هكذا جرّدت “هيئة الاستشارات” العاملات من إنسانيّتهن: وصمة سوداء على جبين لبنان

لين أيوب , نزار صاغية

08/12/2025

انشر المقال

أصدرت هيئة الاستشارات والتشريع في تاريخ 24/4/2025 رأيها بشأن اقتراح القانون الرامي إلى إلغاء استثناء العمل المنزلي لقاء أجر من حماية قانون العمل وتنظيمه، وإلى تقويض الإجراءات المتّخذة خارج أيّ إطارٍ قانونيّ والتي اصطُلح على تسميّتها “نظام الكفالة”. وكان عددٌ من النّواب قد تقدّموا في تاريخ 12/12/2024 بهذا الاقتراح بالتعاون مع منظّمة كفى وتحالف قوننة العمل المنزلي (والمفكرة القانونية جزء منه)، وأحيل من مجلس النواب إلى الحكومة لإبداء الرأي. وإذ برزت هذه الاستشارة بعدما تمّ وضع اقتراح القانون على جدول أعمال مجلس الوزراء في 19/11/2025، نما إلينا أنّ وزير العمل عمد إلى سحبه عنه بناء على رأي الهيئة بوجوب الاكتفاء بالعقد الموحّد من دون وجود حاجة لقوننة العمل المنزلي.

وفي التفاصيل، يرمي الاقتراح إلى إلغاء استثناء “الخدم في بيوت الأفراد” الوارد في المادة 7 من قانون العمل، وإضافة باب خاصّ لتنظيم قطاع العمل المنزلي وفقًا لخصوصية هذا العمل، يضّم تنظيمًا للعقود، وللعلاقة بين أصحاب العمل والعاملات والحقوق والواجبات المترتبة عليهم، فضلا عن أحكام خاصّة للعمال الأجانب كطرق وكلف الاستقدام وغيرها. وتجدر الإشارة إلى أنّ هذا الاقتراح يختلف عن الطرح التشريعي السابق لوزارة العمل، والذي كان انبنى على وضع تشريع خاصّ بهذه الفئة بما فتح مجالا للتمييز ضدها مقارنة بالحقوق التي يكرّسها قانون العمل. وإذ شكّل تقديمه خطوةً نوعيّة طال انتظارها لتشريع حماية العاملات المنزليّات، بدا تقييم الهيئة له مبنيّا على تصوّرات ومواقف مُسبقة، خالية من الحدّ الأدنى من المنطق الحقوقي العقلاني. ولا نبالغ إذا قلنا أن هذه المواقف المسبقة لم تحُل دون أيّ تقييم جدّي لمضمون الاقتراح وحسب، إنما ذهبتْ إلى حدّ نكران وتسفيه مجمل المظالم التي تتعرّض لها العاملات وصولًا إلى تجريدهنّ من إنسانيتهنّ.   

وقبل المضي في تفصيل ما جاء في هذا الرأي، يجدر إبداء ثلاث ملاحظات تمهيدية:

الأولى، أن هيئة التشريع والاستشارات هي وحدة داخل وزارة العدل منشأة لإعطاء المشورة للإدارات العامة، وهي مكوّنة من قضاة حصرًا. ويُفهم من تكوينها على هذا الوجه أن ثمة إرادة تشريعيّة أن تبني هذه الهيئة مشورتها على القانون وأن يلتزم أعضاؤها عند ممارستهم مهامها بالأخلاقيات القضائية التي تقوم أولا على احترام الكرامة الإنسانية مع انتباه خاص للفئات الهشة والمعرّضة للانتهاكات المزمنة،   

الثانية، أن آراء الهيئة تصدر مشفوعةً بتوقيع مدير عامّ الوزارة، وهذا ما حصل فعليا بخصوص هذا الرأي. وعليه، يصبح هذا الرأي محسوبًا أيضًا على وزارة العدل، مع التنبيه إلى أن لوزير العدل التبرؤ منه ومن الوصمة السوداء التي يرشح عنها، من خلال إحالته إلى الهيئة العليا للاستشارات، لإقرار رأي أكثر تعبيرًا عن قيم الدولة وانسجامًا مع التزاماتها.

والثالثة، أنّ منظمة كفى قد وجّهت تعليقا اعتراضيّا إلى الأمانة العامّة لمجلس الوزراء، وهو الاعتراض الذي يلتقي مع العديد من الملاحظات التي نسوقها في هذا المقال.

إنكار إنسانية العاملات المنزليّات  

أخطر ما نلحظُه هنا هو تعليق الهيئة على تضمين الاقتراح “تمتع العامل بحرية الدخول والخروج في أوقات الرّاحة والإجازات”. وقد جاء حرفيا في التعليق “أنّ بعض الحقوق المنصوص عليها في اقتراح القانون يمكن أن تعرّض العامل المنزلي للخطر وتحمّل صاحب العمل المسؤوليّة التي قد تنجم عن فعل العامل، ذلك أن العامل الذي لا يعرف اللغة والّذي يكون متواجدًا في محيط غريب عنه يجعله عرضة للخطر أو للقيام بعمل خاطئ قد يسبب ضررًا للغير”. ونستشفّ من ذلك أنّ الهيئة الاستشاريّة تتذرّع بكون العامل أجنبيًّا لا يعرف اللغة وتاليا إمكانية تعرضه لمخاطر أو لارتكاب “أعمال خاطئة” لإنكار حقه بالتمتّع بأوقات الرّاحة والإجازات أو بشكل أعمّ بأي خصوصية أو حيّز خاصّ خارج أماكن العمل. لا بل يذهب الرأي الاستشاريّ إلى حدّ إنكار شخصيّة العامل وضمنًا قدرته على الإدراك واستقلاليّته الذاتيّة في اختيار ما يراهُ مناسبًا في حيّزه الخاصّ، وصولا إلى اعتبار صاحب العمل مسؤولا عن كل ما يرتكبه العامل لديه. 

ولا يمكن أن يفهم رأي الهيئة هنا إلا على أنه تجريد للعامل من إنسانيته. فبالإضافة إلى أنّه لا يعترف بحاجات العامل إلى ممارسة حريته الشخصية في ساعات الراحة والإجازة ويعدّه غير معنيّ بالتمتّع بالحقوق الإنسانيّة البديهيّة، فإنّه يرى أيضًا أنّه يفتقر إلى القدرات العقلية التي تُنسب عادةً إلى البشر وتاليا إلى القدرة على تحمل مسؤولية أعماله. ولا يخفى هنا القياس الضمني بين مسؤولية صاحب العمل عن أعمال العامل لديه ومسؤولية مالكي الحيوانات الأليفة. وإذ يعكس هذا التوجه موقفا عنصريا واضحا حيال العاملات، فإنه يؤدّي بفعل تجريدهم من الإنسانيّة إلى تبرير شتّى أنواع التمييز وسوء المعاملة والانتهاك والأهم إبراء الدولة من أيّ مسؤولية في ضمان أمنهم وحمايتهم. 

ويشكّل توّجه الهيئة على هذا الوجه انعكاسًا لمواقف مُسبقة متوارثة في المجتمع اللبناني ترفض أيّ فكّ للارتباط بين العاملة المنزليّة وصاحب العمل، باعتبار أنها تخضع له، ويدفع تكاليف استقدامها أي أنّه “يملكها” وتشكل رهينة لديه حتى انتهاء الفترة المتّفق عليها. وكانت المفكرة القانونية قد تصدّت سابقًا لموقف مماثل تمثل في التعميم الصّادر عن وزارة العدل بناء على طلب الأمن العام في 2014 عملا بالمنطلقات نفسها، وهو التعميم الذي اصطُلح على تسميته تعميم “منع الحب”. وقد فرض التعميم حينذاك على الكتّاب العدل تنظيم تعهدات يتعين على أصحاب العمل توقيعها للاستحصال على إقامات للعمّال الأجانب، بأنّه ليس لهؤلاء أيّ حياة زوجية أو حميمية مع شخص غير لبناني في لبنان وبأنّهم يلتزمون بإعلام الأمن العام بأيّ زواج مستقبليّ قد يقدم عليه العامل أو العاملة لديهم ليصار إلى ترحيله. وتبعا لتدخل المفكرة وعدد من المنظمات الحقوقي، عادت وزارة العدل وألغت التعميم المذكور. 

وهكذا، وعلى الرغم من أن لا أحد في لبنان يتخيّل منع موظف أو أجير لبناني من الخروج من مكان عمله في أوقات الإجازة، تجد ما يشبه القبول الواسع لدى الهيئة ومثلها لدى شريحة واسعة من اللبنانيين لمنع خروج العاملات من مساكن أصحاب العمل. وما كان لهذا القبول أن يحصل لو لم تسبقْه عمليّة ذهنيّة ضمنيّة قوامها تجريدهن من إنسانيّتهنّ. هي الوصفة السحريّة التي تمهد لإنكار أبسط الحقوق، تماما كما مهّد تجريد اليهود قبيل الحرب العالمية الثانية وخلالها والفلسطينيين من إنسانيّتهم لإنكار حقوقهم البديهية وصولًا إلى تبرير إبادتهم.  

الاتّجاه نفسه نحو تجريد العامل من إنسانيّته نجده في تعليق الهيئة على مفهوم “الإقامة الحرّة” أي الإقامة المؤقّتة التي يمنحها الأمن العامّ للعامل المنزليّ الأجنبيّ الذي قد يرغب بالتّفتيش عن صاحب عمل جديد. فقد برّرت الهيئة رأيها المعارض لهذا الاقتراح بأنه “يتعارض مع مبدأ ضبط الدولة لجميع الداخلين والمقيمين الأجانب إلى لبنان ذلك أن كلّ أجنبي موجود على الأراضي اللبنانيّة يجب أن يعطي عنواناً لإقامته للتمكّن من مراقبته تأميناً وضبطاً للسلامة العامّة”. 

للوهلة الأولى، لا نفهم الرابط بين الاقتراح والاعتراض عليه، إذ أن مفهوم “الإقامة الحرّة” لا يعتُق إطلاقًا العامل من رقابة الأمن العام وتحديدًا من وجوب إعلامه بمكان سكنه وبأي تعديل عليه، إنما جلّ ما يفعله هو منح العامل تمديد إقامته لمهلة قصيرة (ثلاثة أشهر) رغم تركه العمل لدى صاحب العمل (الكفيل) لتمكينه من إيجاد عمل عند شخص آخر، مع حفظ حقوق الأول باسترداد ما قد يكون قد سدّده من نفقاتٍ لاستقدامِه. والهدف من هذا الاقتراح هو تحرير العامل من تحكّم صاحب العمل في إقامته في لبنان، على نحو يعطي هذا الأخير امتيازًا هائلًا يضاف إلى مجمل الامتيازات الأخرى، هو امتياز أن يكون ربّ الإقامة فضلا عن كونه ربّ العمل. إذ بفعل هذا الامتياز، غالبًا ما يلقى العامل نفسه أمام معادلة الإذعان لشروط العمل التي يفرضها هذا الأخير مهما كانت تعسفيّة أو ظالمة تحت طائلة فقدان الإقامة، مما يمهّد إمّا لترحيله أو لتواريه عن الأنظار بهدف مواصلة العمل في لبنان بصورة غير نظاميّة، حيث أنه لا يكون للعامل إمكانيّة تغيير عمله إلا بتنازل صاحب العمل (أو من يسمّى الكفيل) عن كفالته عنه لصاحب العمل الجديد. وليس أدلّ على هذا الوضع من استخدام كلمة “الفرار” أو “الهرب” لتوصيف الحقّ المشروع لكلّ عامل في ترك عمله، بما يذكّر بفترة العبوديّة أو أيضا حوادث القفز من النوافذ. وعليه، ما هدف الاقتراح إلى تحقيقه من خلال تحرير العامل من هذه المعادلة، هما من جهة (1) حماية العامل ضد إمكانية استغلاله والإتجار به من خلال منحه إمكانية الخروج من العلاقة الاستغلاليّة من دون أن يستتبع ذلك بالضرورة فقدانه الحقّ بالإقامة والعمل النظامي في لبنان، و(2) مكافحة ظاهرة تواري العامل عن أنظار الأمن والعمل المنزلي غير النظامي، الآن وقد تم نشريع حقه بترك عمله والبحث عن صاحب عمل آخر من دون فقدان الحق بالإقامة. ومؤدى هذا الاقتراح في حال الأخذ به أن يعزّز الرقابة الفعلية على عمل الأجانب وإقامتهم والحدّ من العمل غير النظامي، أي نقيض ما ذهبت إليه هيئة الاستشارات والتشريع. 

وعلى ضوء ذلك، يتبدّى بوضوح أنّ اعتراض الهيئة على هذا الاقتراح لا يتّصل إطلاقًا بواجب الأجنبي إعلام الدولة بمكان إقامته تمكينًا لها من ممارسة دورها في ضبط إقامته فيها (وهو واجب عزّزه الاقتراح من خلال الحدّ من العمل غير النظاميّ)، إنّما برفضها حرية العامل في اختيار مكان إقامته بل رفضها أصلًا إقامة العامل خارج مكان العمل على أساس أن الرقابة عليه لا يمكن أن تتمّ بعيدًا عن أعين صاحب العمل. وهذا ما يشكّل بالواقع امتدادًا لنكران حقّ العمل في الخروج من أماكن أو التمتّع بأيّ حيّز خاصّ ولتجريده من إنسانيّته. إذ من منظور الهيئة، كيف يمكن تخيّل أن يكون للعامل مكان إقامة مستقلّ إذا لم يكن من الممكن حتى تخيّل خروجه من مسكن صاحب عمله؟        

إنكار وظائف الدولة في حماية حقوق الإنسان ومنع الإتجار بالبشر   

الأمر الثاني الذي نلحظه هو نكران الهيئة وظائف الدولة والتزاماتها في حماية الحقوق والحريات الأساسية، وتحديدًا وظيفتها في ضمان احترام الكرامة الإنسانية للأشخاص من الفئات الهشّة وسلامتهم ضدّ احتمالات الإتجار بهم واستغلالهم. وهذا النكران يأتي في الواقع متلازمًا ومبرّرًا بنِكران إنسانيّة العاملات كما سبق بيانه.     

وقد تبدّى ذلك في سلسلةٍ من المواقف الواردة في الرأي. فعدا عن أنّ الهيئة لم تُبدِ أيّ تعاطف مع العاملات المنزليّات في لبنان إزاء ما يتعرّضن له من انتهاكاتٍ جسيمة ليس لأحد إنكارها، فإنّها سخّرت مرجعيّتها الاستشارية لإنكار أيّ أهميّة أو فائدة لتدابير الحماية التي قدمها الاقتراح بهدف معالجة هذه المظالم. ويبدو أن الهيئة نسيت في سياق حماستها لتدمير الاقتراح واجبها في تنوير الدولة إلى ما يجب أن تتّخذه من إجراءات قانونيّة ومؤسساتيّة لوقف هذه المظالم ضنًّا بمسؤوليتها وتنفيذًا لالتزاماتِها الدوليّة وفي مقدمتها العهدين الدوليين لحقوق الإنسان واتفاقية الرقّ والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري وبروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص، وبخاصة النساء والأطفال. إذ أن المطلوب والمنتظر منها ليس التجنّد لمكافحة مبادرة نيابيّة بالتعاون مع بعض المنظمات الحقوقيّة والنقابيّة لوضع حدّ للمظالم، بل تقديم مساهمة فعلية لضمان احترام لبنان قيمه والتزاماته. 

أولى السقطات القانونية والأخلاقية في هذا المضمار هي اعتراض الهيئة على إلغاء استثناء العاملات المنزليات من حماية قانون العمل، مكتفية بمبرّر واحد قوامه أنّ التشريع في هذا المجال غير ضروري، بعدما اعتمدت وزارة العمل في سنة 2020 “عقد عمل موحد”. وقد أضافت الهيئة أنه في حال وجود أيّ مخالفة لبنود العقد، فإنّه “يتمّ معالجتها من خلال مراقبة تطبيق بنود العقد ومعاقبة المخالف وليس من خلال تعديل القانون وإدخال نصوص تشريعيّة تلزم العامل بإجراء مقابلة عبر تقنيّات التواصل الحديثة”. والواقع أنّ هذه الكلمات صادمة: فلئن نفهم منها أنّ الهيئة لا ترى حاجةً إلى إلغاء استثناء العاملات المنزليات من حماية قانون العمل، فإنّها تتجاهل ضمنًا وجوب مناقشة مبدئية إلغاء الاستثناء عملا بمبدأ المساواة وخصوصا بعد زوال أسبابه التاريخية. وهي كلمات صادمة لأنه كان يجدر بالهيئة أن تعلم صعوبة بل استحالة ولوج العاملات إلى العدالة لتنفيذ العقد الموحّد في ظلّ القوانين الحالية والممارسات المعتمدة من المديرية العامة للأمن العام (وهذا ما أثبتته المفكرة في التقرير الذي أعدّته بالتعاون مع منظمة العمل الدولية تحت عنوان “متاهة العدالة: عاملات المنازل أمام المحاكم اللبنانية”، 2020). وقد خلص التقرير بعد مراجعة أعمال المحاكم خلال فترات زمنية طويلة، إلى أنّ “نظام الكفالة هو وصفة للإفلات من القضاء ومن العقاب” بفعل الامتيازات الهائلة التي يمنحها لصاحب العمل في موازاة حرمان العامل من حماية قانون العمل. وهو الأمر الذي يتأتى عن الخيارات الضيقة المتروكة للعاملة والتي تنتهي غالبا إلى الإذعان للانتهاكات الجسيمة حفاظا على عملها أو إلى إجراء تسوية مع صاحب العمل تتنازل فيها عن حقوقها ضده مقابل تنازله عن الكفالة والسماح لها بالعمل لدى “كفيل” آخر أو إلى التواري عن الأنظار كما سبق بيانه ضمانا لفرصة العمل في لبنان بصورة غير نظامية، وكلها خيارات مؤداها حرمان العاملة من حق التقاضي وتحصين “الكفيل” إزاء أي مساءلة قضائية.

وما يزيد رأي الهيئة فداحة هو أن العقد الموحد الذي تعدّه كافيًا لتأمين حماية كافية تمّ أصلًا وقف تنفيذه بقرار من مجلس شورى الدولة في تاريخ 14/10/2020. وأمام كل هذه المعطيات، لا نفهم موقف الهيئة إلا على أنه تعبير عن أنها لا تتحمّل منح العاملات حماية قانون العمل لا لسبب إلا لأنها لا تتحمل ذلك. وتبلغ السّقطة أوجّها مع استخفاف الهيئة بالاقتراح لكونه لم يأخذ موقفًا من إبقاء الكفالة أو إلغائها: وعدا عن أن هذا الاستخفاف في غير محله طالما أن نظام الكفالة ليس نظاما قانونيا إنما مجرد ممارسة إدارية وأن الاقتراح قد عالج الإشكاليات الناجمة عنه ومنها إدخال مفهوم الإقامة الحرة والذي سبق بيانه أعلاه، فإن أسوأ ما فيه أن الهيئة تدلي به في سياق حماستها لتدمير الاقتراح من دون أن تعي أنّ المسؤول الأول الذي يفترض أن يزود الحكومة برأيه في هذا النظام هي الهيئة نفسها وأن رأيها يبقى منقوصا في حال خلوه من أي موقف منه ومن مفاعيله.   

وتتوالى من ثمّ السّقطات القانونية والأخلاقية في رأي الهيئة، في اتجاه حرمان العاملات من حقّهن بالحماية وتاليا في اتجاه إبراء الدولة من مسؤوليتها في ضمان حقوقهن الأساسية. 

فتمامًا كما لا تتحمّل الهيئة فكرة اشتمال قانون العمل للعاملات، لا تتحمّل حتى وضع نص صريح يمنع من هم دون 18 عامًا عن القيام بالأعمال المنزلية، بحجة أنّه غير ضروري في ظلّ وجود المادة 21 من قانون العمل وفق قولها، على الرغم من أن هذه المادة تخلو من أيّ ذكر للعمل المنزلي في سياق تعداد الأعمال التي يُمنع الأطفال من القيام بها، فضلا عن أنّ العمل المنزلي ليس أصلًا مشمولًا بقانون العمل. 

وبما لا يقلّ خطورةً، لا تتحمّل الهيئة تحميل وزارة العمل أيّ دور في حماية العاملات سواء في تلقي الشكاوى أو التحقيق فيها أو حتى المبادرة من تلقاء نفسها للتأكّد من ظروف العمل، بل تدعو عمليّا لتجريدها من الأدوار المحدودة التي تؤدّيها حاليا. وعليه، تعارض الهيئة إنشاء آلية للشّكاوى الإلكترونية في وزارة العمل بحجة “أن إنشاء آليّة مشابهة يستوجب تعديل نصوص قانونية عدّة تبدأ بقانون أصول المحاكمات المدنية ولا تنتهي بقانون الدخول الى لبنان والاقامة فيه والخروج منه، هذا فضلًا عن أن المهلة المحددة لإنشاء هذه الآلية غير واقعيّة لوجوب ذكر اعتمادات لها في الموازنة ومن ثم تطبيق الإجراءات المنصوص عليها في قانون الشراء العام لإجراء التلزيم وفق الأصول”. وندرك حجم الخطأ هنا إذا علمنا أن وزارة العمل قد أنشأت فعليا هذه الآلية HOTLINE منذ أمد طويل، وذلك تيمّنا بالعديد من الإدارات اللبنانية العاملة في قطاعات عدة، وإن توقفت هذه الآلية تبعًا للأزمة المالية. هذا فضلًا عن أنّ الشكوى هي شكوى إدارية أمام المرجع المختص (وزارة العمل) أملًا بتدخلها لتأمين الحماية، وهي مختلفة جذريّا عن الشكوى الجزائية أمام النيابات العامة والقضاء، مما يجعل الرأي بوجوب تعديل أصول المحاكمات المدنية أمرا خارجا عن الموضوع. 

ونستشفّ التوجّه نفسه في رفض الهيئة فكرة تكليف موظف من وزارة العمل الانتقال إلى مكان العمل في حال وجود شكوى لإجراء تحقيق بناء لإشارة النيابة العامة وينظّم محضراً بذلك، بحجة أنها غير قانونية “لأن موظف وزارة العمل ليس من الضابطة العدلية التي يمكنها القيام بهذا الإجراء كما أنّه غير واقعي وغير قابل للتطبيق”. وهنا أيضًا تدلي الهيئة بحجة لا تستقيم قانونا طالما أن الاقتراح سعى هنا إلى التوفيق بين ضرورة ضمان حماية العامل وحرمة المنازل، من خلال منح موظفي وزارة العمل صلاحية الدخول إلى المنازل للتحقيق في الشكاوى المقدمة. وقد جاء اشتراط صدور إشارة من النيابة العامة كضمانة إضافية لحرمة المنازل، علمًا أن للمشرع أن يعطي صفة الضابطة العدلية وفق المادة 38 من أصول المحاكمات الجزائية بموجب قانون خاص لأيّ موظف يتولّى التحقيق في شكاوى ضمن اختصاصه تماما كما فعل بشأن حراس الأحراش أو مفتشي وزارة الصحة … إلخ. وفي السّياق نفسه، رفضت الهيئة فكرة إجراء وزارة العمل مقابلات دوريّة مع العامل المنزلي خلال الثلاثة أشهر الأولى من بدء التعاقد للتأكد من حسن تطبيق أحكام القانون.  

كما هي لا تتحمل فكرة تكليف أصحاب العمل بمسك سجلّ لساعات العمل وفق النموذج المُعتمد من وزارة العمل، بهدف ضمان ساعات العمل، واحتساب الأوقات التي يكون فيها العامل بحالة الانتظار أو المراقبة أو الجهوزيّة من ساعات العمل الأساسيّة، بحجّة أنّ هذا الشرط “غير منطقيّ ولا جدوى منه ولا يمكن التقيّد به”. وهي هنا أيضًا لا تبذل الهيئة أيّ جهد لتقديم اقتراح بديل لمنع الاستغلال المفرط والذي يصل أحيانا حدّ العمل القسري والإتجار بالبشر، علمًا أنّ الدراسة التي أعدّتها الجامعة الأميركية بالتنسيق مع منظمة العمل الدولية قد وثقت انطلاقا من إجابات أصحاب العمل الموثقة أن “ما يزيد عن 57% منهم صرّحوا أن العاملات يعملن لسبعة أيامٍ في الأسبوع، ولا يستفدن من أيّ راحةٍ أسبوعيّة”. 

وبما لا يقلّ خطورة، هو رفض الهيئة التعديل المقترح للمادة 36 من قانون الدخول إلى لبنان والإقامة فيه والخروج منه والذي يعاقب الفعل الذي يحول دون قيام الأجنبي بالإجراءات اللازمة لتمديد إقامته. وهو تعديل يهدف إلى معالجة حالة شاذّة قوامها تحميل العامل مسؤولية جزائية عن واقع لم يتسببّ به ولا يملك في الغالب أي قدرة على تغييره، وهو الواقع الذي قد ينتج عن احتفاظ أصحاب العمل بأوراقه الرسمية خلافا للقانون ومنعه من الخروج أو التّواصل مع أيّ كان. وكانت المفكّرة قد وثّقت إحدى هذه المظالم حينما اكتفى القضاة في مراحل الملاحقة الثلاث (النيابة العامة، قضاء التحقيق، قضاء الحكم) بتحميل العاملة وحدها مسؤولية عدم تجديد أوراقها، من دون التدقيق في أسباب عدم التجديد ومدى تورط صاحبة العمل فيه”. وإذ بررت الهيئة موقفها بأن “المادة لم تحدد العناصر الماديّة لجرم الفعل الذي يحول دون قيام الأجنبي بالإجراءات اللازمة لتمديد إقامته”، فإنها هنا أيضا لم ترَ حاجة لتقديم أي اقتراح بديل لوضع حدّ لهذه المظلمة. 

إنكار دورها كهيئة استشارية مكوّنة من قضاة 

لم تكتفِ موقّعتا الرأي (رئيسة الهيئة جويل فواز والعضو في الهيئة القاضية ماريز العمّ) بإنكار إنسانيّة العاملات ومسؤوليّة الدولة في ضمان حمايتهنّ، بل ذهبتا إلى حدّ إنكار دور هيئة الاستشارات والتشريع في قول القانون وإرشاد الدولة إلى الطرق الضروريّة للإيفاء بالتزاماتها القانونيّة والدستوريّة والدوليّة تجاه مواطنيها والمقيمين فيها، للحؤول دون توثيق انتهاكات بحقّها ووصمِها بها. وهذا هو في الواقع ما أراده المشرّع عند إنشاء هذه الهيئة الاستشاريّة مُشترطًا أن تكون رئيستها والأعضاء العاملون فيها قضاة؛ بمعنى أنّه أراد من خلال إنشائها ليس فقط الاستفادة من خبرات القضاة ومعارفهم في القانون، ولكن أيضًا من المواصفات الأخلاقية التي يجدر أن يتمتّعوا بها، من تجرّد وموضوعيّة وإنسانيّة. 

وللأسف، جاء رأي الهيئة بشأن المبادرة البرلمانية مناقضًا تمامًا لكلّ ما انوجدت من أجله أو كان ينتظر منها. إذ أتى مفعمًا بالمغالطات القانونية والمواقف المسبقة التي تعكس مشاعر منافية للكرامة الإنسانية وتؤدي عن قصد أو غير قصد إلى تبرير امتيازات أصحاب العمل، مع ما يستتبعه من إطالة لأمد المظالم وتوريط الدولة في مزيد من الانتهاكات والوصم.        

للاطلاع على رأي هيئة الاستشارات