لبنان ضحية عفو ذاتيّ وأبيض جديد: هكذا سُرقت الأبقار الذهبيّة تحت الضجيج

نزار صاغية

17/08/2026

انشر المقال

تحيين هذا المقال في تاريخ 23 آب 2026 لإضافة ملاحظتين على القانون تتصلان بكيفية تحريك الملاحقة بشأن مخالفات النقد والتسليف وحصر استثناء جرائم الإثراء غير المشروع بالجرائم الحاصلة بعد قانون 189/2020.

أقرّ مجلس النّواب في تاريخ 12 آب 2026 قانونًا جديدًا للعفو العامّ، بعد 7 سنوات من محاولات الطبقة الحاكمة  تصفير رصيدها الجرميّ المتراكم بفعل عقود من الفساد. وقد تمّ ذلك بعد اختزال القانون بجانب منه وهي معالجة قضية الموقوفين الإسلاميين وتصوير أيّ تحفظ عليه أو انتقاد له على أنه فتنة أو محاولة لوضع الجيش في مواجهة السنّة. وإذ انبنى المسار التشريعيّ لهذا القانون منذ لحظاته الأولى على تضليل الرأي العام بشأن الهدف من العفو العام أو حقيقة مضمونه وفق ما بيناه في مقالات سابقة، فإنّ الأقلام الخفية زادت على رذيلتي التضليل والخداع رذيلة التزوير (تزوير الإرادة العامة). فبعدما قدُّم العفو العامّ على أنّ لا علاقة له بالفساد "المُستثنى منه" بهدف تسويقه وتمريره، تدخلت الأقلام الخفية بعيد إقراره لحذف هذا الاستثناء من نسخة القانون النهائيّة المرسلة تمهيدًا لإصداره. هكذا وبكل بساطة وفي ازدراء كلّي للمجتمع برمّته. 

ولكن كيف حصل هذا التزوير؟ وهل حقّا خلت النقاشات النيابية في الهيئة العامة من أيّ إشارة لإلغاء استثناء جرائم الفساد في القطاع العام من العفو العامّ؟  يجزم المرصد البرلمانيّ للمفكرة القانونية بذلك؛ إذ أن الهيئة لم تناقش أبدًا وضعية هذه الجرائم أو استثناء أي من الجرائم التي نهبت المجتمع وأفقرته. جلّ ما تمّ تسجيله في هذا الخصوص، مداخلة يتيمة من عشر كلمات للنائب آلان عون أعلن فيها عن تعاطفه مع موظفي النافعة والدوائر العقارية الذين تستمر ملاحقتهم على خلفية رشى تراوحت بين 20 و30 د.أ في حين أن العفو سيشمل تجار المخدرات. وفي حين لم يكبّد عون نفسه عناء صياغة نصّ يُترجم هذا التعاطف الذي لم يعارضه أي من النوّاب على نحو ينسجم مع المبادئ التشريعية، يبدو أن الأقلام الخفية تعاملت مع هذا التعاطف على أنه "تمريرة" PASSE يخولها تحوير النصّ بالطريقة التي تراها مناسبة للحؤول دون تجريم هذه الرشى الصغيرة التي تحدّث عنها. نعم، نجزم أن هذه هي المداخلة الوحيدة التي أذنت لهذه الأقلام إجراء تحويرات جذرية على نص القانون، وصولا إلى توسيع دائرة العفو لتشمل جميع جرائم الفساد في القطاع العام، بما فيها الرشوة وسوء الإدارة واستغلال الوظيفة وكلّ ما يتصل بالتلزيمات والصفقات. وعمليّا، لم يستثنَ من العفو بما يخصّ الفساد في القطاع العامّ إلا جرائم الاختلاس والتعدي المباشر على الملك العامّ، أي ما اصطلح على توصيفه بجرائم الفساد البدائي الذي يصعب أن يتورط فيه أيّ مسؤول لديه الحدّ الأدنى من النباهة والفطنة.. والمكانة. 

ويؤشّر حجم التعديلات الحاصلة على هذا الوجه، إلى أن مداخلة عون المقتضبة لم تكن مجرد إعلان تعاطف مع فئة معينة، إنما هي مداخلة منسّقة مسبقاً مع مُهندسي العفو العام تمهيدًا لمنحه ملبسه النهائي، بما يخرجه عن كونه مجرد عفو عامّ لفئات ترتبط سياسيا بالقوى السياسية الحاكمة ويجعله علاوة على ذلك عفوا عن أعيان هذه القوى بذاتها، تماما كما كان عليه قانون العفو العام في 1991. فتماماً كما أدّى قانون 1991 إلى عفو ذاتيّ وأبيض لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة من أمراء الحرب تمهيدا لتحولهم إلى أمراء سلم، كذلك مؤدى قانون 2026 تبييض رصيد 35 سنة من الفساد أدت إلى تفقير المجتمع ونهبه من دون أي شرط. الفارق الوحيد بين 1991 و2026 هو أن قوى 1991 نجحت في انتزاع العفو عن جرائم الحرب باسم المصالحة الوطنية وتحت شعار "كلّنا مجرمون وكلّنا ضحايا"، فيما أن العفو عن جرائم الفساد التي انتفع منها أعيان النظام على حساب "المجتمع" برمّته، لم يكن من الممكن إقناع المجتمع بها إلا من خلال الحيل والخداع. وفيما تمحورت الخدعة الأساسيّة حول الهدف المعلن للعفو العامّ وهو رفع المظلوميّة عن الموقوفين الإسلاميين، فإنها ترافقت مع خدع عدّة في صياغته، ومنها اعتماد مبدئية العفو العامّ ووضع استثناءات مبهمة عليه وصولا إلى تزوير النصّ في الكواليس. وإذ ينتظر منطقيا أن تُسقط التحويرات الأخيرة القناع عن حقيقة العفو العامّ، يسجّل أن وسائل الإعلام تبقى حتى اللحظة مهووسة عن قصد أو غير قصد بمصير أحمد الأسير والموقوفين الإسلاميين من دون إدراك خطورة ما تحقّق في ردهات مجلس النواب. وعليه، وفيما نبّهنا مرارًا من خطورة المنهجيّة المتّبعة في صياغة هذا القانون مقارنة بالمنهجيّة التي يجدر اتباعها عند النظر في مدى ملاءمة العفو العام، سنخصّص هذا المقال لإبراز أهمّ ما انتهى إليه.   

وقبل المضيّ في ذلك، يقتضي التّنبيه إلى أنّ المفتاح لفهم هذا القانون والخداع الذي لازم مساره وطبع منتهاه، ولم يكن التزوير الأخير إلا أحد فصوله، هو أنّه تأسّس على مبدئيّة العفو العامّ مع ما يستتبع ذلك لجهة قلب القاعدة الدستورية التي تقوم على تطبيق القانون على الجميع، في اتجاه تحويل المحاسبة إلى استثناء. بمعنى أن أي جريمة لم يقع استثناؤها صراحة تكون معفية حكمًا، على نحو يسهّل منح العفو لجرائم عدة من دون البوح حتى بذلك، مع حفظ إمكانيّة التبرّؤ من العفو بحجة أن ذكرها سقط سهواً. وبذلك يكون قانون 2026 قد ذهب أبعد من قانون العفو العام 1991 الصادر بعد حرب امتدّت لأكثر من 15 سنة، حيث أن هذا الأخير اعتمد مبدئية العفو العام فقط بالنسبة إلى المخالفات والجنح دون الجنايات والتي حدّد على العكس من ذلك المعفى منها بصورة حصرية. وما يزيد من قابلية الأمر للانتقاد هو أنّ العديد من الاستثناءات قد وردت بصورةٍ مبهمة وغامضة كما نبيّن أدناه، الأمر الذي يؤدّي إلى تمكين أيّ مدعى عليه من استغلال هذا الإبهام لادّعاء استفادته من مبدئيّة العفو العامّ وتاليا إغراق قضيّته في متاهة الدفوع الشكلية لسنوات طويلة قبل أن يتسنى للمحكمة المختصة حتى التحقيق في وقائع الجرائم المدعى بها.      

هكذا تم تبييض الفساد في القطاع العامّ

بخلاف الاستثناءات المتصلة بالفساد في القطاع الخاص والتي وردت مبهمة كما سنبين أدناه، تضمّن الاقتراح منذ صيغته الأصلية استثناءين واضحين لجرائم الفساد في القطاع العام: الاستثناء الأول شمل جرائم الفساد المنصوص عليها في قانون مكافحة الفساد في القطاع العام؛ والاستثناء الثاني شمل جرائم الإثراء غير المشروع. وعند الاطّلاع على النسخة النهائية للقانون، يتبيّن أن الأقلام الخفيّة قد أجرت في الكواليس ثلاث تحويرات عليه، على نحو أدى عمليا إلى قلب وجهته في اتجاه إعفاء جرائم فساد القطاع العام مع استثناء الأشكال الأكثر بدائية له أي الاختلاس والتعدي المباشر على الملك العام، كما سبق بيانه. 

فمن جهة أولى، أسقطت النسخة النهائية من قائمة الاستثناءات، استثناء الجرائم الواردة ضمن قانون مكافحة الفساد في القطاع العام. ومؤدّى ذلك هو توسيع دائرة العفو العام لتشمل عشرات الجرائم المعدّدة في هذا القانون. ومن أهم هذه الجرائم ، جرائم استغلال السلطة أو الوظيفة وصرف النفوذ والإساءة في التصرف بالأموال العامة أو إدارتها بفعل خطأ جسيم أو بغية جرّ مغنم ذاتيّ أو مراعاة لفريق أو إضرارا بالمصلحة العامة والتواطؤ بين المتعهدين ومعهم  لإفساد عملية التلزيم أو لحصره بواحد منهم، أو الإخلال الحاصل في الإشراف على المناقصة أو التكليف بالتراضي أو في مراقبة مراحل التنفيذ او استلام الأشغال بعد إنجازها، وأي فعل من متعهّد أو وسيط أو أي شخص آخر قدّم نتيجة مناقصة او تكليف بالتراضي أو بأية طريقة اخرى موادّ فاسدة أو غير صالحة والاستحصال على الرخص الرسمية خلافاً للقانون. ويكفي في الواقع قراءة هذه الجرائم التي تشملها هذه اللائحة لإدراك خطورة التحوير الحاصل، إلا أن التحوير لم ينتهِ عند هذا الحدّ بل ترافق مع تحويرين آخرين لا يقلّان خطورة. 

وبالفعل، وفيما نصّت صيغ الاقتراح المختلفة على استثناء جرائم الإثراء غير المشروع، تمّ من جهة ثانية تحوير هذا الاستثناء من خلال تضييق مداه وحصره في حالات معينة من الإثراء غير المشروع وهو الإثراء غير المشروع المتصل ب "جرائم الإثراء المتعلقة باختلاس الأموال العمومية أو بإساءة الأمانة بها أو سرقتها أو بالأموال العائدة إلى المؤسسات المالية والمصرفية والتهرب الضريبي". 

ويفهم هنا أيضا توسيع دائرة العفو العام لتشمل كل حالات الإثراء غير المشروع الأخرى أي غير المتصلة بالجرائم المعددة في هذه الفقرة، ومنها حالات الإثراء غير المشروع الناتجة عن صرف النفوذ أو الرّشى أو العمولات المسدّدة لقاء منح صفقات عموميّة معيّنة بشروط معينة أو التساهل في الإشراف على تنفيذها. إذ بفعل هذا التحوير، يصبح الإثراء الناتج عن هذه الجرائم غير قابل لأيّ ملاحقة مثله مثل الإثراء المشروع ويكون القانون قد شكل هنا أداة لتبييض الأموال والثروات المتراكمة على هذا الوجه. 

وفي الواقع لا تتوقف خطورة التحوير عند هذا الحدّ، طالما أن من شأن صياغة الاستثناء على النحو الذي تقدّم أن يقلب عبء الإثبات: ففيما تتوفر شروط جرم الإثراء غير المشروع وفق القانون بمجرد إثبات حصول زيادة على الذمّة الماليّة لأيّ شخص بعد توليه الوظيفة العمومية من دون أن يكون من الممكن تبريرها بصورة معقولة نسبةً لموارده المشروعة، فإنّ ثبوت هذا الجرم بات يشترط على ضوء قانون العفو علاوة على تقديم الإثبات على حصول الزيادة في الثروة، تقديم الإثبات على كونها متعلقة بجرائم محددة وأهمها عمليّا الاختلاس. ومن شأن ذلك أن يقلب عبء الإثبات وأن يرغم النيابات العامة والقضاء من أجل تجاوز عقبة العفو العام أن يقدّموا إثباتات على ارتباط الإثراء بهذه الجرائم تحديداً، من دون أن يكون بإمكانها تحريك الدعوى العامّة انطلاقا من واقعة الثراء الذي يتجاوز المعقول بحدّ ذاتها. 

وهنا لا يسعنا إلا التوقف عند خدعة أخرى قوامها الإيحاء أنه رغم التحوير الحاصل، فإنه لا يكون بإمكان الموظف العامّ (الحاكم السابق رياض سلامة) أن يستفيد من توسيع دائرة العفو، أيا كان مصدر "العمولات" التي تقاضاها في قضية فوري أو قضية الاستشارات. فإما أن يكون تقاضى هذه العمولات من مصرف لبنان كما تدعي النيابة العامة (ونكون أمام اختلاس) وإما أن يكون تقاضاها من "المؤسسات المالية والمصرفية" كما يدلي هو، مما يجعل فعله مشمولا بالاستثناء في كلتا الحالتين. إلا أن التدقيق في النص سرعان ما يكشف عدم صحة ذلك: إذ أن الاستثناء يشمل وفق النص المحور فقط جرائم الإثراء غير المشروع الواردة في قانون رقم 189 تاريخ 16/10/2020، مما يفتح باب الدفع باستثناء العفو أمام أيّ إثراء غير مشروع حصل قبل تاريخ هذا القانون (بما فيه الإثراء عن طريق الاختلاس) وضمنا قبل تاريخ الانهيار، وهي تحديدا الجرائم التي كان لها الدور الأساسي في التسبّب به.       

ومن جهة ثالثة، تمّ صراحة استثناء الرشوة وجرائم النقد والتسليف والجرائم المرتبطة بأموال المودعين والجرائم المتعلقة بالجرائم المصرفيّة من استثناء جرائم تبييض الأموال من العفو العام. بمعنى أن قانون العفو العام يحول دون ملاحقة مرتكبي أيّ من هذه الجرائم بتبييض الأموال. ومن شأن ذلك أن يشكل مدخلا لحماية كبار المرتشين كما حاكم مصرف لبنان والمصارف من تهمة تبييض الأموال وانعكاساتها العالمية، كل ذلك من دون أي مبرر. وهذا ما سنعود إليه عند التطرق للجرائم المصرفية. 

وبالخلاصة، يتحصل أنه باستثناء الفساد البدائي (الاختلاس) كما سبق بيانه، فإن النصّ المحوّر انتهى إلى منح عفو عامّ شبه شامل لجرائم الفساد في القطاع العام. ومن شأن ذلك أن يغلق باب تحريك الدعوى العامة في القضايا المتصلة بصفقات الكهرباء أو شراء الفيول المغشوش أو بناء السدود أو الصرف الصحي أو أي من الصفقات العمومية أو التراخيص غير القانونية، وأيضا في قضايا الابتزاز والرشوة مثل قضيتي الوزيرين السابقين جورج بوشكيان وأمين سلام، دون الحديث عن إغلاق ملف الشؤون العقارية والنافعة... إلخ. وقد حصل ذلك من دون أي نقاش سوى مداخلة يتيمة أبدى فيها النائب عون تعاطفه مع قابضِي رشى بسيطة بين 20 و30$ للقيام بخدمة فإذا بالعفو العامّ يشمل من تقاضوا رشى بملايين أو حتى مئات ملايين الدولارات، لقاء منحهم امتيازات وتراخيص ومنافع غير مشروعة على حساب الدولة والخزينة العامة. ونكاد نجزم من دون أيّ مبالغة أنّ الجرائم المُعفاة إنما كبّدت الخزينة آلاف المرّات الضرر الذي ربّما نجم عن أعمال الاختلاس التي تبقى محدودةً ونادرةً جدّا. وليس أدلّ على خطورة ذلك، من التذكير بأن رياض سلامة قد أدلى على طول الدعاوى المقامة ضده تبريرا للعمولات التي تقاضاها، أنها ليست اختلاسًا لأموال مصرف لبنان، بل  مجرد عمولات من القطاع الخاص وهي عمولات لم يعد من الخطير بالنسبة إليه من الناحية الجزائية توصيفها على أنها رشى. 

الفساد في القطاع الخاص: عفو تامّ أو مقنع تحت غطاء استثناءات مخادعة ومبهمة 

ولكن ماذا بشأن الفساد في القطاع الخاصّ؟ أول ما يتبادر إلى الذّهن هنا هي الهندسات المالية، وجرائم الاحتكار وتخزين السلع المدعومة وهي الجرائم التي مكّنت حفنةً من التّجار من تحقيق ثروات طائلة على حساب جميع اللبنانيين وفي سياق إذلالهم، وجرائم المتعهّدين الذين حازوا على صفقات عمومية بصورة غير مشروعة وجرائم التهرّب الضريبي والجمركي، فضلا عن الجرائم الواردة في قانون حماية المستهلك. ومن دون أي مبالغة، نتحدث هنا عن مخالفات وجرائم أدت إلى الاستيلاء على مليارات الدولارات على حساب المودعين والمجتمع برمّته والخزينة العامّة. وكما حصل بشأن العفو عن الفساد في القطاع العام، غاب أي مبرّر جدّي لإعفاء أي من هذه الجرائم، وخصوصا أنّ هذه الجرائم ما برحت تنعم بإفلات شبه معمّم من العقاب وأنّ أيا من مرتكبيها لا يعاني من التوقيف ولا من اكتظاظ السجون. 

إلا أنّه وعلى الرغم من ذلك، يتأكّد عند مراجعة النصّ انتهاج الخداع والإبهام في هذا الخصوص، على نحو يوحي للرأي العامّ أن القانون يستثني الفساد في القطاع الخاص من العفو العام في حين أنه يذهب في الواقع إلى منح العفو العام لأبرز وأخطر أشكاله بصورة مقنعة. ويتم ذلك ببساطة من خلال الامتناع عن ذكرها ضمن الاستثناءات على العفو العام أو من خلال ذكرها صراحةً أو ضمناً في إطار استثناءات مبهمة أو في سياقات تؤدي إلى حصر مدى الاستثناء المعلن أو مفاعيله في إطار جدّ ضيقة. وهذا ما سنحاول تفصيله أدناه: 

  • إن النص لم يلحظ قط لا صراحة ولا ضمنا جرائم الاحتكار وتخزين المواد المدعومة وجرائم حماية المستهلك فضلا عن أي من الجرائم المهنية (مثل الأخطاء الطبية أو المعمارية أو المرتكبة من  مدققي الحسابات ومفوضي المراقبة). وعليه، تكون جميع هذه الجرائم مشمُولة بالعفو عملا بمبدئيّة العفو العام التي أشرنا إليها أعلاه. 

  • إنّه تبعاً لحصر استثناء جرائم الإثراء غير المشروع في الإثراء الحاصل بفعل اختلاس أموال عمومية، يمنع النص المحوّر ملاحقة أيّ من جرائم الفساد في القطاع الخاص المشار إليها أعلاه على أساسه، سواء اتصل الأمر باحتكار موادّ مدعومة أو بإخلال في عقد الصفقات أو في  تنفيذها ومنها صفقات الهندسات الماليّة وصفقات شراء الفيول أو صفقات الصرف الصحي. وقد تأكد ذلك بعد حذف استثناء جرائم الفساد في القطاع العام كما سبق بيانه.

  • بخصوص الخلل في الأعمال المصرفية وتسبب مصرف لبنان والمصارف بضياع الودائع، وردت إشارات عدة توحي أنها مستثناة من العفو. إلا أن التدقيق فيها يظهر أنها تؤدي عمليّا إلى تضييق محاسبة هؤلاء في حدود ضيّقة مع إخضاع تحريك هذه المحاسبة لقرار من المجلس المركزي لمصرف لبنان، فيما تبقى الجرائم الأكثر خطورة مشمولة بالعفو. إذ بمراجعة النصّ المحوّر، نجد إشارة مزدوجة إلى هذه الجرائم: 

الأولى في الاستثناء الثّامن الذي نصّ على استثناء جرائم النقد والتسليف أو الجرائم المنصوص عليها في القوانين والأنظمة المتعلقة بالمصارف. إذ بخلاف ما قد يوحي به هذا النصّ، فإنّ هذا الاستثناء يُعفي المصارف أكثر مما يستثنيها من العفو. فأن يستثني فقط الجرائم التي نص عليها قانون النقد والتسليف والجرائم المنصوص عليها في القوانين والأنظمة المتعلقة بالمصارف، يعني أنه يعفي كلّ الجرائم المرتكبة من المصارف على ضوء القوانين العامة مثل قانون العقوبات. 

وما يضاعف خطورة هذا التوجّه، أن مجمل جرائم النقد والتسليف هي جرائم لا تتعدى عقوبتها في معظم الحالات الغرامة أو الحبس لآماد قصيرة، وهي تبقى قاصرة تاليًا عن توفير محاسبة متناسبة للتواطؤ الحاصل في إطار الهندسات المالية والتي وحده قانون العقوبات يوفرها (تكوين جمعية أشرار مثلا، الإخلال الوظيفي والإثراء غير المشروع الناجم عن صفقات عمومية والتي لم يرد أي نص صريح على استثنائها من العفو). وبذلك، يكون الاستثناء الثامن قد منح تحت غطاء استثناء بعض الجرائم المصرفية (جرائم النقد والتسليف) من العفو عفوا واسعًا عن أخطر هذه الجرائم. 

علاوة على ذلك، يجدر التذكير أن المادة 206 من قانون النقد والتّسليف تشترط من أجل ملاحقة مخالفات هذا القانون ورود طلب من المصرف المركزي. وعليه، يفهم من النص المحور أنه يعلّق عملا بهذه المادة ملاحقة أيّ من الجرائم المصرفية على إرادة المصرف المركزيّ حصراً، أو أنه يمنح عمليا عفوا شاملا عن الجرائم المصرفية إلا ما قد يطلب المصرف المركزي ملاحقته.    

أما الإشارة الثانية إلى هذا النوع من الجرائم فنجدها في الاستثناء العاشر الذي يمنع من ملاحقة من يثبت عليهم ارتكاب مخالفات لقانون النقد والتسليف بجرم تبييض الأموال. وعليه، وبعدما ذهب القانون إلى تضييق مجال المحاسبة في الجرائم المصرفية في إطار قانون النقد والتسليف والقوانين المتعلقة بالمصارف في الاستثناء الثامن، فإنه عمد في الاستثناء العاشر إلى إبعاد سيف الادّعاء ضد أي من مرتكبيها بجرم تبييض الأموال، بما يحفظ للمجلس المركزي لدى مصرف لبنان صلاحية حصرية في تحريك الملاحقة في هذه الجرائم عملا بالمادة 206 كما سبق بيانه. 

وهكذا، يكون القانون قد انتهى عمليّا إلى تدليع المصارف تحت مظهر التشدد حيالها. 

  • بخصوص جرائم التهرّب الضريبيّ، نلحظ بداية غيابها التام عن مجمل صيغ الاقتراح السابقة. إلا أنه ورغم أن أيّا من النواب لم يثر استثناء هذه الجرائم أو شملها في الهيئة العامة، فإن الأقلام الخفيّة التي وضعت الصيغة النهائية للقانون لم تجد حرجاً في إضافتها إلى الاستثناء التاسع وبصورة تثير علامات الاستفهام والاستغراب وتعكس نية الغشّ والخداع على حد سواء. فقد نص هذا الاستثناء حرفيا على "جرائم الإثراء غير المشروع، المتعلقة باختلاس الأموال العمومية أو بإساءة الأمانة بها أو سرقتها أو بالأموال العائدة للمؤسسات المالية والمصرفية، والتهرّب الضريبيّ". والمستغرب في هذه العبارة التي سقطت بالباراشوت يتمثل في تضمين التهرب الضريبي في إطار الحديث عن الإثراء غير المشروع، فيما أن الإثراء غير المشروع ينطبق حصراً على القائمين بخدمة عامة (مثل الملتزمين بصفقات عمومية مثلا) وأن التهرب الضريبي يعني مجمل القطاع الخاص بما فيه الشركات والأشخاص الذين لا يؤدون أي خدمة عامة. وعليه، فإن هذه الإضافة تكون قد رمت، ليس بالضرورة إلى استثناء التهرّب الضريبيّ من العفو كما توحي به، بل بفعل عطفها على الإثراء غير المشروع، إلى توسيع دائرة العفو لتشمل كل حالات التهرب الضريبي التي لا تنطبق عليها أحكام الإثراء غير المشروع.

  • أخيرا، كيف نفهم الاستثناء العاشر الذي نص على استثناء "الجرائم المنصوص عليها في قانون مكافحة جرائم تبييض الأموال وتمويل الإرهاب"؟ هل هو يشمل مجمل الجرائم التي تنتج عنها الأموال غير المشروعة والتي يشكّل تبييضها جرم تبييض الأموال وهي الجرائم المذكورة في المادة الأولى من هذا القانون تحت عنوان "الأموال غير المشروعة" وعددها 21 أم فقط جرائم تبييض الأموال بحدّ ذاتها والمذكورة في المادة الثانية منه؟ تفسير النص يفرض للوهلة الأولى القول أنّ المستثنى بفعل هذه الإحالة هي مجمل الجرائم المذكورة في مختلف مواده ومنها ال 21 جريمة المذكورة في  مادته الأولى،  طالما أنّ النص تحدث عن "الجرائم المنصوص عليها في قانون تبييض الأموال". ويتلاقى هذا التفسير مع التفسير المنطقيّ، طالما أنّ إثبات جريمة تبييض الأموال يفترض التثبّت من مصدر الأموال غير المشروعة التي يتمّ تبييضُها وإنْ نصّ القانون على كون جريمة تبييض الأموال "جريمةً مستقلّة ولا تستلزم الإدانة بجرم أصلي". ويستشفّ من ذلك أن القول أن الاستثناء محصور بجريمة تبييض الأموال من العفو العامّ دون سائر الجرائم المُنتجة للأموال غير المشروعة، إنما يؤدّي إلى تفريغ هذا الاستثناء من معناه بدرجة كبيرة. 

ولكن، وعلى الرغم من ذلك، يبقى هذا التفسير الحرفيّ والمنطقيّ قابلًا للمنازعة في ظلّ ما يتولّد عن الأخذ به من تناقضاتٍ في بنيان النص المحوّر. فلو كانت هذه العبارة تشمل الجرائم ال 21 المعددة في المادة الأولى من قانون مكافحة تبييض الأموال، فلماذا عاد النصّ ليستثني صراحة بعض هذه الجرائم باستثناءات صريحة وردت على حدة، علماً أن بعضها أضيف في الكواليس بعد إقرار القانون (ومنها تزوير العملة والإفلاس الاحتيالي والتعدي على الأملاك العامة والمال العام والإثراء غير المشروع والجرائم البيئية...)؟ إشكال  آخر يتأتى من  وضعية جرائم المخدرات. ففي حين ورد في رأس قائمة الجرائم المعددة في المادة الأولى من قانون تبييض الأموال "زراعة المخدرات أو  تصنيعها أو الإتجار بها"، فإن النص نفسه عاد ليؤكد على اشتمال العفو العام جميع جرائم المخدرات وبشكل خاص مجمل جرائم زراعة المخدرات، مستثنيا منها فقط تكرار جنايات التصنيع والترويج والإتجار لأكثر من مرتين.

وقد جاء النص المحوّر ليضيف عامل قلق آخر على حصر هذا الاستثناء بالجريمة الواردة في المادة 2 أي جرم تبييض الأموال بحدّ ذاته وليس المادة 1 من قانون مكافحة تبييض الأموال، بدليل إعلانه أن جرم الرشوة الذي لا يقبل الادعاء بتبييض الأموال إنما ورد في الفقرة السابقة (ويخشى أن يفهم المادة الأولى) للفقرة التي نصت على تجريم فعل تبييض الأموال بحد ذاته (المادة 2).

من هذه الزوايا كافة، يتضح عمق التناقض الحاصل والإبهام في هذا النصّ والأهمّ خطورة اعتماد مبدئيّة العفو العامّ.        

الجرائم البيئية: هل أعفينا عن تدمير الثروات الطبيعية؟ 

إلى جانب النصوص الملتبسة ومؤدّاها منح عفو عام واسع للقطاعين العام والخاص، فإن النصّ اعتمد الالتباس نفسه بشأن الجرائم البيئية، علمًا أن هذه الجرائم غالبا ما ترتكب من قبل القطاع الخاص بتواطؤ مع القطاع العام. وعدا عن الأثر المدمر لهذه الجرائم على البيئة وعلى حقوق الأجيال الحاضرة والمستقبلية، فإنها غالبا ما ترشح عن استيلاء قوى متنفذة على جزء من الثروات الطبيعية على حساب المجتمع برمته.  

وفي هذا الصدد، نقرأ الاستثناء ال 14 الذي استثنى "الجرائم البيئيّة المنصوص عنها في قانون حماية البيئة رقم 444/2002" فضلًا عن الجرائم الواردة في "النصوص ذات الصلة". وفيما توحي هنا أيضا هذه الصياغة بأنّ النص حرص على استثناء الجرائم البيئيّة من العفو العام، فإنّ التدقيق فيه يظهر عددًا من الإشكالات. 

إذ بالعودة إلى ما تسرّب من نقاشات داخل اللجان المشتركة وبغياب أي نقاش في الهيئة العامة، نلحظ أن اللجان المشتركة قد رست على هذه الصياغة، بعد رفضها الأخذ بمقترح مصلحة الليطاني ومطالبات نيابية عدة (النائبتان حليمة القعقور ونجاة عون صليبا) بوجوب استثناء جميع الجرائم البيئية بصورة واضحة وتحديدا من خلال الإحالة إلى جميع الجرائم المشمولة في المادة 11 من قانون أصول المحاكمات الجزائية. وتظهر نية التضييق عند إجراء مقارنة سريعة بين الجرائم المذكورة في قانون حماية البيئة وتحديدا في المواد 58 إلى 61 منه والجرائم المشمولة في المادة 11 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، إذ أن المادة 11 تضمنت قائمة من 7 بنود، فيما أن الجرائم الواردة في قانون حماية البيئة تندرج في بند واحد منها. ومؤدى ذلك  التأكيد هنا أيضا على توجّه اللجان المشتركة إلى حصر الاستثناء أو على الأقلّ إلى إبقائه مبهمًا. 

وما يفاقم من ذلك هو  إبهام عبارة "الجرائم المنصوص عليها في النصوص ذات الصلة". فما هي هذه النصوص؟ وهل تشمل نصوصا سابقة لقانون حماية البيئة مثل قوانين حماية الغابات والأحراش؟ وهل يفسر تعبير نص على أنه قانون أم أنه يشمل المراسيم أيضا ومنها مرسوم تنظيم المقالع والكسارات رقم 8803/2002، علمًا أن هذا المرسوم لم يصدر بناء على قانون حماية البيئة بل على أساس قانون التنظيم المدني؟ وهل يشمل القوانين الصادرة لاحقا والتي استحدثت جرائم بالغة الخطورة منها جرائم تصل عقوباتها إلى عشر سنوات حبس، مثل قانون معالجة النفايات أو قانون حماية المحميات الطبيعية والتنوع البيولوجي أو أيضا قوانين حماية الحيوان والمياه والهواء والصيد البري وما إلى ذلك من قوانين تهدف إلى حماية الإرث الطبيعي في زمن الإبادة البيئية التي يشهدها الجنوب؟ وإلى ما هنالك من أسئلة كان من الممكن تفاديها من خلال صياغة واضحة للجرائم التي يراد شملها بالعفو أو استثناؤها منه.   

العفو في قضايا أخرى: إعفاء جرائم حرب وجرائم المخدرات وعائلات العملاء الفارة إلى إسرائيل 

فضلا عما تقدم، ثمة جرائم بالغة الخطورة لم يتمّ استثناؤها صراحة من العفو مما يؤدي إلى منحها العفو العام. ومنها جنايات  الخطر الشامل وجرائم تدمير الأملاك الخاصة والقرى والتي ترتكب في موازاة صياغة القانون. وربما يتذرّع المشرع بأنه لم يرد منح العفو العام لهذه الجرائم الخطيرة بل سها فقط عن ذكرها. إلا أن هذه حجة تحسب عليه وليس له؛ طالما أنه هو الذي اختار السير في مبدئية العفو العام وأنه لا يعقل لأي قوى سياسية لها الحد الأدنى من الحس الوطني والحقوقي أن تغفل أصلًا عن هذه الجرائم.  

وفي هذا الصدد، يجدر التوقف عند العفو عن جرائم المخدرات. وهنا أيضًا لا يسعنا إلا التوقّف عند الصياغة المضلّلة للقانون الذي يذكر هذه الجرائم ضمن الاستثناءات على العفو العام، في حين أنه يهدف عملياً إلى الإعفاء عنها بصورة تامة. ففي حين يوحي أنّ الاستثناء يشمل جميع الأشخاص الذين يثبت اعتيادهم على هذه الجريمة وبكلمة أخرى انخراطهم في الإتجار في المخدرات، فإنّ الحقيقة هي أن شرط  التكرار هو شرط مستعصٍ لا يتوفر إلا في حالاتٍ نادرة جدّا. إذ أن التكرار يشترط أن يكون الفعل موضوع المحاكمة قد ارتكب خلال 7 سنوات من انقضاء العقوبة المحكوم بها بموجب حكم مبرم أو مرور الزمن عليها، وهو شرط ينتفي في حال معظم المحكوم عليهم غيابيّا طالما أن الأحكام الغيابيّة غير مبرمة (وهي عمومًا حالات كبار التجار ورؤساء العصابات المنخرطة في هذه التجارة). كما ينتفي هذا الشرط أيضًا في حال ملاحقة شخص ما في عشرات الجرائم المرتكبة في الوقت نفسه. وعليه، يبدو شرط التكرار مجرد خدعة بصرية يُراد منها الإيحاء باستثناء كبار التجار فيما أن مؤدى النص شمول العفو جميع المنخرطين في تجارة المخدرات إلا في حالات نادرة جدا. وقد أتى النص المحور ليصعب أكثر فأكثر من إمكانية تطبيق هذا الاستثناء بحيث اشترط أن يحصل هذا التكرار أكثر من مرتين. 

كما يجدر التوقّف أخيرًا عند مسألة العفو عن عائلات العملاء الفارين إلى إسرائيل في أعقاب تحرير 2000. وهذا ما ورد أيضاً بصيغة الاستثناء على الاستثناء الرابع الذي نص حرفياً على الآتي: "جرائم الخيانة والتجسس والجرائم المتعلقة بالصّلات غير المشروعة بالعدو باستثناء المشمولين بالفقرة 2 من المادة الوحيدة من القانون رقم 194 الذين يعتبرون حكما مستفيدين من القانون الحالي". وقد تم تبرير هذا الاستثناء على الاستثناء بأن القانون رقم 194 الذي منح هؤلاء حق العودة إلى لبنان مع إسقاط أي ملاحقة ضدهم لم ينفذ بفعل عدم صدور المراسيم التنفيذية له والتي كان يجدر صدورها منذ أكثر من 15 سنة. وعليه، سعت اللجان المشتركة إلى معالجة هذا الإشكال من خلال إسقاط الحاجة إلى المرسوم من دون التنبّه إلى وجوب وضع شروط ضامنة، مثل إثبات عدم انخراط أي من المستفيدين منه في أي حين في الجيش الإسرائيلي أو ارتكابهم جرائم حرب في لبنان أو التنازل عن الجنسية الإسرائيلية التي قد يكونون قد اكتسبوها. ويلحظ هنا أن النص بقي على حاله رغم إدلاء بولا يعقوبيان بضرورة اشتراط العفو عن هؤلاء بتنازلهم عن الجنسية الإسرائيلية وسواد اعتقاد أن الشرط قد أخذ به فعليا. وما يزيد من خطورة هذا العفو هو أنه استهدف ليس أفعالا معينة، إنما أفراد هذه العائلات بصورة عامة بكل ما ارتكبوه قبل 1 آذار 2026.  

مساومات على دماء الضحايا: العفو المخفّف لا يميّز أحدًا

لا تتوقّف أهمية القانون عند ما يشمله العفو العام أو يستثنيه وفق ما سبق بيانه، بل أيضا عند ما تضمّنه من تخفيضٍ لعقوبات الجرائم المُستثناة من العفو ومنها الجرائم الأكثر خطورة مثل القتل والإرهاب وهو ما نصطلح على تسميته العفو العامّ المخفّف. وقد انتهى النص تبعا لمساومات عدة شملت القصر الجمهوري في بعض محطاتها إلى تخفيض عقوبة الإعدام إلى 28 سنة سجنية (أي 21 سنة فعلية) وعقوبة المؤبد إلى 17 سنة سجنية (أي 12 سنة و9 أشهر فعلية) على أن تخفض سائر العقوبات بمقدار الثلث. وما يؤشر إلى أهمية هذه المسألة هو أن بيانات "النواب السنة" لم تخفِ مراهنتها على هذه الآلية من أجل ضمان الإفراج عن جميع المحكوم عليهم والموقوفين الإسلاميين، تبعًا لتسليمها باستثناء الجرائم المنسوبة إليهم من العفو العام. وقد تجلّت محوريّة هذه الآلية والانتظارات المعلّقة عليها في اللقاءات والبيانات التي سبقت سقوط الجلسة التشريعيّة التي كانت مقرّرة في 21 أيار الماضي، وأيضا في التعديلات التي قدمها ما بات يعرف "النواب السنة" إلى الهيئة العامة وحظيت بتوافق عام. وقد هدفت هذه التعديلات بشكل خاصّ إلى تحقيق أمرين: أولا، ضمان تخفيض عقوبة الإعدام مرتين (مرة بموجب قانون إلغاء عقوبة الإعدام إلى عقوبة مؤبد ومرة ثانية بموجب قانون العفو العام) على نحو يجعل العقوبة القصوى 17 سنة سجنية بالنسبة إلى كل المحكومين بالإعدام كما بالمؤيد. وثانيا، حصر الحالات التي يستوجب فيها من أجل تخفيض العقوبة الحصول على موافقة الضحية (صاحب الحقّ الشخصيّ). وهنا أيضا، اكتست الصياغة طابعا تضليليا واضحا إذ هي توحي بمراعاة حقوق الضحايا فيما تحصر في الحقيقة حقوق هؤلاء في حالات نادرة جدا قد لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة. إذ أن الموافقة تكون ضرورية فقط في حالات القتل وشرط أن تكون ترافقت مع الاغتصاب أو الاعتداء الجنسي أو اقترنت بالتعذيب أو الوحشية أو التشويه أو الخطف أو إذا ارتكبت بين الأصول والفروع أو من له وصاية أو ولاية على الضحية أو إذ ارتكبت في إطار الاغتيال السياسي.   

وعليه، يكون المشرّع هنا أيضا قد وقع في فخّ التّعميم من خلال منح "تخفيض العقوبات" لجميع المحكوم عليهم، من دون أن يكون له الشّجاعة الكافية للنّظر في خصوصية الحالات التي قد يستوجب التدخّل التشريعي لتخفيض العقوبات المحكوم بها فيها. فعلى فرض أن ثمة ظروفا اجتماعية وسياسية ضاغطة دفعت الإسلاميين إلى انتهاك القانون وأن هذه الظروف تستوجب تفهّم المشرع وتدخله لمنحهم تسامحًا ولو نسبيًا (تخفيض العقوبات بشكل كبير وفق مطالب نواب الاعتدال الوطني ورفاقهم) كما كان يحصل تقليديا في الجرائم التي يكون الدافع إليها عقائديا أو سياسيا، لماذا تخلو الأسباب الموجبة من أيّ حديث عن هذه الظروف السياسية الضاغطة كما من أي مناقشة لادّعاء المظلومية؟ والأهم لماذا يستفيد مجمل المحكوم عليهم ومنهم بجرائم مقزّزة ليس لها أي دوافع سياسية أو عقائدية، بأيّ شكل من الأشكال، من هذا التخفيض؟ فكأنّما مفهوم "المظلوميّة" توسّع ليشمل كلّ المحكومين على هامش الخير والشرّ. وهكذا، وبفعل التعميم الحاصل، سنرى جموع المدانين بجرائم قتل وضجّ الإعلام بها يتحرّرون الواحد تلو الآخر من العقوبات التي حكموا بها ويعودون إلى الحرية، وهو أمر ما كان ليتحقّق لو بذل المشرّع الجهد اللازم لدرس الحالات التي تستحقّ التسامح الاجتماعيّ بدرجة أو بأخرى. وهو بذلك ارتكب خطأً مزدوجًا: فعدا أن توجّهه بقي تقنيًا وخاليًا من أيّ مسعى لإعطاء الفئة المستهدفة ما قد تستحقه من تسامح وتاليا لترسيخ سوابق ذات معنى قيميّ مؤدّاها إعادة اللحمة الاجتماعية في مجتمع منقسم، فإنه وجّه في الآن نفسه رسالة قوامها إفلات أشخاص مدانين بجرائم كبيرة من قفص العدالة من دون أي سبب، بما يعزز مشهدية الإفلات المعمم من العقاب.  

خلاصة

بالخلاصة، وأمام كارثية هذا القانون وأساليب المُخادعة والتهويل والتزوير التي شابت عملية صياغته وإقراره، يؤمل أن يتحمل رئيس الجمهورية مسؤولياته في رده أو أن يتسنّى على الأقل للمجلس الدستوري فرصة النظر في المخالفات الدستورية التي تضمنها أو سادت مساره. وأستبق الطعن أمام المجلس الدستوري لتوجيه دعوة لكل الأكاديميين والمنظمات الحقوقية بضرورة الانخراط في درس هذا القانون مع تزويد المجلس الدستوري بآرائهم حوله. فقد دفعنا غاليا ثمن العفو العام الحاصل في 1991 ومن حق المجتمع علينا أن نقاوم ونمانع بهدف تعزيز مناعته في وجه الناهب والقاتل تمهيدا لإنصافه.