قانون الموازنة يجافي ما تم إقراره في مجلس النواب: هكذا تمّ العبث في أصول قبول "الهبات العينية"
12/02/2026
نُشر قانون موازنة العام 2026 في الجريدة الرسمية بعد إقراره في المجلس النيابي في 30/1/2026 وإصداره من قبل رئيس الجمهورية. وبالاطّلاع على القانون، يتبيّن وجود خطأ في المادة 54 منه المتعلّقة بآلية قبول الهبات، وهي المادّة التي عُدّلت في الهيئة العامة لإخضاع الهبات العينية لنفس الشروط المفروضة على رقابة الهبات النقدية.
وفي التفاصيل، ورد المشروع إلى الهيئة العامة لتعديل آلية قبول الهبات المحددة في المادة 52 من قانون المحاسبة العمومية، وقد بُرّر التعديل بارتباطه بشكل رئيسي بتكييف الأرقام بعد تدهور سعر الصرف لجهة التفريق بين الهبات الواجب عرضها على مجلس الوزراء وتلك التي تُقبل بمرسوم من دون عرضها عليه. إلّا أنّه تبيّن أنّ المشروع قد عمد إلى التفريق بين الهبات العينية والهبات النقدية، خلافًا للتوضيح التفسيري الذي اعتمده قانون موازنة 2019 الذي وضع لضبط الفساد وقوامه أن المادة 52 تنطبق على الهبات العينية كما الهبات النقدية. بمعنى أنّ المشروع جعل للهبات العينية طريقًا مختلفًا تمامًا بحيث تُقبل مهما بلغت قيمتها بقرار مشترك من وزير المال والوزير المختص فقط، أي من دون حاجة لا إلى مرسوم ولا إلى قرار من مجلس الوزراء، ومن دون وجوب قيدها في الموازنة ولا في الجدول الفصلي للهبات الذي يجب أن ترفعه وزارة المالية إلى مجلس الوزراء. وهذا ما توقف عنده المرصد البرلماني في تقريره السابق لجلسة الهيئة العامة، موصيا بالتراجع عن هذا التعديل.
خلال جلسة الهيئة العامّة، تمكّنت النائبة حليمة القعقور من فرض نقاش هذه المادّة وعرض مساوئها معتبرةً إيًاها مناقضة لأيّ جهدٍ إصلاحي وأنها تفتح بابًا للفساد وتقلّص أيّ جهدٍ رقابي عليها. وقد وافق النائب علي حسن خليل على ما قالته النائبة حليمة قعقور، واقترح تعديل المادة بحيث تُقبل الهبات العينية بنفس طريقة الهبات النقدية وبنفس القيم إذا ما كان ذلك في مجلس الوزراء (أعلى من 11 ألف مليار و 500 مليون) أو أقل من ذلك. كما وافق النائب جميل السيد على ذلك، مطالبًا بإضافة الهبات العينية للفقرة المتعلّقة بآليات الرقابة، وهو ما حصل.
إلّا أنّه وبالاطّلاع على نص الموازنة المنشور، نلحظ أنّ الصيغة النهائية للمادة لم تأخذ بجميع التعديلات التي وافقت عليها الهيئة العامة المذكورة أعلاه، لا بل أنّ الصيغة النهائية تُعطّل آلية قبول الهبات العينية. فقد نصّت الصيغة المنشورة على قبول الهبات العينية المقدّمة للدولة اللبنانية بقرار مشترك عن الوزير المختص ووزير المالية على أن لا تتجاوز قيمتها 11.5 مليار ليرة لبنانية. وهذه الصيغة تقبل الانتقاد من زوايا عدة:
- أولًا، إنّ الصيغة النهائية تتعارض مع ما كانت وصلت إليه مناقشات الهيئة العامة لجهة وجوب اتّباع الهبات العينية نفس طريقة قبول الهبات النقدية، أي بمرسوم إذا كانت بقيمة أقل من 11.5 مليار ليرة، وبمرسوم يُتّخذ في مجلس الوزراء إذا كانت بقيمة أعلى من ذلك. إذ أنّ الصيغة الحالية عادت لتميز بين الهبات النقدية والهبات العينية، مخضعة قبولها لأنظمة مختلفة، وعلى نحو مبهم يخشى أن يؤدي إلى تفسيرات مجافية للمنطق القانوني.
- ثانيًا، وإذ تنظم المادة كيفيّة قبول الهبات النقديّة في جميع حالاتِها، فإنّها تنظّم قبول الهبات العينيّة التي لا تتجاوز قيمتها 11.5 مليار ليرة من دون أن تحدّد التنظيم الذي تخضع له الهبات العينية التي تتجاوز هذا الحدّ. ويفتح لزوم المشرّع الصّمت في هذا الخصوص الباب أمام تفسيراتٍ مُختلفة للمادة، في مسألة كان يجدر تنظيمها بصورة واضحة ومن دون لبس ضبطا لموارد الدولة ومنعًا للفساد:
فإمّا يُستدلّ من عدم تنظيم كيفيّة قبول هذه الهبات أن قبولها يتم من الإدارة المعنية من دون إخضاعه لأي رقابة أو أصول مشددة، بحيث يكون قبول الهبة العينيّة التي لا تتجاوز قيمتها 11.5 مليار خاضعا لأصول معيّنة (موافقة وزير الماليّة والوزير المختص) فيما أنّ قبول هبةٍ تتجاوز قيمتُها هذا الحدّ لا يخضع لأيّ من هذه الأصول. وهذه النتيجة عبثية تماما طالما أن المنطق القانوني يستوجب إخضاع الهبات الأعلى قيمة لرقابة أشدّ وليس العكس.
وإما يُستدلّ من عدم تنظيمها أن هذه الهبات لا تكون مقبولة. وهذا أمر يتنافى أيضا مع المنطق القانوني: إذ يفهم من النصّ التشريعيّ أنه يعتبر أنّ الهبات العينيّة أقلّ خطورةً من الهبات النقديّة، طالما أنه يخضع الهبات العينيّة التي لا تتجاوز 11.5 مليار ليرة لأصول قبول أقلّ تشدّدا قوامها الاكتفاء بموافقة مشتركة بين الوزير المختص ووزير المالية من الأصول التي تخضع لها الهبات النقدية التي لا تتجاوز هذا الحدّ وقوامها الحصول على مرسوم رئاسي. فكيف والحال كذلك، وبأي منطق تعود المادة لتمنع قبول الهبات العينية التي تتجاوز هذا الحدّ بصورة مطلقة؟ من هذه الزاوية، يبدو هذا التفسير أيضا مجافيا للمنطق القانوني، خصوصًا أنه لا يصحّ الاستدلال على المنع استدلالا، عملا بقاعدة إباحة ما لم يمنعه المشرع صراحة.
وأخيرا، أمكن اعتبار أنّ المشرّع أخطأ عن غير قصد في تحديد الأصول المُعتمدة في هذه الحالة، الأمر الذي يفرض على الإدارة والقضاء تفسير المادّة على النحو الذي يجعلها منسجمةً مع المنطق القانونيّ. وهذا ما يتحصّل من خلال إعمال التفسير عن طريق القياس، بحيث تخضع الهبات العينية التي تتجاوز قيمتها الحدّ المذكور لنفس الأصول التي تخضع لها الهبات النقدية المماثلة، أي لصدور مرسوم يتخذ في مجلس الوزراء.
ومن المهم هنا أن يعمد المجلس الدستوريّ في حال تقديم طعن إليه في هذا الشأن إلى إعمال آلية التحفظ التفسيري على النحو الذي يخوّله سدّ الثغرة القانونية على نحو يعيد انسجام المادة مع المنطق القانوني. فإذا لم يحصل ذلك، فإنه يكون من الضروري أن تسرع الحكومة إلى تقديم مشروع قانون لحسم معنى المادة المذكورة ووجهتها.
- ثالثًا، إنّ الصيغة المنشورة وعلى عكس ما اتُّفق وصوّت عليه، لم تتضمّن وجوب تضمين أي من الهبات العينية في الجدول الذي يُفترض أن تعدّه وزارة المالية فصليًا بجميع الهبات الواردة وترفعه إلى مجلس الوزراء، وهو أمر سيؤدّي إلى مزيد من النقص في شفافية هذه الهبات، وهو أمر أكّد عليه تقرير ديوان المحاسبة 2/2023 حول الهبات.
بقي أن نشير إلى أنّ الأخطاء في هذه المادّة قد مرّت على إدارة المجلس النيابي ورئاسات الجمهورية ومجلس النواب والحكومة من دون التنبّه لما ستؤدّي إليه عمليًا هذه الصيغة من خلل في مسألة قبول الهبات وشفافيتها.