ثلاثة اقتراحات للتمديد: الظروف الاستثنائية لا تعني الاعتباطية
06/03/2026
شهد مجلس النواب في اليومين المنصرمين تقديم ثلاثة اقتراحات قوانين معجّلة مكررة تهدف جميعها إلى تأجيل الانتخابات وتمديد ولاية مجلس النواب لكن لفترات مختلفة سنقوم باستعراضها والتعليق عليها تباعًا، علمًا أنّ هذه الاقتراحات ستتمّ مناقشتُها في الجلسة التشريعيّة المزمع عقدها في التاسع من آذار المقبل.
الاقتراح الأول تقدم به بصيغة المعجل المكرر النواب نعمة افرام ومروان حمادة وميشال ضاهر وسجيع عطية وسيمون أبي رميا وفراس حمدان وعلي حسن خليل وبلال حشيمي وكميل شمعون ومحمد سليمان بتاريخ 5 آذار 2026. وقد هدف إلى تمديد ولاية مجلس النواب كي تنتهي بصورة استثنائية في 31 أيار 2028 بدلا من 21 أيار 2026. كما نص الاقتراح في فقرته الثانية على ضرورة الاستعجال في إصدار القانون.
وقد بررت أسبابه الموجبة ضرورة التمديد بأن الانتخابات "تفترض توافر الحدّ الأدنى من الاستقرار الأمنيّ والمؤسساتيّ الذي يضمن سلامة العمليّة الانتخابيّة وحرّيتها ونزاهتها" هذا فضلًا عن أنّ "الانتخابات النيابيّة، بحكم طبيعتها، تشكل حدثًا وطنيًا واسع النطاق يتضمّن تجمّعات جماهيرية، وتحركات لوجستية مكثفة، ونشاطاً إعلامياً وسياسياً على أعلى المستويات، ما يضاعف نقاط الاحتكاك المحتملة ويزيد من قابليّة أيّ حادث أمنيّ محدود للتحوّل إلى أزمة وطنية وطائفيّة شاملة في ظلّ بيئة إقليمية ملتهبة، بما يفرض على القوى المسلّحة والأجهزة الأمنيّة جهوزية وسرعة حركة تتطلّب قدراتٍ استثنائية". وأشارت الأسباب الموجبة إلى أن "التطورات الأمنية والعسكرية الخطِرة والمتسارعة التي يشهدها لبنان تؤدّي إلى تهديد مباشر لسلامة المواطنين ولمبدأ انتظام المرافق العامة، وبحالات نزوح واضطراب في الحركة بين المحافظات وتعطيل جزئي لطرق ومراكز حيوية" هذا فضلًا عن أنّ الاستحقاق الانتخابي النيابي يتطلب "توافر حدّ أدنى من الاستقرار الأمنيّ وحرية التنقل والاجتماع والتعبير، بما يضمن تكافؤ الفرص بين المرشحين وحماية الناخبين والموظفين ومراكز الاقتراع ولجان القيد، ويتيح للسلطات الإدارية والقضائية ممارسة مهامها دون ضغط قاهر". وتضيف الأسباب الموجبة أنه أمام استحالة إجراء الانتخابات في ظلّ الأعمال الحربية وضرورة تأمين استمرار السلطات الدستورية وتجنب الفراغ في السلطة التشريعية وعملا بالسوابق التي "عرفت تمديداً استثنائياً لولاية المجلس النيابي في ظروف أمنية وحربية مماثلة"، كان لا بدّ من تأجيل الانتخابات لا سيما وأن "التمديد المقترح يأتي محدّداً بمدة زمنية واضحة ونهائية، ومقترناً بالتزام صريح بإجراء الانتخابات فور زوال الأسباب الاستثنائيّة، بما يحفظ الطابع المؤقّت والإجرائيّ لهذا التدبير ويحول دون تحوّله إلى تعديل دائم في مبدأ تداول السلطة".
الاقتراح الثاني تقدّم به النائب رازي الحاج بتاريخ السادس من آذار 2026 وهو يرمي إلى تمديد ولاية المجلس النيابي لمدّة ستة أشهر من تاريخ 21 أيار 2026 ولغاية 21 تشرين الثاني 2026 "على أن يتمّ المباشرة بالإعداد لإجراء الانتخابات النيابية فور انتهاء العمليات العسكرية وقبل انتهاء الولاية الممدّدة، وفق وضمن المهل والتواريخ الجديدة، الواجب تطبيقها والمعمول بها من نشر اللوائح الانتخابية ودعوة الهيئات الناخبة وتحديد مهل الترشّح وسحب الترشيحات وغيرها من الإجراءات السّابقة والمتمّمة لإجراء الانتخابات في الموعد الجديد". وتنصّ الأسباب الموجبة للاقتراح على أنّ "الظروف الطارئة التي يمر بها لبنان من أعمال حربية وعسكرية خطيرة ومتسارعة منذ الثاني من شهر آذار الحالي تحول دون إجراء الانتخابات النيابية في العام الجاري" كما حددتها وزارة الداخلية في أيار 2026. واعتبرت الأسباب الوجبة أنّ الأعمال الحربيّة والعسكريّة "تشكل القوة القاهرة التي تحول دون إجراء الانتخابات النيابيّة" بما تجرّه من مخاطر وظروف غير آمنة تحول دون إتمام الأعمال اللوجيستيّة التي ترافق الانتخابات ولا تؤمّن نزاهة الاقتراع وفرز الأصوات بشكل سليم. بالإضافة إلى أنّ الظروف العسكريّة تحول دون إجراء العمليّة الانتخابيّة بموعدها، لذلك يجب التمديد لستة أشهر إذ أنّه بانقضاء هذه الظروف تنقضي معها الأسباب الموجبة للتمديد للمجلس مما يسمح المباشرة بإعداد الإجراءات اللازمة لإتمام الانتخابات.
أما الاقتراح الثالث فقد تقدّم به نواب من تكتل لبنان القوي بتاريخ 6 آذار 2026 هم جبران باسيل وسيزار أبي خليل وجورج عطالله وندى البستاني وادكار طرابلسي وجيمي جبور وشربل مارون وهو يرمي إلى تمديد ولاية المجلس النيابي "لمدة أربعة (4) أشهر اعتبارًا من تاريخ انتهاء ولايته القانونيّة". وينصّ الاقتراح من ثمّ أنّه في حال استمرار ظروف القوة القاهرة التي تحول دون إجراء الانتخابات النيابيّة يجوز لمجلس الوزراء اتخاذ قرار تمديد ولاية المجلس لمدّة إضافية متساوية أي (4) أشهر، وذلك لمرتين متتاليتين.
وتنطلق الأسباب الموجبة للاقتراح من اعتبار أنّ ولاية المجلس النيابي محددة بأربع سنوات "ولا يجوز تجديدها أو تمديدها إلّا من قبل الشعب نفسه عبر الانتخابات الدوريّة". وقد اعتبرت أنّ أيّ تمديد يقرّه النواب لأنفسهم يكون "موضع شبهة دستوريّة وقابلًا للطعن أمام المجلس الدستوري" لأنّ من منح وكالة محددة بمهلة زمنية "لا يملك أن يمدّدها بنفسه دون تفويض جديد من الموكل، أي الشعب". وأردفت الأسباب الموجبة أنّ مبدأ التمديد "يعدّ استثناءً على القاعدة الديمقراطيّة العامة" ولا يجوز اللجوء إليه "إلا في حالات الضرورة القصوى التي تجعل إجراء الانتخابات متعذرًا بصورة فعليّة". وبالتالي اعتبرت أنّه نظرًا لمواجهة لبنان حاليًّا "ظروف قوّة قاهرة ناجمة عن الحرب التي تشنّها إسرائيل على الأراضي اللبنانيّة، وما نتج عنها من تهجير قسم من المواطنين وتعطيل الحياة العامة في عدد من المناطق، ولا سيّما في بعض الدوائر الانتخابيّة في الجنوب، وضاحية بيروت، والبقاع، بما يقارب سبع دوائر انتخابيّة، الأمر الذي يجعل إجراء الانتخابات فيها متعذرًا في الظروف الراهنة".
واعتبر مقدّمو الاقتراح في الأسباب الموجبة أنّ الحكومة تقاعست في "إصدار القرار المشترك بين وزيري الداخليّة والخارجيّة المتعلق بإجراءات اقتراع اللبنانيين غير المقيمين، وعدم إصدار المراسيم التطبيقيّة من الحكومة، وامتناعها عن قبول طلبات الترشيح الخاصة بها" ما يؤدّي بحسب الكتلة إلى "حرمان ما يقارب 144 ألف ناخب لبناني من حقهم بالمشاركة في العمليّة الانتخابيّة". بالتالي، وعلى أساس هذه المعطيات، سيكون وفق مقدمي الاقتراح متعذّرًا إجراء الانتخابات "في ما يقارب نصف الدوائر الانتخابيّة (ثمانٍ من أصل ستّ عشرة دائرة)، الأمر الذي يفرض معالجة استثنائية ومحدودة زمنيًّا لتفادي الفراغ الدستوري من جهة، والحفاظ على حق اللبنانيين في انتخابات ممثليهم من جهة أخرى". وأوضح النواب في شرحهم لفتح الباب أمام التمديد "التقني والاستثنائي" لأربعة أشهر قابلة للتمديد مرتين متتاليتين للمدة ذاتها، ضرورة "أن لا يتجاوز مجموع التمديد سنة واحدة كحد أقصى، وأن يبقى للحكومة حق الدعوة إلى إجراء الانتخابات فور زوال أسباب القوة القاهرة، وفي أي وقت يصبح فيه تنظيمها ممكنًا".
ومن اللافت أن الاقتراح الأول يحمل تواقيع نواب من كتل نيابية مختلفة ما يشي برغبة في منحه شرعيّة سياسيّة وإظهار أنّه يعكس توافقًا بين قوى حزبية متعدّدة، بينما الاقتراح الثاني جرى تقديمه من نائب في كتلة الجمهورية القوية والاقتراح الثالث تقدمت به كتلة لبنان القوي، أي أنهما يعكسان موقف جهة حزبية واحدة.
لا بد من التذكير أيضا أن هذه الاقتراحات تضاف إلى الاقتراح الذي كان قد تقدم به النائب أديب عبد المسيح سابقا والذي يهدف إلى تمديد ولاية مجلس النواب حتى 31 أيار 2027.
إن هذه الاقتراحات تستوجب الملاحظات التالية:
حقيقة الظروف الاستثنائية ومدة التمديد
لا شكّ أنّ الحرب الإسرائيلية وتوسّعها كي تطال مختلف المناطق اللبنانية تشكّل حالة طارئة تنطبق عليها الشروط القانونية لنظرية الظروف الاستثنائية. إذ أنّ الأعمال الحربية تؤدّي إلى إحداث اضطراب كبير في سير الحياة السياسية الطبيعية ما يعني أن الانتخابات لا يمكن أن تحصل في جو من الاستقرار الذي يضمن نزاهة العملية الانتخابية وديمقراطيتها.
وقد اعتبر المجلس الدستوري في أكثر من قرار له أنّ حقّ الاقتراع هو من الحقوق المكرّسة دستوريّا التي تؤدي إلى بروز مبدأ دستوريّ آخر هو "مبدأ الدورية في ممارسة الناخبين لحقهم في الاقتراع، والذي ينطوي على وجوب دعوة الناخبين لممارسة حقهم في الانتخاب بصورة دورية وضمن مدة معقولة"، ما يعني أنه في حال كان يعود للسلطة التشريعية تحديد مدة الوكالة الانتخابية فهي لا تستطيع أن "تعدل في مدة الوكالة الجارية إلا لأسباب مستمدّة من ضروراتٍ قصوى وفي حدود المدة التي تستدعيها هذه الضرورات، أي في حال وجود ظروف استثنائية" وذلك "حفاظا على النظام العام أو ضمانا لاستمرار سير المرافق العامة وصونا لمصالح البلاد العليا"(قرار رقم 1 تاريخ 12 أيلول 1997).
لكن القبول بمخالفة المبادئ الدستورية بسبب الظروف الاستثنائيّة لا يمكن أن يعني منح مجلس النواب صلاحياتٍ مطلقة لتفسير هذه الظروف بشكل اعتباطيّ وبما لا يتناسب مع الضرورات التي تفرضها هذه الأخيرة. فقد اعتبر المجلس الدستوري في قراره رقم 7 بتاريخ 28 تشرين الثاني 2014 أن "الظروف الاستثنائية تحدد في المكان والزمان" ما يعني أن حالة الضرورة "يجب أن تكون مقيدة في حدود المدة الزمنية التي ترتبط بتلك الحالة" علمًا أن تقدير مجلس النواب لوجود ظرف استثنائي يظلّ خاضعًا لرقابة المجلس الدستوري الذي يتحقّق من جدّية هذه الظروف ومدى تبريرها لمخالفة الدستور.
وقد ذهب المجلس الدستوري في القرار نفسه عندما كان ينظر في قانون قضى بتمديد ولاية مجلس النواب حينها أن الظروف الاستثنائية قد تبرّر تأجيل الانتخابات لكنها "لا تبرر تمديد ولاية المجلس مجددا سنتين وسبعة أشهر" لأن هكذا مدة طويلة تعتبر "غير متناسبة" ولا يمكن "تبريرها باعتبارات مستقبلية أو افتراضية" لذلك "تبرر الظروف الاستثنائية تأجيل الانتخابات لمدة محدودة تزول معها الظروف الاستثنائية غير أنها لا تبرر تمديد ولاية مجلس النواب سنتين وسبعة أشهر".
جراء ما تقدم، يصبح جليًّا أن الاقتراحات جميعها تتفق على وجوب تأجيل الانتخابات نظرًا لوجود ظروف استثنائية فعليّة لا يمكن التشكيك بها لكنها تختلف في مدة التمديد. فالاقتراح الأول يهدف إلى تمديد ولاية مجلس النواب لسنتين وهي فترة طويلة جدا لا يمكن القبول بها أو تبريرها دستوريا إذ لا يوجد حتى الآن أي مؤشر على أن الحرب ستستمرّ حتى 2028.
لذلك يمكن القول أن الاقتراح الأول يخالف الدستور إذ في حالة إقراره تكون السلطة التشريعية قد أخطأت بشكل ساطع في تقدير الظروف الاستثنائية وأخلت بمبدأ دوريّة الانتخابات بشكل صارخ ما يعني أن التمديد في هذه الحالة يخفي أهدافًا سياسية مضمورة لا تتعلق بحالة الضرورة فقط.
ولا يرد على ذلك وفق بعض التصريحات التي تمّ التداول بها عبر وسائل الإعلام بأن التمديد كان دائمًا يتمّ لسنتين، أولا لأنّ السوابق لم تكن دائمًا لسنتين بل جاءتْ متباينةً لناحية مدّة التمديد، وثانيا لأنّ تلك التمديدات لا تشكّل عرفًا دستوريًّا يجوز البناء عليه إذ هي عبارة عن تمديداتٍ استثنائيّة جرتْ إما خلال سنوات الحرب الأهلية الطويلة عندما كان لا يمكن إطلاقًا توقّع متى تنتهي الحرب، أو بعد 2005 بسبب الأزمات السياسية المتعددة التي شهدها لبنان علمًا أنّ المجلس الدستوري اعتبر في قراره الصادر سنة 2014 والمذكور سابقًا أنّ التمديد مخالف للدستور لكنه اضطر للموافقة عليه وعدم إبطاله منعًا للفراغ.
أما الاقتراح الثاني الذي يحصر التمديد بستة أشهر والاقتراح الثالث الذي يقتصر بموجبه التمديد على أربعة أشهر قابلة للتجديد مرتين أي ما مجموعه سنة كاملة كحد اقصى، يمكن القول أنهما لا يخالفان الدستور لأن مدة التمديد تهدف فقط إلى تدارك الحالة الاستثنائيّة عبر تأجيل الانتخابات كي تجري في تاريخ لاحق يسمح للمواطنين بممارسة حقّهم الدستوري بكل حرية وفي ظروف مستقرة تعطي لهذا الحق معناه الديمقراطي الحقيقي.
إشكاليات دستورية في الاقتراح الثالث
إذا كان الاقتراح الثالث يصيب لناحية مدة التمديد المحدودة التي يقترحها، لكنه يخالف كليًّا الدستور في الآلية الهجينة التي يعتمدها من أجل تجديد فترة التمديد عبر قرار يتّخذ في مجلس الوزراء. فولاية مجلس النواب يحددها القانون حصرًا ولا يمكن اختصارها إلا عبر وسيلتيْن إما بإصدار قانون جديد يعدل هذه الولاية عبر تقليصها زمنيًّا أو عبر صدور مرسوم بحلّ مجلس النواب وفقا للشروط المحددة في المواد 55 و65 و77 من الدستور.
وبالتالي فإن منح الحكومة (مجلس الوزراء فعليًّا) صلاحيّة تمديد ولاية مجلس النواب بقرار إداريّ يعني تخويل السلطة التنفيذية التحكم بولاية السلطة التشريعيّة اختصارًا أو تمديدًا بشكل يؤدّي إلى خرق مبدأ الفصل بين السّلطات هذا فضلًا عن أنّ الاقتراح يربط تجديد التمديد "باستمرار القوة القاهرة التي تحول دون إجراء الانتخابات" وهو ربط مبهم إذ يمنح مجلس الوزراء سلطة استنسابية واسعة جدا في تفسيره.
لا بل أن المجلس الدستوري كان قد اعتبر أن تمديد ولاية المجالس البلدية لفترة "أقصاها" تاريخ يحدده القانون يشكل مخالفة للدستور إذ لا يمكن السماح للسلطة الإداريّة بتحديد موعد إجراء الانتخابات وفقا للتالي: "وحيث إن ترك المشترع للسّلطة الإداريّة أمرًا هو من صلاحيته المقررة له في الدستور من ضمن صلاحيات شاملة، تتناول فيما تتناوله، الموعد الذي تجري خلاله الانتخابات، هو أمر مخالف للدستور، علمًا أنه كان بالإمكان تجنب هذه المخالفة الدستورية بعدم تضمين النص كلمة أقصاه" ( قرار رقم 6 تاريخ 30 أيار 2023).
فإذا كان منح السلطة التنفيذية صلاحية تحديد متى تنتهي ولاية المجالس البلدية يشكل مخالفة دستورية، وهي مجالس أوجدها القانون ولا تكريس دستوري لها، بكم بالحري مجلس النواب نفسه الذي يعتبر سلطة دستورية لا يمكن المسّ بولايته إلا وفقا للشروط التي يضعها الدستور. لا بل أن الاقتراح يكتفي بمنح "الحكومة" صلاحية تمديد ولاية البرلمان لفترة أربعة أشهر قابلة للتجديد مرة أخرى من دون تحديد متى يتوجب على هذه الأخيرة اتخاذ هكذا قرار ما يجعل الانتخابات برمتها رهينة قرار الحكومة وهو ما يمسّ بمبدأ الاستقرار التشريعي الذي يوجب إجراء الانتخابات في موعد يمكن توقعه ومعرفته مسبقا من أجل ضمان نزاهة العملية الانتخابية.
خطورة الاقتراح الأول
إن الطبيعة التوافقية التي يرتديها الاقتراح الأول تظهر أيضا في الأسباب الموجبة التي تشير في نهايتها أن التمديد "سيفسح في المجال للتوصل إلى قانون انتخابي جديد يؤمن صحة التمثيل للجميع". ولا شكّ أن الربط بين التمديد وتبني قانون جديد للانتخابات يعكس نية لتأجيل الانتخابات ليس فقط بسبب الظروف الاستثنائية لكن أيضا من أجل التوافق على شروط إجرائها وهو أمر يخالف الدستور عملًا بما أعلنه المجلس الدستوري أيضا في قراره سنة 2014 عندما اعتبر أنه "لا يجوز ربط إجراء الانتخابات النيابية بالتوافق على قانون انتخاب جديد" لأن الانتخابات النيابية "استحقاق دستوري يجب إجراؤه في موعده".
وما يفاقم من خطورة هذا الاقتراح ليس فقط رهن حقوق المواطنين الدستورية بالتوافق بين الجهات السياسية المسيطرة على البرلمان لكن أيضا أن فترة التمديد الطويلة التي يريدها تضع المجلس الدستوري في حال الطعن بالقانون أمام موقف حرج يمكن أن يقال إنه أقرب للابتزاز. فقد اعتبر هذا الأخير في قراره سنة 2014 أن "تقصير مدة التمديد تخرج عن صلاحيات المجلس الدستوري الذي لا يستطيع أن يحلّ نفسه محلّ مجلس النواب"، ما يعني أنه في حال الطعن بالقانون سيجد المجلس الدستوري نفسه مضطرًا إلى اتخاذ الخيار التالي: إما إبطال القانون بسبب فترة التمديد الطويلة في ظل هذه الظروف الضاغطة أو الرضوخ للأمر الواقع والقبول بالتمديد الطويل رغم مخالفته للدستور خوفا من التهويل بالفراغ.
وتظهر الطبيعة الطارئة للاقتراح الأول في طلبه استعجال إصداره عملا بالمادة 56 من الدستور، ما يعني أن رئيس الجمهورية بات ملزمًا بإصدار القانون خلال خمسة أيام فقط وليس خلال شهر كما هي الحال بالنسبة إلى القوانين العادية.
في الخلاصة، لا شكّ أن لبنان اليوم يمرّ بظروف استثنائية تحتم تأجيل الانتخابات، وهي ظروف جاءت كي تستفيد منها بعض القوى التي كانت تتمنّى التمديد في سرّها فكانت الحرب الاسرائيلية الذريعة الفضلى لتحقيق تلك الغاية على قاعدة "ربّ ضارّة نافعة". لكن نظرية الظروف الاستثنائية لا تعني إطلاق يد السلطة كي تتصرف كما يحلو لها بشكل اعتباطيّ عبر تأجيل الانتخابات لفترة طويلة لا تتناسب مع حقيقة تلك الظروف. فمبدأ دورية الانتخابات يجب أن يتمتع دائما بالأولوية الدستورية ويجب العودة إليها بمجرد انتهاء الظرف الاستثنائي إذ لا يعقل أن تشكّل الحرب عقابا للمواطنين عبر الحدّ من حقوقهم السياسية ومكافأة للسلطة السياسية عبر التمديد لها لسنتين. إذ أن نظام التمديد الذي سيطر على لبنان لسنوات طويلة لن يجد حرجا في التذرع بأيّ حجة من أجل مصادرة حقوق اللبنانيين وربطها دائما بالتوافق السياسي بين مختلف أركان السلطة. حتى من دون الحرب الحالية، كان هذا النظام سيقدم على التمديد في حال وجد أن مصلحته تفرض ذلك.