاذ المراسيم والقرارات الضرورية لذلك. وعلى الرغم من أن الهيئة ألمحت إلى تلك الإشكالية عندما أشارت إلى مسألة مدى ضرورة تدخّل المشترع من أجل تعليق العمل بالمواد المتعلقة باقتراع المغتربين، لكن حتى لو كان إنشاء الدائرة 16 هو من اختصاص مجلس الوزراء لا يجب الاستنتاج أن فشل هذا الأخير في القيام بواجباته من شأنه تبرير حرمان المغتربين من حقوقهم الدستورية.
فتقاعس السلطة السياسية عن القيام بواجباتها لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يشكل مبرّرا لتعطيل الحقوق الدستورية للمواطنين وإلا تصبح تلك الحقوق رهينة المشيئة الاعتباطية للسلطة. ويظهر هذا التقاعس بشكل جلي في حال تم استعراض الإجراءات القانونية التي كان من المفترض القيام بها من أجل حلّ هذه الإشكالية:
- رفض مجلس النواب لموقف الحكومة باستحالة تطبيق القانون وحاجته إلى تدخّل المشرع وذلك عبر مساءلة الحكومة وسحب الثقة منها في حال استمرّت في رفض تطبيق القانون واستخدام صلاحياتها لإصدار المراسيم والقرارات الضرورية.
- موافقة مجلس النواب على موقف الحكومة واتخاذ التدابير التي تعطي هذه الموافقة معناها عبر تعديل القانون وفقا للمشروع الذي احالته الحكومة إلى المجلس.
وهكذا يتبين أن المشكلة الأساسية في اقتراع المغتربين لا تمكن في غموض قانون الانتخابات فقط، لكن في فشل السلطة السياسيّة عن إيجاد الحل المؤسساتي السليم الذي يحفظ حقوق المواطنين. إذ أنّ المادة 124 من قانون الانتخابات تنصّ على أنّ المراسيم التطبيقية يجب أن تصدر بعد موافقة مجلس الوزراء بأكثرية الثلثين. ولا شكّ أن هذه الأكثرية لا يصعب التوصّل إليها فقط، لكنها أيضًا مخالفة للدستور إذ لا يحقّ لمجلس النواب تحديد الأكثرية التي يتوجب على مجلس الوزراء اتخاذ القرارات بها كون هذا الموضوع ينصّ عليه الدستور في المادة 65 منه التي تحدّد بشكل حصري المواضيع التي تحتاج إلى غالبية الثلثين، ولا يمكن بالتالي إضافة مواضيع جديدة لأن ذلك يؤدي إلى الإخلال بمبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها عبر التحكم بأصول عمل مجلس الوزراء وهي سلطة دستورية قائمة بذاتها لم يستحدثها مجلس النواب بل الدستور نفسه.
إذ أن فشل مجلس الوزراء في حلّ إشكالية اقتراع المغتربين بسبب عجزه عن اتّخاذ القرارات المطلوبة يجب أن يؤدّي إلى معاقبة الحكومة عبر حجب الثقة عنها وليس معاقبة المغتربين بحرمانهم من الاقتراع. وفي حال كان مجلس النواب مؤيدا لرأي الحكومة باستحالة تطبيق القانون كان يتوجب عليه تعديل هذا الأخير لازالة العوائق التي تمنع تطبيقه. وبالتالي كان على رئيس مجلس النواب نبيه بري عرض مشروع الحكومة على الهيئة العامة من أجل تمكين النواب من مواجهة الحكومة وذلك برفض مشروعها أو اقراره، ولا يمكن بأي حال من الأحوال القبول بتعطيل اقتراع المغتربين بسبب قرار رئيس المجلس الاعتباطي وتحكمه بجلسات وجدول أعمال البرلمان. فاستهجان رئيس المجلس لرأي الهيئة الذي عبر عنه في وسائل الإعلام عبر استغرابه لكيفية تعليق العمل بقانون نافذ يمكن تفهمه فقط في حال كان هذا الأخير قد اتخذ جميع الإجراءات التي لا تؤدي إلى الوصول إلى تلك النتيجة، بينما هو قام بتعطيل عمل المجلس مصادرا سيادته على نفسه من أجل تحديدا الوصول إلى الاستحالة القانونية الحالية.
إن هذا التحليل يعيد التذكير بنظرية الحالة الشاذة التي كرسها المجلس الدستوري في أكثر من قرار له عندما اعتبر أن مخالفة الدستور تصبح جائزة بسبب وجود حالة شاذة علما أن هذه الحالة الشاذة أوجدتها السلطة السياسية عبر سنوات من إهمالها لواجباتها تجاه الدولة والمجتمع. لكن رأي هيئة التشريع والاستشارات يؤدي إلى الوصول إلى نتائج معاكسة كون "الحالة الشاذة" المتمثلة في عجز السلطة عن تطبيق القانون لن تكون مبررا لخرق حقوق المواطنين الدستورية، بل إلى تكريس هذا الحق وإعلان سموه على الحالة الشاذة.
في الخلاصة، يمكن القول إنّ هيئة التشريع والاستشارات، وبغض النظر عن مواقفها الإشكالية السابقة، توصلت إلى نتيجة تعلي من حقوق المواطنين وتهدف إلى تكريس سمو الدستور عبر التذكير بأن عجز السلطة عن القيام بواجباتها من دون أي مبرر قانوني مقنع ليس من شأنه تبرير مصادرة حق المغتربين بالاقتراع وإلا تصبح تلك الحقوق رهينة مزاجية السلطة التي ستتمكن من التحكم بها كليا بمجرد تذرعها باستحالة تطبيقها.