"قانون إصلاح وضع المصارف في لبنان" المعلّق: عن مخالفة الدستور والمعايير الدولية في معالجة التعثّر المصرفيّ
11/08/2025
أقرّ مجلس النواب اللبنانيّ في 31 تموز 2025 قانون "إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها". وكانت جمعية المصارف قد سجّلت اعتراضات عدّة على صيغة مشروعه الأولى في كتابها الذي وجهته بتاريخ 23 تشرين الثاني 2023 إلى رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي ، في مقدمها تسميته معترضة "أن المصارف ليست بحاجة إلى إصلاح، بل بحاجة إلى إعادة الدولة ومصرف لبنان ما أودعته لدى الأخير، تطبيقاً للقواعد القانونية المرعيّة الإجراء لتعيده بدورها إلى المودعين".
القانون الذي صدر لم يتعرّض للمسألة المبدئية المعترض عليها بل تناول أمورًا عدّة يمكن تسجيل الملاحظات الآتية عليها:
1. تعريف المودعين
تشير المادة 1 من القانون الخاصة بالتعريفات إلى أن المودعين هم "الأشخاص اﻟطبيعيين أو اﻟمعنويين (أي الافراد والشركات) الذين ﯿبرﻤون ﻋﻘد وديعة مصرفية مع ﻤصرف ﻤرﺨّص حیث يقوﻤون ﺒتسليم مبلغ من المال إﻟﻰ اﻟمصرف ﺒﻬدف ﺤﻔظﻪ أو اﺴتثمارﻩ وﻓﻘﺎ" ﻟشروط متفق عليها مع التزام المصرف بردّ هذا المبلغ عند الطلب أو في تاريخ محدّد مع أو بدون فوائد.
هذا التعريف خطير لأنه يحمل على الاعتقاد بأن أصحاب الودائع الاستثمارية هم مضمونون ومحميّون كأصحاب الودائع المعنيين بالمادة 123 من قانون النقد والتسليف التي تحيل إلى المادة 307 من قانون التجارة التي تنص في فقرتها الأولى على "أن المصرف الذي يتلقّى على سبيل الوديعة مبلغًا من النقود يصبح مالكًا له ويجب عليه أن يردّه بقيمة تعادله دفعة واحدة أو عدّة دفعات عند أول طلب من المودع أو بحسب شروط المهل أو الإعلان المسبق المعينة في العقد". وقد أحسن صندوق النقد الدولي بتعليقه على القانون على أهمية اعتماد التعريف القانونيّ للوديعة لتجنّب التناقضات القانونية.
أيضا تشير التعريفات إلى اعتبارها ودائع "الودائع داخل الميزانية العائدة لمؤسّسات القطاع المالي والناشئة عن عقود ائتمانية بين تلك المؤسسات بصفتها الوسيط المالي وعملائها." والسؤال المنطقي الذي يطرح ذاته هنا هو التالي: إذا كان الأمر كذلك، لماذا قامت وتقوم المصارف إذن بتمييز أصحاب الودائع الائتمانية عن سائر الودائع فتُعفيها من قيود السحب والتحويل؟ إن تصحيح الانحراف يتطلّب إدراج الودائع الائتمانية التي تمّ تحويلها إلى الخارج بعد الأزمة من ضمن الودائع التي يقتضي إعادتها إلى المصرف.
2. هدف القانون
تنص المادة 3 من القانون على أنه يهدف إلى "تعزيز الاستقرار المالي ومعالجة حالات التعثر، وحماية الودائع في عملية التصفية والإصلاح، والحدّ من استخدام الأموال العامّة في عمليّة إصلاح أيّ مصرف متعثّر" وهي أهدافٌ متمايزة عن الهدف المحدّد في الأسباب الموجبة للقانون والتي هي "وضع إطار قانوني حديث وفق أفضل المعايير الدولية المتبعة يفتقده التشريع المصرفي في لبنان وتحتاجه الحكومة فضلاً عن مصرف لبنان للتعامل مع الأزمات المالية كافة وفي مقدّمها الأزمة الحالية".
إن الاختلاف في تحديد الهدف بين القانون وأسبابه الموجبة أمر غير محمود. فهو يشي من جهة بنقص في المهنية التشريعية ويقدم من جهة أخرى سببا حيويّا للمجلس الدستوريّ بإعلان عدم دستورية القانون بالشكل فيما لو طعن به أمامه ، قياسا لما تقوم به عدد من المحاكم الدستورية في الدول المتقدّمة على رأسها محكمة كارلسروه الألمانية التي تبدأ تقييمها لدستوريّة أيّ قانون يعرض أمامها بالنظر إلى ما إذا كان الهدف المتوخّى من القانون واضحًا أم لا، وما إذا كان القانون يختطّ بعد ذلك المنحى الأفضل لتحقيق الهدف المحدد في متنه أو في ثنايا أسبابه الموجبة؟
من جهة أخرى، غير صحيح أن الحكومة ومصرف لبنان بحاجة ماسّة لقانون كالذي أقرّ للتعامل مع الأزمة الحاليّة. إذ أنّ التشريع والأنظمة اللبنانية تتضمّن رزمة أحكام قانونيّة ونظاميّة مرنة يمكن التأسيس عليها للتعامل مع الأزمات المالية. فهناك قانون لتوقّف المصارف عن الدفع رقمه 2/67 وقانون آخر هو"قانون إصلاح الوضع المصرفي" رقمه 110/1991 تسميته تقارب تلك التي اعتمدها القانون الجديد وهي "إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها"، إضافة إلى قوانين أخرى تعالج قضايا الغش والخداع والسرقة والإثراء غير المشروع وتبييض الأموال الملوّثة. أيضًا هناك قانون النقد والتسليف الذي يضمّ موادّ عدّة اهمها المواد 70 و79 و104 و140 و174 و187 و188 وقد استند إليها مصرف لبنان لإصدار التعميم 154 لمطالبة المصارف "بتفعيل ﻨﺸﺎﻁﺎﺘﻬﺎ ﻭﺨﺩﻤﺎﺘﻬﺎ ﻟﻌﻤﻼﺌﻬﺎ ﺒﻤﺎ ﻻ ﻴﻘلّ ﻋﻤّﺎ ﻜﺎﻨﺕ ﻋﻠﻴـﻪ ﻗﺒل ﺘﺸﺭﻴﻥ ﺍﻷﻭل 2019" وذلك استنادًا لخطة عمل واقعيّة يقدّمها كلّ مصرف على حدة إلى مصرف لبنان للحصول على موافقته عليه. ويُحال المصرف المتخلف من قبل الهيئة المصرفية العليا وحسب الحالة ﻟﺘﻁﺒﻴﻕ ﺃﻱّ ﻤـﻥ أﺤﻜـﺎﻡ ﺍﻟﻘـﺎﻨﻭﻨﻴﻥ ﺭﻗـﻡ 2/67 (توقف المصارف عن الدفع) أو رقم 110 (إصلاح الوضع المصرفي). ولم يصدر عن مصرف لبنان في حينه أيّة إشارة إلى عدم كفاية الواقع التشريعيّ الآنف الذكر للتعامل مع الأزمة المصرفية". والأمر الوحيد الذي طالب به الحاكم السابق سلامه المسؤولين آنذاك كان إصدارهم قانونا للكابيتال كونترول .
أيضا الأمر الملتبس هو ما ورد صراحة في المادة 3 من القانون، وضمنًا في أسبابه الموجبة، بضرورة الأخذ بالمعايير الدوليّة للتعويم المصرفيّ والتي تقضي "بالحدّ من استخدام الأموال العامة في عملية إصلاح أيّ مصرف". فالتحفّظ الأخير مُعتمد في القرار التوجيهيّ الأوروبيّ رقم 2014/59/UE الخاصّ بالتعويم المصرفي. وقد أفاض الرئيس الإيسلندي آنذاك في مؤتمر دافوس بشرح مخاطر النظرية التي تقول "بأن المصارف تتمتع بأرباحها عند النجاح وعند الإخفاق يتعين على الحكومة إنقاذها من أموال المواطن العادي بالضرائب وشدّ الأحزمة، وهذا الأمر يجب أن يكون مرفوضا في الديمقراطية المستنيرة". بيد أن الشيء المهمّ والخطير الذي لم ينتبه إليه واضعو القانون عند صياغتهم للمادة 3 منه أن قيد الحدّ من استخدام الأموال العامة في الإصلاح المصرفيّ هو أمر مفهوم ومقبول في علاقات التعثر الحاصلة بين مؤسسات القطاع الخاص وعملائها، لكن ليس في علاقة هذه المؤسسات مع الدولة كما هي الحالة اللبنانية.
صحيح أن مجلس الدولة الفرنسي أشار بوضوح في حيثيات قراره رقم 219562 تاريخ 21 تشرين الثاني 2001 إلى أن مسؤوليّة المصارف تجاه مودعيها لا يمكن أن تحلّ مكانها أو أن تكون مرتبطة بمسؤولية الدولة، ما يعني ضمنًا أن مسؤولية المصارف تبقى قائمة تجاه مودعيها بصورة أساسيّة ومستقلّة بغضّ النّظر عن أيّة إشكالية بين المصارف من جهة والدولة أو سلطاتها المصرفية من جهة أخرى. لكن لا شيء يحول، من الناحية المبدئية، من أن تقوم المصارف بصورة مستقلّة بمطالبة الدولة ومصرف لبنان بسداد التزاماتهما تجاهها أي تجاه المصارف لكي تتمكّن بدورها من دفع ودائع الناس، وينظر إذّاك بمدى استحقاقها وفق شروط القانون العامّ.
3. الهيئة المصرفية العليا
يعدّل القانون الجديد المادة 10 من القانون رقم 28/67 الخاصّة بالهيئة المصرفيّة العليا على نحو يقسمها إلى غرفتين: (الأولى) تُعنى باتخاذ القرارات العقابية ضد المؤسسات المالية المخالفة و(الثانية) وتعنى باتخاذ قرارات الإصلاح و/أو التصفية والإشراف على تنفيذها. هذا الحلّ مُنتقد. إذ يذكّر بكلمة العميد ريمون إده أثناء مناقشة مجلس النوّاب لأزمة إنترا: فقد رفع صوته في إحدى جلساته لافتًا إلى أن رقابة المصارف كانت تعمل بكيان منفصل ومستقلّ عن دوائر مصرف لبنان وترتبط مباشرة بالحاكم وقد تبيّن من تعثّر بنك إنترا إخفاقها في عملها. وإذ اقترح إدة تبعا لذلك فصل رقابة المصارف إداريا عن مصرف لبنان وولاية الحاكم وإنشاءها ككيانٍ مستقلّ عن المصرف فكان له ما أراد. وكان من المنتظر ان يسلك المشرع اللبناني ذات السبيل فيقرّر فصل نشاط تنظيم المصارف عن مصرف لبنان وحصر مهام الأخير بشؤون النقد على النحو المعمول به في بلدين رائدين بالاستقرار المصرفي هما ألمانيا وسويسرا. والحجّة أن الأزمة ما كانت لتحصل لو كان هذا الفصل قائما لأن السلطة المصرفية ما كانت لتسمح لحاكم مصرف لبنان أن يستجلب دولارات المودعين لدى المصارف إلى صناديقه تحت أيّ عذر من الأعذار ولو من خلال تشويه تفسير النصوص القانونية كما حصل .
من جهة أخرى، يعمّق القانون الجديد انحرافا خطيرا تكون مع الوقت في إدارة مصرف لبنان مضمونه تركيز هيمنة الحاكم على هذه الإدارة على نحو لا يوجد مثيل له في أي مصرف مركزي في العالم. وهو أمر أكّده تقرير ألفاريز إند مارسال ودعت إلى إصلاحه تقارير وتوصيات ودراسات عدة. إذ أنّ الحاكم يرأس السلطة التقريرية في مصرف لبنان أي المجلس المركزي وهو الذي ينفذ قرارات هذا المجلس ويحدد المهامّ التنفيذية لنوابه كما يشرف على المديرية التي تراقب الأداء الداخلي للمصرف وترفع إليه تقارير لجنة الرقابة على المصارف ويرأس الهيئة المصرفية العليا ومجلس إدارة الأسواق المالية كما وهيئة التحقيق الخاصة. وقد أتى القانون الجديد ليعمّق من تركيز السلطة الانحرافي هذا بتكريس الحاكم رئيسا لغرفة جديدة أنشئت في الهيئة المصرفية العليا لاتخاذ قرارات الإصلاح المصرفي و/أو التصفية والإشراف على تنفيذها. وما فاقم من ذلك هو إضافة نائبين له إلى هذه الغرفة، وهما نائبه الأول ونائب آخر ينتحبه المجلس المركزي للمصرف.
جدير بالذكر أن الأوراق والمناقشات التحضيرية لصياغة قانون النقد والتسليف تجمع على وجود توافق في حينه على أمرين أساسيين بخصوص الهيئة المصرفية العليا عند تأسيسها: الأول، استقلاليتها عن مصرف لبنان، والثاني تكريس الطابع القضائي على مهامّها. من هنا كان الاتّفاق في النصّ الأصليّ الأول للمادة 208 على إسناد رئاستها إلى قاضٍ يختار من بين رؤساء غرف محكمة التمييز ومستشاريها بعد موافقة مجلس القضاء الأعلى. وقد تمّت لاحقا تعديلات قانونية عدّة أطاحت بهذا المرتكز وبات حاكم مصرف لبنان رئيسا للهيئة.
وبالتفصيل، حسنًا فعل القانون الجديد بإدراج رئيس لجنة الرقابة على المصارف من بين أعضاء (الغرفة الأولى) للهيئة المصرفية العليا لأن من شأن هذا الأمر أن يضع حدًّا لممارسات شاذّة سابقة تتمثل بممارسة الحاكم استنسابية في إحالة ملفّات المخالفات المرفوعة إليه من قبل لجنة الرقابة على المصارف لعرضها على الهيئة المصرفية العليا. إلا أنه تمّ بالمقابل استبعاد رئيس اللجنة من عضوية الغرفة الثانية التي ستتخذ قرارات بشأن مآل المصارف.
وفي حين يسجل للقانون أنه استبعد رئيس اﻟمؤﺴسة الوطنية ﻟضمان اﻟوداﺌﻊ ﻤن عضوية كلتا الغرفتين نظرا لتحكّم جمعية المصارف بهذه المؤسسة وتسميتها 4 من أعضائها من أصل 7، فإنه عزّز بالمقابل تواجد جهاز حكومي (وزارة المالية) من خلال منح العضوية لأحد أعضاء مجلس إدارة المؤسسة ممن تسميهم هذه الوزارة. كما ذهب المشروع في الاتجاه نفسه من خلال تعيين مدير عام المالية في الهيئة فضلا عن تعيين خبير مالي في مجالات الاندماج وإعادة هيكلة المصارف يقترحه وزير المالية في الغرفة الثانية للهيئة المصرفية العليا وإن اشترط أن يكون مستقلّا عن أية جهة حكومية ومصرفية. لكن الإشكال الأكبر هو في الخبير الاقتصادي في عمليات الاندماج وإعادة الهيكلة المصرفية العضو أيضا في الغرفة الثانية، فقد نص القانون على تعيينه بناء لاقتراح وزير الاقتصاد من لائحة ﻤرﺸحین يعدّﻫﺎ ﺘجمﻊ اﻟﻬیئات الاﻗتصادية. ومعروف أن التجمّع الأخير يضمّ جمعية المصارف والتجار والصناعيين والمقاولين وغيرهم من أصحاب الأعمال وغالبية هؤلاء إن لم يكن جميعهم سدّدوا قروضهم المصرفية بمليارات الدولارات على سعر صرف 1500 ل ل للدولار خلافًا للقانون واجتهادات قانونية وقضائية عدّة تقضي بأن يكون التسديد بالسعر الواقعي للدولار، ما يشير إلى أن الممثل المقترح من قبل التجمع سيراعي من دون ريب مصالح أعضاء التجمع الذي سيرشّحه، خصوصًا أن القانون لا ينصّ على أدائه مهامّه بشكل مستقلّ كما هو الأمر بالنسبة للخبير المالي.
أخيرًا يطالب القانون كلّ عضو من غرفتي الهيئة المصرفية العليا بتقديم التصريح اﻟمنصوص عليه ﻓﻲ اﻟﻘﺎﻨون رﻗم 189 تاريخ 16/10/2020 ( قانون التصريح عن الذمة المالية والمصالح ومعاقبة الإثراء غير المشروع) مع تكليف الأمانة العامة للهيئة تأﻤین ﺤسن ﺘطبیق ﻫذا الالتزام, وعليه، تقدم التصاريح وفق قانون 2020 إلى الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد التي سيكون لها حق التدقيق فيها. جدير بالذكر أن صندوق النقد الدولي كان قد طالب لبنان في تقريره المعدّ عام 2018 بمقتضى المادة الرابعة من اتفاقية تأسيسه بنشر تصاريح الذمة المالية التي يعدّها المسؤولون والقائمون بخدمة عامة لإطلاع الجمهور لكن لم يستجب لطلبه بحيث اكتفى قانون 2020 بمنح سلطة تدقيق لهيئة مكافحة الفساد في شروط قانونية محددة من دون أي إعلان عن مضمون التصريح.
4. البتّ بوضع المصرف المتعثر
تذكر المادة 7 من القانون أن قرار إصلاح وضع المصرف أو قرار شطبه وتصفيته يتخذان من قبل الهيئة المصرفية العليا (الغرفة الثانية) بالاستناد إلى تقرير تقييمي نهائيّ ترسله لجنة الرقابة على المصارف إليها مستندة الى تقرير معدّ من قبل مُقيّم مستقلّ تحدّد فيه القيمة الصافية لموجودات المصرف وحجم الخسائر مع إمكان طلب الهيئة تقرير مُقيّم آخر على أن تعتبر ﻤوﺠودات اﻟمصرف ﻟدى ﻤصرف ﻟبنان حسب المادة 36 ﻀمن اﻻﺴتحقاﻗﺎت الدفترية ﻤﻊ إﻋﺎدة ﺘرﺘیب اﺴتحقاﻗﺎت اﻟوداﺌﻊ ﻤن ﻗبل اﻟمصرف. أمر يثير اشكالية من نوع "أنت الخصم والحكم" باعتبار أن رئيس الهيئة هو حاكم مصرف لبنان وأن عضوين منها نائبان له ومصرف لبنان هو المتقاعس بردّ التزاماته تجاه المصارف ما يدعم حجّة المناصرين لتنصيب قضاة مستقلين في رئاسة هيئة إصلاح الوضع المصرفي بدلًا عن القيمين على مصرف لبنان لتضارب المصالح.
5. قرارات الهيئة المصرفية العليا بخصوص عمليات إصلاح الوضع المصرفي
تطالب المادة 8 من القانون الهيئة المصرفية العليا بنشر تقرير سنوي "يوجز" اﻟتقدّم اﻟمُحرز في تحقيق أﻫداﻓﻬﺎ التي حدّدها لها القانون وبإرسال نسخة عنه إلى مجلس النواب. هذا التكليف لا يتوافق مع المعايير الدولية التي يزعم القانون في أسبابه الموجبة أنه يسعى لاعتمادها، حيث تطالب هذه الأخيره بأن يكون التقرير معدّا بطريقة تقدّم عرضا كافيا لأعمالها يمكّن ممثلي الشعب من تكوين فكرة وافية عن المنحى الذي يسير فيه التعامل مع الأزمة كما هو الأمر بمقتضى القرار التوجيهي الأوروبي رقم 2014/59/UE.
6. أدوات معالجة وضع المصرف المتعثر
تنصّ المادة 13 من القانون على عدد من "أدوات إصلاح وضع" يعود للهيئة المصرفية العليا أن تقرّر تطبيقها على حدة أو مع غيرها من الأدوات الخاصة بإصلاح عثرات القطاع الخاصّ مثل الإنقاذ الداخلي Bail-in، على أن لا يطبق بشكل إلزامي على جميع المودعين كما يشير إلى ذلك نصّ المادة 14 من القانون، وإعادة رسملة المصرف من المساهمين أو من المصرف الأم أو من خلال مستثمرين جدد وتحويل بعض أو كامل موجودات المصرف وحقوقه ومطلوباته إلى مؤسسة أخرى وإجراء دمج مع مصرف آخر وغيره. وكان من المفيد هنا تنفيذا للتعهّدات والوعود التي أطلقت من قبل المسؤولين عن حماية الودائع وقدسيتها .. أن يتضمّن النصّ تأكيدًا على عدم جواز تخفيض أو تحويل الالتزامات اتجاه المودعين، كما اقترح صندوق النقد الدولي، لخصوصية الأزمة اللبنانية التي يلعب القطاع العامّ دورًا محوريًّا في التسبّب بها.
وحسنًا نصّت المادة 16 من القانون على فرض استرجاع أية أموال تمّ تحويلها إلى أطراف اخرى بشكل تمييزيّ أو غير عادل مما أضرّ بحقوق مودعين ودائنين لم يتمكّنوا من إجراء سحوبات أو تحويلات مماثلة بعد 17 تشرين الأول 2019... وكان من المهمّ التوسّع بالأمر وتضمين النص مطالبة المصارف بإعادة الأرباح التي حققتها من هندسات ماليّة أُجريت بطريقة غير قانونيّة وغيرمالوفة مع مصرف لبنان، كما مطالبة آخرين أجروا مع المصارف عمليّات حققوا من خلالها أرباحًا غير شرعيّة، مثل التربّح من عمليات الدعم والصيرفة وتحويل الودائع بالليرة إلى لولارات بعد 17 تشرين الأول وإيفاء القروض المصرفيّة الدولارية على سعر صرف 1500 ل ل للدولار بدلا من السعر الواقعي.
ايضا كان من الضروري وضع ضوابط مشدّدة وواضحة في حالات عدم اﻋتداد الهيئة المصرفية العليا باﻟمبدأ اﻟﻌﺎم اﻟﻘﺎﻀﻲ بمعاملة اﻟداﺌنین ﻤن ﻀمن المرتبة الواحدة بالتساوي الوارد في المادة 16 من القانون.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو عن سبب إلغاء النصّ الذي كان واردًا في النسخة ما قبل الأخيرة لمشروع القانون والذي كان يقضي بفرض استرجاع أموال مسدّدة لأعضاء مجلس الإدارة أو الإدارة العليا بصورة مخالفة للقانون أو لتعاميم مصرف لبنان أو لقواعد حسن الحوكمة خلال فترة العشر سنوات السابقة؟
7. المدير المؤقت
يثير القانون تناقضًا واضحًا بخصوص الجهة المكلفة بتعيين المدير المؤقت. فالمادة 5 منه تنصّ على "حلول (الغرفة الأولى) للهيئة المصرفية العليا محلّ لجنة العقوبات المنصوص عليها في المادة 209 من قانون النقد والتسليف لتطبّق عند الاقتضاء العقوبات المبينة في المادة 208 التي تسبقها ومنها تعيين مراقب أو "مدير مؤقت"، في حين أن المادة 16 منه تنص في أن تعيين "المدير المؤقت" هو من صلاحيّات (الغرفة الثانية) في الهيئة المصرفية العليا.
وكان من المستحسن في هذا الخصوص لو تمّ الأخذ باقتراح صندوق النقد الدولي بأن لا تقتصر الصلاحيات التي يمكن تفويضها إلى المدير المؤقت على صلاحيات مجلس الإدارة، بل تشمل أيضًا صلاحيات الجمعية العامة للمساهمين وفقًا لما تراه الهيئة المصرفية العليا مناسبًا وتحت إشرافها؛ وأيضا اقتراحه بأن لا يكون المدير المؤقت قد شغل بصورة مباشرة أو غير مباشر ة في السنوات الخمس السابقة لتعيينه (وليس في السنتين السابقتين كما نص القانون) منصب عضو في مجلس الإدارة أو الإدارة العليا أو مستشار في المصرف أو المؤسسات المرتبطة به. والهدف من الاقتراح هذا التماهي مع قيد آخر هو أن لا يكون المدير المؤقت بصورة مباشرة أو غير مباشرة من المساهمين في المصرف أو المؤسسات المرتبطة به في الخمس سنوات السابقة لتعيينه أي لذات المدة.
ايضا كان يكون أفضل لو حظر القانون التوجّه الذي ساد مؤخّرا بتعيين أعضاء سابقين في المجلس المركزي وفي لجنة الرقابة على المصارف مدراء مؤقتين لبعض المصارف، على أساس أن الأزمة تأسّستْ وأو تفاقمتْ أثناء ولايتهم.
8. تصفية المصرف المتعثّر
تنص المادة 22 من القانون على أن تجري عمليّة التصفية "بهدف حماية الاستقرار الماليّ وتحسين قيمة المنفعة إلى أقصى حدّ بالنسبة إلى الدائنين ككلّ". وهو أمر يتناقض مع ما تنصّ عليه المادة 3 من القانون بأن هدفه بالدرجة الأولى حماية أموال المودعين في عملية التصفية لا كافة الدائنين .
كما تنصّ المادة 22 على أنه يتعيّن على المصفي/ لجنة التصفية واو الهيئة المصرفية العليا في حال وجود أسباب جدية للاشتباه بالتورط في جرم مدني أو جزائي من قبل أي من كبار المساهمين وأعضاء في مجلس الإدارة والإدارة العليا، والمفوضين بالتوقيع ومفوضي المراقبة، الذين شغلوا مناصبهم لدى المصرف المعني في السنوات العشر السابقة لتاريخ صدور قرار الشطب اتّخاذ عدد من الإجراءات منها: إبلاغ الأﺸخاص اﻟمذكورين وﺠوب اﻻﻤتناع ﻋن اﻟتصرّف بكل أو ببعض أﻤﻼﻛﻬم اﻟمنقوﻟﺔ وﻏیر المنقولة وحساباتهم المصرفية والطلب إلى المحاكم المختصّة في لبنان والخارج إلقاء الحجز الاحتياطي عل كلّ أو بعض أملاكهم وملاحقتهم أمام القضاء لما يترتب عليهم من مسؤولية. وكان من الأفضل إطلاق الإجراءات السابقة فورا مع صدور قرار التصفية وليس انتظار اكتشاف التورّط في جرم مدني أو جزائي على خلفية أنّ انحرافات المسؤولين السابقين قائمة ومعروفة وهي توظيف القسم الأكبر من أموال المودعين لدى القطاع العام (الخزينة ومصرف لبنان) بتواطؤ مع القيمين على هذا القطاع على نحو مخالف للقانون والمعايير الدولية وتحذيرات صندوق النقد الدوليّ.
إن معاقبة المرتكبين و حتى المقصّرين أمر جدّ مهمّ في أيّة عملية إصلاح مصرفي حسب قول السيدة Christine Lagarde الرئيسة الحالية للمصرف المركزي الأوروبي في ندوة نظمها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتاريخ 5 تشرين الثاني 2015، وكانت وقتها المدير العام لصندوق النقد الدولي. فقد ذكرت بأنه «من الضروري تحميل المصرفيين المسؤولية الكاملة أكانت مدنية أو جزائية عن أفعالهم في حالة ارتكابهم المخالفات القانونية. ويجب ألا يكونوا قادرين على الإفلات من العقوبات بدفع الغرامات فقط، فهكذا تدبير أثبت محدوديته».
9. لا دستورية ربط عدد من أحكام القانون بصدور ﻗﺎﻨون لاحق
تشير المواد 2 و14 و37 إلى تعليق تنفيذ القانون لحين إقرار ونشر قانون لاحق عن "الانتظام الماليّ واسترداد الودائع". وهذا أمر ممكن من حيث المبدأ سندًا للمادة 1 من المرسوم الاشتراعي رقم 9 الصادر بتاريخ 21 تشرين الثاني 1939. لكن ما هو غير جائز لا بل غير دستوري ربط "اكتمال أي قانون" بقانون لاحق على حد تعبير François LUCHAIRE العضو السابق في المجلس الدستوري. فالقانون الذي صدر يتضمّن أحكامًا وتعاريف ذكر أن مضمونها سينصّ عليه القانون اللاحق عن "الانتظام المالي واسترداد الودائع" كما هو الأمر بالمادة 26 التي تنصّ على أنّ التراتبية في عملية التصفيّة ستكون وﻓﻘًﺎ لآﻟيّات يحدّدﻫﺎ القانون المنتظر الذي يعود له أيضًا تحديد تعريفات ودائع العملاء المؤمّنة وغير المؤمّنة المنصوص عليها في ملحق القانون وأيضًا معالجة الأموال الجديدة المذكورة في هذا الملحق. كما يعود له، أي للقانون المنتظر، ﺘﻌدﯿﻞ اﻟمتطﻠبات اﻻﺤترازية (الحدود الدنيا لكلا الأموال الخاصة والسيولة) التي تنصّ عليها المادة 36.
10. عدم الاعتداد بمعايير دولية حول كيفية معالجة التعثر المصرفي
يرى البروفسور Daniel Tarullo أستاذ القانون في كلية القانون في جامعة Harvard والعضو السابق في مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي المسؤول عن الإشراف المصرفي والمالي وقد قاد بعد أزمة عام 2008 الإصلاحات التنظيميّة الماليّة بما في ذلك تطبيق قانون Dodd-Frank أن «الانتظام المصرفي الصحيح لا يرتكز فقط على ضرورة توافر المعايير الموضوعية التقليدية كرأس المال والسيولة والملاءة وتجارب الإجهاد وضمان الفصل بين نشاط المصرف التجاري والاستثماري وغيره… بل ايضاً على ضمان وجود قيادات مصرفية لا شائبة على سلوكها المهني في إدارات المصارف، ويجب عند انحراف هؤلاء أن يحظر عليهم علناً من ممارسة العمل المصرفي، وأن يلاحقوا جزائياً ويسجنوا تماماً كما يحصل مع الأفراد».
ومن الرجوع إلى القانون، يتضح أنه اكتفى بالتركيز على المعايير الموضوعية التقليديّة للخروج ﻤن وضع "ﻗید الإﺼﻼح" وإهماله الكليّ أيّ كلام عن ضرورة التأكّد من تسليم القيادة المصرفيّة إلى عناصر جديدة كفؤة ونزيهة. لقد انتبهت بعض الدول، ومنهم هولندا، إلى أهمية الجانب الشخصي وبالتحديد الأدبي في معالجة التعثّر المصرفي فألزمت مصرفيّيها اعتبارا من بداية عام 2015 بأداء قسمين الأول تجاه الذات الإلهية والثاني بالتقيّد بالتعاليم المسيحية الكالفينية الخاصّة بالعمل. ويعاقب القانون على الإخلال بالقسم تماما كما يعاقب الطبيب على إخلاله بقسمه. وهناك دراسات وإحصاءات عدة تشير إلى ارتفاع مستوى التحفّظ عند المصرفيين في هولندا من مختلف المستويات بعد إلزامهم بأداء القسم الآنف الذكر.