حكم هامّ في قضية العليّة ضد أبي خليل: هكذا انتصر العليّة في إعادة الاعتبار للوظيفة العامّة
07/02/2026
أصدرت المحكمة المدنية في بيروت حُكمًا هامًّا لجهة إعادة الاعتبار إلى الوظيفة العامّة. الحكم صدر في تاريخ 29/1/2026 عن القاضية المنفردة المدنية غريس ناضر في القضية التي أقامها السيّد جان العلية بالتعاون مع المفكرة القانونية ضدّ النّائب سيزار أبي خليل على خلفية الاتهامات التي ساقها هذا الأخير ضده ووصلت إلى حدّ اتهامه بالتزوير وبالإخلال الوظيفي وبالانخراط في إحدى المنظومات للوصول إلى ترؤس هيئة الشراء العام، كل ذلك من دون أي دليل جدّي. وتأكيدًا على خطورة التعرّض لموظّف عامّ على هذا الوجه، ألزم الحكم النائب أبي خليل بتسديد تعويض قدره ب 1.5 مليار ليرة لبنانية عن الضرر المعنوي الذي ألحقه. وكان العليّة صرّح عند مباشرة الدّعوى أن الهدف منها ليس الدّفاع عن سمعته الشخصيّة وحسب، بل قبل كلّ شيء الدّفاع عن "الموظف العامّ" الذي يؤدّي وظيفته بحياديّة واستقلاليّة دفاعًا عن الدّولة ومواردها.
وإذ اعتبرت القاضية أن "توجيه أيّ اتّهام غير صحيح وغير مسند إلى دلائل حسّية جدّية. من شأنه المساس بالحقوق الملاصقة لشخصيته الإنسانية، كحقّه في سمعته وشهرته ومكانته الاجتماعية والمهنية"، فإنها شددت على أن العليّة يشغل منصبًا دقيقًا يجعله "محطّ أنظار الجميع" وأنّ وظيفته هذه أسوةً بسائر الوظائف العامّة تحتّم عليه التصرّف بمناقبيّة وشفافيّة وصدق وأمانة، وأنّ "رصيد هذا الأخير المهنيّ الوحيد هو سمعته وتحلّيه بالشرف والاستقامة". كما شددت على أن أبي خليل قد وجّه كلامه الاتّهامي عبر شاشة التلفزة مما أوصله إلى أكبر قدر من الجمهور وهو أمر من شأنه وفق الحكم أن يفاقم من الضرر وأن يتسبب بإحساس بالمذلّة وانفعال داخليّ وما إلى ذلك من أضرار نفسيّة ومعنويّة.
وتجدر الإشارة إلى أنّ القاضية قد عمدت قبل النظر في أساس الدعوى إلى ردّ دفع أبي خليل بشأن الحصانة النيابية التي اعتبر أنّها تُجيز له إبداء رأيه من دون أن تترتّب عليه أي مسؤولية، بعدما اعتبرت أن الحصانة المنصوص عليها في المادة 39 من الدستور تقتصر على الملاحقة الجزائية وليس لها أي أثر على المسؤولية المدنية.
وقبل المضي في إبداء ملاحظاتنا على الحكم، تجدر الإشارة إلى أن العلّية كان قد تقدم بدعوى ثانية بحقّ النائب جورج عطالله، الذي كان قد كال إليه اتّهامات مشابهة. إلا أنه لم يتسنّ حتى اليوم لهذه الدعوى أن تسلك مسارها تبعا لتعذّر تبليغه بالصورة الاعتيادية، رغم كونه نائبا ومحاميّا مسجلا في نقابة طرابلس وله مكتب في أميون.
انطلاقًا من ذلك، يستدعي هذا الحكم الملاحظات التالية:
حكم دفاعًا عن الوظيفة العامّة
من أجل إدراك أهميّة الحكم، يقتضي التّذكير بالظّروف السّائدة عند تقديم الدعوى، والتي تمثّلت في استسهال شنّ حملات تشهير بحقّ موظّفين عامّين وقضاة، بغية الضّغط عليهم أو التّشكيك بمرجعيّتهم أو بشرعيّة القرارات الصّادرة عنهم. وقد امتازتْ حملات التشهير في أغلب الحالات هذه بخفّتها وخلوها من أي مضمون أو دليل، على نحو يعكس نيّة ليس في تصويب أداء ما، إنما قبل كل شيء في استهداف الوظيفة العامة بحدّ ذاتها ومعها الدولة والصالح العامّ بغية تحقيق مصالح خاصة أو منع أي رقابة أو محاسبة.
وفي هذا المضمار، شكّل الهجوم الممنهج والمتواصل بعناوين أغلبها فارغ ضدّ جان العليّة، رئيس دائرة المناقصات سابقًا ورئيس هيئة الشراء العام حاليّا، أحد العناوين الكبرى لهذه الحملات. ومن هذا المنطلق، لم يلجأ العليّة إلى القضاء بسبب انتقاد وجّه إليه في قضية معينة أو بشأن قرار معين، بل لجأ إليه لوقف الحملات الممنهجة التي باتت من وجهة نظره تستهدف وظيفته في مراقبة صفقات الشراء العام أيا كان الموظف الذي يشغلها. وهذا ما عبّر عنه في مؤتمره الصحافيّ السّابق لتقديم هذه الدعوى في تاريخ 18 تشرين الثاني 2021، حيث قال بالحرف أنه قرر "الدفاع عن كرامة إدارته بوجه التهم التي وجّهت إليها.. وكي لا يتم تدمير الوظيفة والموظف الذي يطبق القانون". ولم يفتْ العليّة في دعواه توصيف كل الحملات التي يتعرض لها على أنّها مجرد ردّ على مواقفه الحازمة في الدفاع عن الصالح العام بهدف إضعاف مرجعيته فيما يتّصل بالمناقصات وثنيه عن القيام بوظيفته التي هي ضمان الشفافية في المناقصات.
من هذه الزاوية، فإن الحكم ليس انتصارًا لشخصه وحسب إنّما قبل كلّ شيء للموظّف العام الذي يؤدّي وظيفته بحيادية واستقلالية ويرفض الانصياع لضغوط هذه الجهة أو تلك رفضًا لتحويل الوظيفة العامّة إلى أداة لخدمة المصالح الفئوية أو الخاصة. وقد ذهبت المحكمة في هذا الاتّجاه بعدما تبيّنت أنّ اتهامات أبي خليل للعليّة "بقيت مفتقرة لأيّ دليل قانونيّ حسيّ يعززها ولأيّ وقائع تؤكدها"، مما يؤكد الخطأ الذي وقع فيه ومسؤوليته في التعويض عليه.
لا حصانة للنّائب في الدعاوى المدنية
الأمر الثاني الذي يجدر التوقف عنده هو تأكيد الحكم على أنّ المادة 39 من الدستور واضحة لجهة حصر حصانة النواب فيما يتعلّق بأفكارهم وآرائهم بالدعاوى الجزائية دون الدّعاوى المدنية. ويلحظ هنا أن دفاع العليّة كان قد أبرز في ملفّ الدّعوى مواقف واضحة من قبل الفريق السياسي الذي ينتمي إليه أبي خليل اعتبرت كلها أنّه بإمكان أيّ متضرر من تصريح لنائب الادعاء عليه أمام المحاكم المدنيّة من دون أن يكون لهذا الأخير الإدلاء بالحصانة الدستورية. وقد اعتبر أنّ التذرّع بالحصانة في مواجهة العليّة جاء متناقضا مع هذه المواقف، علاوة على كونه مخالفا لأحكام الدستور.
ومن دون التقليل من أهمية الحكم والنتيجة التي وصل إليها، إلا أنه يقبل الانتقاد لجهة رفض إدخال الدولة في القضية على أساس أنّه ليس للحكم تأثير على المصلحة العامة أو على الدولة، رغم ما للأفعال المدعى بها من انعكاسات سلبية على مرجعية الوظيفة العامة ومنعتها، وما لما انتهى إليه الحكم من حماية للموظف العام من أثر في تعزيز الوظيفة العامة والصالح العام. ويؤمل أن يشكّل هذا الحكم مُحفّزا للإدارات العامّة والأهمّ لهيئة القضايا برئاستها الجديدة، من أجل وضع آلية تضمن الدفاع عن الموظف العام حين يتعرض لحملات تستهدف وظيفته، من دون أن يترك وحيدا في مواجهة هذه الحملات والقوى التي تشنّها، لما لذلك من انعكاسات إيجابية على نفسية الموظف وقدرته على صون حياديته واستقلاليته. وفي الاتجاه نفسه، يجدر انتقاد الموقف السلبي الذي كان أخذه كل من التفتيش المركزي والأمانة العامة لمجلس الوزراء برفض طلب إدخال الدولة في الدعوى بذريعة عدم معرفتهم تفاصيل الملفات وعدم توفّر أي مستندات لديهم، من دون إيلاء أي انتباه لأبعاد القضية وأهمّيتها.