مشروع قانون لتغطية مخالفات تملّك الأجانب طوال نصف قرن: تعطيل أهم الضمانات ضد المضاربات العقارية

فادي إبراهيم

09/08/2026

انشر المقال

ورد على جدول أعمال الهيئة العامّة، مشروع قانون لتعديل المادة 11 من قانون تملّك الأجانب في لبنان بحيث تمدّد لمدّة 5 سنوات المهل المنتهية وغير المنتهية بموجبه. ومن المعلوم أن المادة 11 تفرض على كل شخص غير لبناني تملّك عقارا بموجب ترخيص، أن يشيد البناء أو أن يخصص العقار المشترى للغاية التي منح الترخيص من أجلها؛ فضلا عن أنها ترتّب على مخالفة هذا الالتزام جزاءً صارمًا يتمثّل في سقوط أو إلغاء الحق العيني وبيع العقار من قبل وزارة المالية، مع مصادرة كامل الربح الناتج عن البيع لمصلحة الخزينة، بعد إعادة الثمن الأصلي والنفقات القانونية إلى صاحب الحق. كما أنها ترتب استحقاق غرامة  سنوية تراكمية بنسبة 2% من قيمة العقار تسجل على الصحيفة العقارية بمثابة دين ممتاز لمصلحة الخزينة.  

وقد تمّ تبرير المشروع ب "أن المرافق العامة في لبنان أقفلت أبوابها مرات عديدة بسبب عدة عوامل ومنها الإضرابات المتكررة لموظفي الإدارة العامة، مما أدّى إلى تأخر معاملات المواطنين أو حتى عدم تمكنهم البدء بهذه المعاملات ومن بينها الحصول على مستندات تجيز لأصحاب العلاقة التشييد على عقاراتهم وفقاً لما نص عليه القانون"، و"أن الأوضاع غير المستقرة في المنطقة وتأثيرها المباشر على لبنان حمل أصحاب الحقوق العينية العقارية من غير اللبنانيين التريث في إقامة الإنشاءات من المهلة المحددة قانونا".  

وقد تم إحالة مشروع القانون إلى لجنة المال والموازنة التي أنجزت درسه في جلسة وحيد في تاريخ 3/8/2026 داعية إلى المصادقة عليه كما ورد من الحكومة من دون أي تعديل.  

وقبل المضي في إبداء ملاحظاتنا على هذا الاقتراح، يجدر التنبيه إلى الأمور الآتية: 

  • إن التعديل المقترح كان قد ورد ضمن قانون موازنة عام 2026، إلا أن المجلس الدستوري عمد إلى إبطاله باعتباره من "فرسان الموازنة"، أي من الأحكام التي لا تمتّ بصلة مباشرة إلى قانون الموازنة ولا يجوز تمريرها ضمنه. 
  • إن التعديل المقترح يؤدي ليس فقط إلى تمديد المهل التي لم تنته بعد، إنما يشمل علاوة على ذلك وبصورة رجعية المهل التي انقضت حتى ولو كانت انقضت قبل عقود. وهذا الأمر إنما يؤكد أن الدافع الحقيقي لمشروع القانون يختلف تماما عن أسبابه المعلنة التي تبدو مجرد ذرائع لا تنطبق إلا على عدد قليل من التراخيص.  

غياب أيّ معطيات عن حجم التراخيص التي ستستفيد من هذا التمديد

بمراجعة الأسباب الموجبة، نلحظ أنها خلت من أي معطيات عن عدد التراخيص التي ستستفيد من هذا التمديد وماهيتها وتواريخ منحها والمساحات العقارية التي تشملها. ومن شأن غياب هذه المعطيات أن يحرم الرأي العام من تقييم الفائدة المرجوة منه أو المخاطر الناجمة عنه.  

تمديد المهل بصورة رجعية ومتكررة تشمل بيوعات أكثر من نصف قرن

كما سبق بيانه، لم يهدف مشروع القانون إلى تمديد المهل التي لم تنته بعد بل أيضا المهل التي انتهت، بما يعيد إحياء المهل المنتهية في أي وقت من قبل (ولو قبل عقود) لخمس سنوات. ونلحظ هنا أن هذا التعديل ليس الأول من نوعه، إذ كان سبق للمشرع أن عدّل هذه المادة بموجب القانون رقم 296 الصادر في 2001 ورقم 144 الصادر في 2019. وقد حصل التعديل في كلتا الحالتين بصورة رجعية تشمل ليس فقط المهل المنتهية كما المهل التي انتهت فعلا. وهذا ما يتحصل من تضمين هذه المادة الفقرة الآتية: "تعتبر مهل الترخيص السابقة لنفاذ هذا القانون، المنتهية منها وغير المنتهية ممددة حكما ودون الحاجة لإصدار نصّ خاصّ بها على أن لا تتجاوز مدة التمديد الخمس سنوات من تاريخ العمل بهذا القانون".  

ومؤدى هذا المشروع في حال إقراره، تمكين جميع غير اللبنانيين الذين حصلوا على ترخيص لشراء عقارات لغايات معينة منذ 1969 وخالفوا شروط الترخيص، الاستفادة من التمديد. 

ويجدر هنا استذكار اعتراض النائب نقولا فتّوش عند تعديل القانون في العام 2001 والذي ذهب إلى تمديد المهل المنتهية تمامًا كما يذهب إليه المشروع الحالي. إذ سجّل فتّوش أنذاك أنّه "تمدّد المهل والتراخيص التي أعطيت في ظل قانون الـ1969. هذه المهل، هي مهل إسقاط، يأتي هذا القانون ليحيي مهلاً لتراخيص قديمة، ويعطي تشريعاً جديداً…اضافة إلى ذلك عندما تريد أن تعطي خمس سنوات أخرى قابلة للتجديد، وهذا يترك عملية التلاعب بالأرض، لأن الغاية عندما وضع هذا المشروع المشبوه سنة الـ 1969 لبيع الأملاك كان تحت شرط أن ينجز العمل خلال خمس سنوات. الآن في هذا القانون، لديك خمس سنوات، ثم خمس سنوات أخرى قابلة للتمديد، ومع ذلك إن الانسان يشتري أرضاً ويتاجر بها ولا يقوم بعملية استثمار مشاريع أو تنفيذ… كيف نتكلم في هذا القانون والتراخيص سقطت يا دولة الرئيس، كيف يريدون القول بأننا نخرج من قانون الـ 1969 ويقولون الآن نريد تمديد رخص ماتت في القانون الـ 1969".

تعطيل إحدى أهم ضمانات القانون لمنع المضاربات العقارية 

بفعل التكرار الحاصل في تمديد المهل المنتهية وغير المنتهية، نستشفّ غياباً تامًا للإرادة السياسية في تطبيق   إحدى أهم الضمانات التي وضعها قانون تملّك الأجانب لحماية المصلحة العامة ومنع المضاربة العقارية. ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى رفع أسعار العقارات، فضلا عن إبقاء العديد منها غير مستثمرة، على نحو يهدد بإبقائها شاغرة وغير مستخدمة خلال هذه الفترة، في ظلّ أزمة سكن متفاقمة في لبنان خصوصًا في ظلّ النزوح من المناطق والقرى الحدودية أو تدمير آلاف الوحدات السكنية في لبنان خلال عدوانيْ 2024 و2026.

ولا يبدو هذا التفكير بعيدًا عن فكرة الحكومة الذي ما يزال عالقًا في محاولة إعادة إحياء نموذج الانهيار القائم على الاقتصاد الريعي عبر استجلاب الودائع وإتاحة المجال أمام المضاربة العقارية، في مشروعها الأخير لتحفيز الاستثمارات.

المسّ بحقوق الخزينة العامة من دون مبرر مقنع 

إنّ أي تمديد جديد لا يعني فقط تأجيل تنفيذ الالتزام، بل أيضًا تأجيل ممارسة الدولة حقها في استرداد العقار والاستفادة من الأرباح التي اعتبرها القانون حقًا للخزينة فضلا عن تحصيل غرامات، بما يفضي عمليًا إلى حرمان المالية العامة من موارد مستحقة. وما يزيد من خطورة هذا التوجه أنه يتمّ من دون تبيان القيمة التقديرية للأرباح والغرامات التي قد تخسرها الخزينة نتيجة القانون المقترح.

التوصية: يجدر إحالة مشروع القانون إلى اللجان، مع الطلب إلى ديوان المحاسبة بتنظيم تقرير عن حجم العقارات التي قد يشملها مشروع القانون هذا وعن أثره الاقتصادي والمالي وعلى عائدات الخزينة العامة؛ وفي حال الإصرار عليه، في وجوب حصر منح مهلة جديدة للأجانب الذين لم تنتهِ المهلة المحددة قانونا من تاريخ حصولهم على الترخيص أو على الأقل الذين لم تكن انتهت عند حصول الأزمة المالية والاقتصادية في تشرين الأول 2019. 

للاطّلاع على مشروع القانون ومساره:

تعديل المادة 11 من القانون المنفذ بالمرسوم رقم 11614 تاريخ 4/1/1969 (اكتساب غير اللبنانيين الحقوق العينية العقارية)