المصدر: الوكالة الوطنية للإعلام
جلسة "لمساءلة" الحكومة أم للمناكفات النيابيّة؟ حَضر السلاح واتفاق الإطار وغاب العفو العامّ
18/09/2026
بعد طول غياب، عقد مجلس النواب أول جلسة له منذ تموز 2025 مخصصة لمناقشة عامة للحكومة مستعيدًا بذلك ولو شكليًا أحد أهم مقومات النظام البرلماني، أي حق مجلس النواب بمراقبة عمل السلطة التنفيذية انطلاقًا من المبدأ الدستوري المتعلق بمسؤولية الحكومة السياسية.
امتدت هذه الجلسة على يومين (15-16 أيلول) وشهدت كالعادة سجالات تتعلق بكيفية إدارة الجلسة ما يعكس ضعف الطبيعة المؤسساتية في عمل مجلس النواب وخضوعه لاعتبارات اعتباطية تتحكم بها الأهواء السياسية. وكان لافتا تشديد رئيس المجلس على اختصار المداخلات قدر الإمكان إذ طلب من النواب إلقاء كلمتهم من أماكنهم وعدم الصعود إلى المنبر، هذا فضلًا عن تفرّده في قرار منح كل نائب خمس دقائق فقط ما أثار اعتراضات تمّ حسمها كالمعتاد عبر المساومة من دون إرساء أي مبدأ يمكن اعتماده في الممارسة المستقبلية.
ولعل الخلاصة الأبرز التي يمكن الخروج بها من مجريات هذه الجلسة هي أن وظيفتها الفعلية لم تكن مراقبة الحكومة بقدر ما كانت تسجيل مواقف سياسية حادّة وانتقاد الخصوم في الكتل النيابية الأخرى.
اعتبرت كتلة لبنان القوي نفسها على أنّها المعارضة الوحيدة في المجلس النيابي، طالبة حصّة أوزن من الكلام على هذا الأساس ولكن من دون جدوى. وكان النائب جبران باسيل لاذعًا في كلامه للحكومة، متّهمًا إيّاها بدخول المحاور والخضوع للوصايات الأجنبيّة وضرب السيادة، ومنتقدًا إياها في مسألة اتفاق الإطار وحصر السلاح. وقد تطرّق باسيل أيضًا إلى مسألة الكهرباء والضرائب غير المباشرة والسدود والعفو العام، معتبرًا أنّ الحكومة قد فشلت على كافة الصعد. غير أنّ كتلته كانت أيضًا محور انتقادات من عدد كبير من النوّاب، ما جعلها بموازاة الحكومة في وضعيّة الدفاع عن نفسها داخل الجلسة، ما دفع النائب سليم عون إلى السؤال عن إمكانيّة طرح الثقة بكتلته في آخر الجلسة. وتمحورت هذه الانتقادات حول مسألة الكهرباء، فكان سيل من الاتهامات وتحميل المسؤوليات لوزراء التيار عن الحالة المتردّية التي وصل إليها هذا القطاع، كما وجّهت الانتقادات في مسألة قانون العفو الذي انفرد التيار الوطني الحرّ بالطعن فيه أمام المجلس الدستوري. وكان لكتلة لبنان القوي ردّات فعل متشنّجة على كلّ هذه الاتهامات قادها النائب سيزار أبي خليل، محاولًا الدفاع عن موقف حزبه من دون أن يؤذن له بالكلام. وقد أعلن أبي خليل إحالة محضر الجلسة إلى النيابة العامة كإخبار لها بخصوص ما اعتبره تهديدًا من النائب أحمد الخير في مسألة العفو العام.
بالإضافة إلى انتقادات المعارضة، برزت اعتراضات مختلفة على أداء الحكومة موجّهة من قبل الأحزاب الممثلة فيها كما من النواب الذين أعطوها الثقة مرارًا. ولعلّ أبرز انتقادات هؤلاء تركّزت على التراخي وقلّة الجرأة والحسم في تنفيذ قرارات حصر السلاح. وطالت الانتقادات أيضًا مسألة الموازنة والضرائب العشوائيّة والغير المباشرة، تلاها تنبيهات للحكومة من إمكانيّة انفجار الغضب الشعبي جرّاء هذه السياسة. وقد استحوذ ملف الكهرباء على مساحة كبيرة من الكلام الموجّه للحكومة، تخلّله تبرئة لها تارة من تراكمات الماضي، وحثّ لها طورًا على إظهار النتائج، من دون إهمال التصويب على فريق التيار الوطني الحرّ في هذا الملفّ كما ذكر آنفًا. كذلك فإنّ الهمّ المعيشي أخذ حصّة وازنة من النقاش، حيث برز موضوع الضرائب الجديدة المفروضة في مشروع الموازنة، وتوزّعت التعليقات بين محذّر من انفجار اجتماعي، ومندّد بسياسة الضرائب غير المباشرة بدلًا من فرض ضرائب مباشرة أكثر عدالة وتقوية الجباية. كما كان للمشاكل التربويّة والمدارس الخاصة والأقساط والمدارس المدمّرة حصّة من النقاش، إلى جانب مسائل معيشيّة أخرى وقضايا بيئيّة مثل المطامر والنفايات في الجديدة وصيدا والتلوّث الناتج عن مولّدات الكهرباء.
ولا شكّ أنّ المسألة الأبرز والتي هي الحرب والاحتلال والمفاوضات كانت مادة انقسام حادّ في المجلس، بين فريق متنوّع من جهة، يشمل الموالين للحكومة وجزءًا من معارضيها، أقرّ بأحقيّة حصر السلاح وحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة وضرورة التفاوض، مع تفاوت في تقييم أدائها وآراء مختلفة حول صوابيّة الوسائل المستخدمة، وبين فريق آخر من جهة ثانية، تمثّل بنواب حزب الله وآخرين مثل النائب الياس جراده، أطلقوا سرديّة مناقضة تمامًا، تمثّلت في التمسك في المقاومة والتأكيد أنها "باقية"، مع رفض التفاوض وحصر السلاح، ومتهمين الحكومة والموالين لها بالخيانة والتواطؤ مع إسرائيل.
محصّلة بالأرقام عن مداولات الجلسة
أعلن رئيس المجلس في نهاية الجلسة أن 59 نائبًا أخذوا الكلام وذلك خلال ثماني ساعات و40 دقيقة. وفي مسألة التصويت على الثقة، تمّ منحها للحكومة من قبل 68 نائبًا، فيما حجبها 12 هم نواب التيار والوطني الحر وامتنع 2 هم النائب جهاد الصمد والنائبة حليمة القعقور. وقد سجل المرصد البرلماني توزّع الكلام على أبرز المواضيع فتبين له أن 24 نائبًا تطرقوا إلى مسألة السلاح، و17 عالجوا مسألة الاحتلال والخروقات والحرب، و23 تحدثوا في المفاوضات واتفاق الإطار، و19 في الكهرباء والمياه، و17 في المصارف والودائع، و13 في الموازنة والضرائب، و12 في القطاع العام ورواتب الموظفين، و9 في النازحين من جرّاء الحرب، و7 في التربية والأقساط المدرسيّة والمدارس المتضررة من جرّاء الحرب، و5 في البيئة، و5 في العفو العامّ. وتكلّم أيضا نائبان عن مشاكل صيدا لا سيّما النفايات، ونائبان عن طرابلس ومشاكلها، ونائبان عن النبطيّة ونائب عن قضاء المتن، ونائبان خصصا حديثهما عن موضوع الاتصالات، وكانت ثلاث مداخلات تناولت الطائفيّة وطبيعة النظام، ومداخلة واحدة عن إعادة الإعمار، وواحدة عن الانتخابات النيابيّة المقبلة.
السجال حول مدّة الكلام وطبيعة الجلسة
دار سجال بين رئيس مجلس النواب نبيه برّي وكتلة لبنان القوي لا سيّما رئيسها النائب جبران باسيل على خلقيّة قرار بري تخصيص خمس دقائق فقط لكلّ طالب كلام، استمرّ حتّي نهاية الجلسة في اليوم الثاني. عارض باسيل هذا القرار مستندًا إلى المادة 73 من النظام الداخلي التي تنصّ على أن يكون "في الاستجواب: ربع ساعة للمستجوب لشرح استجوابه وربع ساعة للحكومة وخمس دقائق لكل من النواب الآخرين" كما تنصّ هذه المادة على أنّه "بصورة خاصة تجوز تلاوة الخطابات بإذن الرئيس شرط أن لا تتعدى مدة التلاوة نصف الساعة"، وتضيف المادة في فقرة أخرى: "وفي الحالات الأخرى يحدد رئيس المجلس مدة الكلام لكل نائب وفقاً للضرورة".
طلب الرئيس بري بالرجوع إلى المادتين 136 و137 من النظام الداخلي وقام بالنهاية بتلاوتهما بنفسه، مشدّدًا على التفريق بين جلسة الاستجواب وجلسة المناقشة العامّة. وفي محاولة منه لإزالة "الالتباس" الحاصل، أشار برّي إلى أنّ الجلسة الحاضرة ليست جلسة استجواب بل جلسة مناقشة عامّة. وفي قراءته للنظام، قال برّي أنّ جلسات الاستجواب لا يتكلّم فيها جميع النواب بل البعض منهم، ما يسمح بتطبيق أحكام المادة 73 ويمنح النائب مدة أطول في مداخلته. أمّا في جلسات المناقشة العامّة، فيحقّ لجميع النوّاب التكلّم، وتكون بالتالي مدّة الكلام محصورة بخمس دقائق فقط لكلّ نائب. وخيّر برّي النائب باسيل إمّا أن يتكلّم عن جميع أعضاء كتلته، على أن يكون كلامه في هذه الحالة لربع أو نصف ساعة، أو أن يتكلّم كلّ نائب لخمس دقائق فقط.
وكان تدخّل للنائبة بولا يعقوبيان في هذا الخصوص أكّدت فيه على صوابيّة كلام الرئيس برّي، إلّا أنّها أشارت إلى كلام أمين عام المجلس عدنان ضاهر الذي قال فيه أنّ لكلّ من النواب عشر دقائق للكلام ولا تفضيل لنائب على آخر.
اعتبر باسيل في ردّه أنّ كتلته قد أرسلت 50 سؤالًا إلى الحكومة لم يصلها منها إلّا 14 جوابًا، وقد حوّلت 28 من الأسئلة إلى استجوابات، ما يحتّم على رئاسة المجلس منح الكتلة الوقت الذي يعود لها بموجب النظام الداخلي من أجل استيضاح الحكومة حول كلّ المسائل التي لم تجب عليها. واعتبر باسيل أيضًا أنّه رئيس الكتلة المعارضة الوحيدة في المجلس لا بل رئيس المعارضة بوجه حكومة نواف سلام، ما يبرر السماح له بالتكلّم لنصف ساعة، مطالبًا أيضًا بعدم حصر الإذن بالكلام في كتلته بشخصه فقط بل الإفساح لجميع طالبي الكلام في الكتلة بأن يتكلموا. وقد هدّد باسيل مرارًا بالانسحاب من الجلسة إذا تم رفض منحه الكلام لنصف ساعة. ومع إصرار النائب جبران باسيل وبعد أخذ وردّ، سمح الرئيس بري لباسيل بالتكلم لنصف ساعة مع حصر مداخلات كتلة لبنان القوي بمداخلته فقط، وقد قبل باسيل بذلك.
يعكس هذا النقاش التخبّط في تطبيق النظام الداخلي بسبب عدم وضوح أحكامه وغياب الممارسة المستقرة التي تسمح بوجود سوابق تعطي المؤسسات استقرارها. إذ أن رئيس مجلس النواب دعا لجلسة مناقشة عامة في ظل غياب أي أحكام واضحة في النظام الداخلي حول كيفية تحديد مدة الكلام للنواب في هكذا نوع من الجلسات ما يفتح المجال لتطبيق النص العام المذكور في المادة 73 حول منح رئيس مجلس النواب الحق في تحديد مدة الكلام النواب في الجلسات التي لا تتعلق بالأسئلة أو الاستجوابات أو مناقشة الموازنة أو البيان الوزاري. وعلى الرغم من أن الرئيس بري لم يشرح هذا الأمر بوضوح لكنه فرض مدة الخمس دقائق للمداخلات في ظل استمرار اعتراض النواب طوال الجلسة على التفاوت في المدة التي تكلم فيها فعليا كل نائب وعدم ضبط الأمر بشكل واضح. لا بل أن الرئيس بري هدد النائب سليم عون بطرده من الجلسة في حال استمر بالاعتراض على منع نواب كتلته من الكلام كون رئيس الكتلة جبران باسيل تكلّم باسمهم ما عكس الطبيعة الارتجالية في إدارة الجلسة.
ولا بدّ من التذكير بالورقة البحثية التي أصدرتها المفكرة القانونية حول النظام الداخلي لمجلس النواب التي شرحت أن هذا الأخير لا يضمن دورًا فعّالًا للمعارضة ولا يخصّص لها مدّة معيّنة من الكلام بسبب غياب أي تصنيف رسمي للكتل بين معارضة ومواليّة إدارة المجلس. وعلى سبيل المثال فقد كرّس الدستور الفرنسي عام 2008 حقّ تمثيل المجموعات المعارضة في البرلمان وتخصيصها بحقوق معيّنة، ترجمّت بطرق مختلفة في النظام الداخلي للجمعيّة الوطنيّة من ضمنها تخصيص وقت أطول لمداخلات المعارضة في جلسات الأسئلة للحكومة. أمّا في النظام الداخلي لمجلس النوّاب اللبناني فتغيب هذه الترتيبات، لذلك فإنّ كلام النائب جبران باسيل عن ضرورة تخصيص المعارضة بوقت أطول في الكلام يعكس هذا النقص الديمقراطي في الحياة البرلمانية اللبنانية ويشير إلى ضرورة تعديل النظام الداخلي كي يتم تكريس حقوق المعرضة بشكل واضح.
النظام الداخلي لمجلس النواب في مهبّ التفسيرات العشوائيّة
كما في كلّ جلسة لمجلس النواب، تبرز ممارسات تتعلّق بالنظام الداخلي تتّسم بالعشوائيّة في التفسير والتطبيق، مردّها عدم وضوح النظام بحدّ ذاته، كما افتقار المجلس لممارسة دوريّة لعمله تمكّن من تكريس تفسير واضح للنظام يلائم المنطق الديمقراطي.
ومن الأمور البارزة في الجلسة كان منع الرئيس برّي النواب من التعرّض إلى الأحزاب بأسمائها، وذلك على خلفيّة التوتّرات التي سادت الجلسة إثر اعتراض نوّاب حزب الله العنيف على الاتهامات التي طالتهم في موضوع الحرب مع إسرائيل. ولا شكّ أنّ هذا المنع الذي فرضه الرئيس برّي لا يجد له سندًا في النظام الداخلي لمجلس النواب، لا بل يتعارض مع منطق العمل النيابي الذي يفتح مساحة للنقاش بين الأحزاب المختلفة الممثلة. وللتذكير فإنّ المادة 75 من النظام الداخلي تعطي الرئيس حق منع الخطيب من متابعة الكلام "إذا تفوه بعبارات نابية بحقّ أحزاب المجلس أو كتله أو أحد النواب أو اللجان" (البند 3)، فيما يبقى حقّ تناول الأحزاب والنواب بالإسم متاحًا في غير هذه الأحوال.
وعلى نحو آخر، استمرّ السجال المزمن حول كيفيّة تطبيق المادة 76 من النظام الداخلي التي تنص على التالي: "لكلّ نائب حق الجواب ولمرّة واحدة إذا تعرّض أحد الخطباء لشخصه أو لحزبه أو لكتلته". فبحجّة الحقّ بالجواب بات النواب يقاطعون بعضهم البعض معترضين على تناول أحدهم الآخر في معرض كلامه، طالبين الردّ مباشرة على الكلام الذي قيل. ولكنّ التفسير السليم لهذه المادة يقتضي منع المقاطعة وترك الخطيب يتكلّم ما لم يخالف المادة 75، على أن يحفظ حقّ الرد بموجب المادة 76 بعد انتهاء الخطيب من الكلام.
برزت أيضًا إشكاليّة جديدة تمثّلت في ترؤس النائب ألان عون الجلسة بدلًا من الرئيس برّي لبعض الوقت، بشكل يخالف النظام الداخلي لمجلس النواب الذي ينص في المادة السادسة على التالي: "يتولى نائب الرئيس صلاحيات الرئيس في حال غيابه أو عند تعذر قيامه بمهمته"، وفي بند ثان، تنص المادة على أنّه "إذا تعذّر على الرئيس ونائبه متابعة رئاسة الجلسة، يتولى الرئاسة أكبر الأعضاء الحاضرين سنًا وذلك بتكليف من الرئيس أو نائبه". وبما أنّ نائب رئيس مجلس النواب الياس بو صعب كان غائبًا عن اليوم الثاني للجلسة، عيّن برّي أمين السرّ النائب ألان عون رئيسًا بدلًا منه لفترة قصيرة، بينما الصواب كان الطلب من النائب الأكبر سنًا من بين الحاضرين تولي رئاسة الجلسة إلى حين عودة الرئيس.
شبح الحرب والتخوين المتبادل
أخذ أداء كتلة الوفاء للمقاومة طابعًا انفعاليًّا في جلسة المناقشة العامّة خلافًا للهدوء النسبي الذي ساد مداخلاتها في الجلسة السابقة التي عقدت في تموز 2025. وكانت باكورة المشادات الكلاميّة تلك التي نتجت عن مداخلة النائب عن حزب الله علي عمّار مباشرة بعد البيان الذي تلاه رئيس الحكومة نواف سلام في مستهلّ الجلسة، حيث طلب النائب عمار الكلام بالنظام إلّا أنّ فحوى حديثه كان الردّ بالسياسة على كلام رئيس الحكومة، معتبرًا أنّ سلام أغفل وتغافل عن تاريخ العدوانيّة الاسرائيليّة، ما استدعى مقاطعته من قبل النائبة بولا يعقوبيان التي أشارت إلى أنّ كلام عمّار لا علاقة له بالنظام.
عندها تهجم النائب عمار على يعقوبيان بكلام شخصي من دون أن يتمكن من الردّ على مضمون ما قالته. وقد أيّد النائب بلال الحشيمي موقف يعقوبيان داعيًا عمّار إلى الكلام في السياسة عن المنبر وليس تحت غطاء الكلام في النظام، بينما اعتبر النائب ميشال معوّض أنّه يحقّ لعمّار إبداء رأيه إلّا أنّ كلامه هذا ليس في النظام. لكن برّي ظل متساهلًا مع عمّار مانحًا إيّاه الكلام لكن لوقت قصير، ما دفعه لاختتام مداخلته بعبارة "المقاومة باقية باقية باقية ما دام هنالك شبر واحد من أرضنا محتلّ"، فردّ عليه النائب أشرف ريفي قائلًا "خذها على إيران، المقاومة دمّرت البلد" فأجابه عمّار: "خلّيك إنت بأميركا وإسرائيل، خلّيك تشبع من أميركا وإسرائيل" فردّ عليه ريفي "إنت مع إسرائيل، وإنتو خرّبتوا البلد" فيما كان ردّ عمّار "إنتو خرّبتوا البلد من يوم ما صافحتوا أميركا إسرائيل ورهنتم أنفسكم لإسرائيل".
وهكذا، بدل أن ينتهي النقاش بمعالجة الإشكالية التي أثارتها النائبة يعقوبيان، سادت أجواء التخوين المتبادل في ظل انحدار مستوى التخاطب بين النواب. ولا شكّ أن ملاحظة يعقوبيان كانت في محلها إذ الكلام في النظام يعني أن النائب لا يريد الحديث في مضمون الموضوع المثار لكن في آلية عمل مجلس النواب وكيفية إدارة الجلسة. لذلك استقر المبدأ على أن الكلام في النظام له الأولوية لأن من شأنه لفت نظر المجلس إلى ممارسة قد تكون مخالفة للدستور أو للنظام الداخلي ما يحتم تعليق النقاش ومعالجة تلك المخالفة: "إن طلبات الرجوع إلى النظام الداخلي (Rappel au règlement) تتمتع دائماً بحق الأولوية على الموضوع الأصلي، ويجب التوقف عن المناقشة فيه إلى أن يبت بالمسألة النظامية".
المشادة الكلاميّة الثانية كانت من عبر مقاطعة النائب إيهاب حمادة النائب زياد الحواط. ففيما كان الحواط يقول أنّ إسرائيل تتقدّم في الجنوب فيما "الآخرين" يتراجعون من تلة إلى تلّة، قال حمادة "والآخرين عم يتفرّجوا دولة الرئيس، من يقصد بالآخرين"، فجاوبه الحوّاط "حضرتكم"، فكان ردّ حمادة بأنّ "أنتم الآخرين فيما نحن أهل الأرض، ونحن حميناكم لتبقوا في أرضكم، وأنت الآخر في هذا البلد". كان ردّ الحوّاط أنّ الحزب سلّم الجنوب لإسرائيل وسمح لها باحتلاله، فجاوبه النائب حسين الحاج حسن أن "المشروع الأكبر الذي يدمّر البلد هو المشروع الأمريكي يلي إنتو مسلمينه البلد" فيما قال الحوّاط أنّ حرب الإسناد هي التي دمّرت البلد.
المشادّة الكلاميّة الثالثة كانت أثناء مداخلة النائب سامي الجميّل. ففيما كان الجميّل يقول أنّ حروب الإسناد كلّفت أربعة عشرة ألف قتيل، وقرى مدمّرة بأكملها، واحتلال إسرائيل، قاطعه النائب إيهاب حمادة قائلًا "حربه هو كلّفت 350،000 قتيل"، فما كان بالنائبة بولا يعقوبيان إلّا أنّ ردّت "كان بال pampers وقت الحرب" بالإشارة إلى أنّ النائب حمادة لا يمكنه تبرئة نفسه من الحرب الحالية من خلال تحميل الجميّل مسؤوليّة الحرب الأهلية أمّا الجميّل، فقال إنّه لا يريد الإنزلاق بكلامه إلى مستوى كلام الحزب، فرفض النائب علي المقداد كلام الجميّل عن "المستوى" قائلًا أنّ المستوى هذا يشرّف كلًّا منهم.
في اليوم الثاني من المناقشات، حصلت مشادّة كلاميّة رابعة كان بطلها النائب ابراهيم الموسوي الذي قاطع النائب أنطوان حبشي، ليكرر ما كان سبق وقاله في مداخلة من خارج أدوار الكلام في اليوم الأوّل، صوّب فيها على النوّاب الذين برأيه لا يتفوّهون بكلمة عن إسرائيل فيما يطلقون كلّ سهامهم على حزب الله. واعتبر الموسوي أنّ سرديّة كاذبة ومضلّلة باتت تبثّ من داخل مجلس النواب، مفادها أنّ الحزب هو المسؤول عن الحرب، وسأل لماذا لم يُسمح للجيش أن يتسلّح ويدافع في السابق عائدًا بالتاريخ إلى فترة الحرب الأهليّة واجتياح عام 1982، وذكّر ببلدة المنصوري الذي كان فيها الجيش وطرد منها في الحرب الحاليّة.
أمّا المشادّة الكلاميّة الخامسة والأقسى هي تلك التي حصلت حين قاطع النائب إيهاب حمادة زميله ميشال معوّض الذي كان يتناول في كلمته حزب الله وأداءه السياسي والعسكري. وقال النائب حماده أنّ من حقّ كتلته الردّ على كلّ ما يقال بحقّها، لكنّهم قرروا التحفظّ عن ذلك لكي لا يجيبوا على "السفهاء"، مستشهدًا في ذلك بقول الإمام الشافعي. أثار ذلك ردًّا صارمًا من النائب وضاح الصادق قال فيه "نعلم على من ينطبق كلام الإمام الشافعي"، ومعتبرًا أنّ هذا الكلام غير مقبول. أما النائب حمادة فردّ قائلًا "شوف شو قال الإسرائيلي عن علي الطاهر"، فجاوبه الصادق "روح شوف مين فوّت الإسرائيلي على البلد"، فردّ حماده "روح انقلع". في هذه الأثناء، تدخّل النائب زيّاد الحوّاط متوجّهًا إلى الرئيس بري وقائلًا له "خلصنا بقى بهورة".
وقد بلغ الخطاب التخويني والتحريضي ذروته حين تدخّل أحد نواب الحزب قائلًا "في بعض الزملاء بيعتبروا إسرائيل مش عدوّ" فيما كان يصرخ الحوّاط "كذّابين"، فأكمل النائب حماده مخاطبًا من كان يتجادل معهم متوجّهًا إليهم بعبارة "يا جماعة اسرائيل"، فصرخ الحوّاط "ما حدا جماعة اسرائيل، انتو فوتّوا اسرائيل على البلد"، فردّ عليه حماده "منّكن شايفين، خنتو البلد، عم تتآمرو على لبنان"، فقال الصادق "انتوا فوتّو الإسرائيلي على البلد". وفي نهاية السجال، طالب النائب أديب عبد المسيح "بشطب موضوع إسرائيل من المحضر لما يمكن أن يعرّض…" فيما لم تفهم نهاية الجملة بسبب قطع الميكروفونات من قبل التقنيين في المجلس.
قطع الميكروفونات كوسيلة لقمع النواب
في ظلّ السجالات التي دارت بين النائبة بولا يعقوبيان والنائب علي عمّار والتي تدخّل فيها عدد آخر من النوّاب، أشارت النائبة بولا يعقوبيان إلى ممارسة خطيرة من شأنها المس بحق النائب الدستوري بالتعبير عن رأيه بحرية إذ اعترضت على ما أسمته "تسكير الميكروفونات" عن بعض النواب أثناء السجال وفتحها لآخرين وقد شاطرها أحد النواب هذا الاعتراض. وقد عادت وكررت يعقوبيان شكواها عمّا حصل أثناء كلامها في النظام، مستنكرة إقفال الميكروفون عليها في أثناء توجيه أحد النواب الكلام إليها وجوابها عليه. وقد تكرر ذلك في اليوم الثاني من الجلسة عدّة مرّات، فطالب النائب وضاح الصادق عدم قطع الميكروفونات كما طالب النائب سليم عون بذلك أيضًا. ومن المعلوم أنّ هندسة الصوت في المجلس هي بعهدة فريق تقني يجلس في غرفة زجاجيّة موجودة على الشرفة التي تعلو قاعة المجلس، يتحكم من خلالها بهندسة الصوت وبكاميرات المجلس.
ولا شك أن انفراد الفريق التقني باتخاذ هكذا قرار يشكل مسًّا بسيادة المجلس على نفسه ويؤدي إلى مصادرة قرار مجلس النواب ومنحه لموظفين يخضعون للمرجعية السياسية التي تتبع لها الأمانة العامة للمجلس. فمنع النائب من الكلام هو قرار سياسي بامتياز لا يمكن اتخاذه إلا وفقا لأحكام واضحة ينص عليها النظام الداخلي وبشكل علني، وخلاف ذلك يفقد العمل البرلماني طبيعته الديمقراطية ويجرده من غايته ألا وهي احترام التعددية وضمان مشاركة جميع الكتل النيابية في التعبير عن رأيها.
السلاح غير الشرعي والحرب والاحتلال : أبرز مساحات التشنج والتخوين
شكّلت مواضيع حصريّة السلاح والحرب الدائرة بين حزب الله واسرائيل واحتلالها لجزء كبير من الجنوب المادّة الأساسيّة في كلام النواب، ولا شكّ في أنّ الجلسات التشريعيّة التي سبقت جلسة المناقشة هذه كانت تشهد مطالبات متكررة من النوّاب بطرح موضوع الحرب على بساط البحث والإفساح في المجال أمام النقاش السياسي حوله.
في هذا الإطار، كانت مسألة حصريّة السلاح بيد الدولة محطّ انقسام حادّ بين النواب. ففيما اتفقت الكتل الموالية للحكومة مع كتلة التيار الوطني الحرّ وبعض النواب المستقلّين على مساندة مبدأ حصر السلاح، إلّا أنّ الانتقادات من الأحزاب والنواب الموالين أتت بغالبيّتها لتركّز على تقاعس الحكومة في تنفيذ قراراتها بهذا الشأن، وعدم وضعها الإمكانات الكافية لتحقيقه وعدم إعطاء أوامر واضحة للجيش بالتنفيذ. غير أنّ النائب جبران باسيل وبالرغم من مساندته حصر السلاح، فقد حذّر من الطريقة الفتنويّة والإقصائيّة التي تنتهجها الحكومة في هذا الموضوع بدلًا من جعله مشروع تعاون بين اللبنانيين، وسأل الحكومة عن استراتيجية أمن وطني لحصر السلاح التي لم تحضّر مسودة واحدة ولم تعقد اجتماعًا واحدًا بشأنها. واعتبر باسيل أنّ الحكومة كلّفت اسرائيل للقيام بهذه المهمّة. أمّا في الجهة المقابلة، فقد عبّر حزب الله عن موقف رافض لتسليم السلاح بل تمسّك بلسان نائبه علي عمّار بالمقاومة وقال أنها "باقية"، فيما استهلّ عدد من نواب الحزب مداخلاتهم بالإشادة بمقاتلي علي الطاهر وبسالتهم و"قتالهم الكربلائي".
وفي ظلّ بروز المواقف المتناقضة، شكّلت مسألة الحرب والاحتلال ومن استجرّهما مساحة للتخوين وإطلاق الاتهامات. في هذا الإطار طلب النائب باسيل من حزب الله سؤال نفسه : "كيف نوقف المزيد من القتل والدمار، وهل تلال علي الطاهر لم تكن كافية لإعطاء الجواب، مع وجوب تسليمها للجيش اللبناني بدلًا من أن تكون الدولة اللبنانية اليوم تستعطي تسلمها؟". أمّا باقي المداخلات من القوات والكتائب ووضاح الصادق وأحمد الخير وميشال معوّض وغيرهم من النواب كانت أكثر حدّة، إذ تمحورت حول مسؤوليّة حزب الله في حروب الإسناد، واستجراره الاحتلال الإسرائيلي بينما كانت الأرض محررة من قبل، وجدوى مساندته غزة أو انتقامه لخامنئي وإلقائه ستة صواريخ أدّت إلى نزوح جماعي لسكان الجنوب. وإذ تمّ اتهام حزب الله بمساندة إيران على حساب لبنان وأخذ الأوامر منها، واجه نواب الحزب معارضيهم بالتخوين وباتهامات العمالة لإسرائيل والولايات المتحدة، وصولًا إلى نعتهم بالسفهاء. وكان اعتراض شديد من نواب حزب الله على تحميلهم مسؤوليّة الحرب، في حين يتناسى النواب على حدّ قولهم نوايا اسرائيل وما قامت به منذ العام 1982 وحتى منذ العام 1947 كما ذكّر النائب حسين الحاج حسن، فيما اعتبر النائب حسن عزّ الدين أنّ "إسرائيل أساس البلاء في البلد".
عطش دستوري سياسي لمناقشة اتفاقية الإطار
شغلت مسألة المفاوضات واتفاق الإطار مساحة كبيرة من النقاش، بيّنت عن قبول أكثريّة النواب بمبدأ المفاوضات لا سيما المباشرة، فيما رفض حزب الله ذلك بالكامل. إلّا أنّ وضعيّة لبنان في هذه المفاوضات وما نتج عنها عليه كان موضع انقسام كبير. فغياب مجلس النواب عن مسار المفاوضات مع إسرائيل منذ حرب 2024 وحتى اليوم انعكس في توق النواب إلى معالجة هذه النقطة من الناحيتين الدستورية والسياسية على الرغم من العجلة التي طبعت مداخلاتهم، كون الوقت المتاح لهم كان يدفعهم إلى حشد أكبر قدر من المواضيع بغية الحديث عنها بسرعة لا تسمح بالحقيقة بإيفاء أي موضوع حقه.
وفيما أقرّ رئيس الحكومة نواف سلام بموقف لبنان الضعيف في هذه المفاوضات، اعتبر حزب الله أنّ ذلك هو نتيجة تخلّي الحكومة عن المقاومة التي تشكّل نقطة القوّة للبنان، غير أنّ نواب القوّات في المقابل اعتبروا أنّ رفض حزب الله تسليم سلاحه وأنفاقه ووضع نفسه بأمرة الجيش هو الذي يضع الدولة بموقع الضعف على طاولة المفاوضات.
وعبّر عدد من النواب عن عدم رضاهم عن التفاوض ونتائجه، لا سيّما الحزب الاشتراكي الذي رفض اتفاق الإطار وتمسّك باتفاق الهدنة، والتيار الوطني الحرّ الذي ندّد باتفاق الإطار الذي يتخلّى عن القرار 1701. وقد برزت مطالبات عدّة لمناقشة هذا الاتفاق داخل المجلس النيابي عملًا بالدستور، عبّر عنها النواب ابراهيم منيمنة وجبران باسيل وجميل السيّد وأسامة سعد. وكانت النائبة حليمة القعقور من أشدّ المطالبين بمناقشته واصفة إيّاه بالغير الملزم للحكومة. وكان للقعقور مطالعة طويلة حاولت من خلالها أن تبرهن مخالفة اتفاق الإطار للقانون الدولي، معتبرة أنّ لبنان قد تخلّى عن حقوقه في التعويض من إسرائيل ومقاضاتها على جرائمها عبر هذا الاتفاق. أمّا النائب ملحم خلف فأشار إلى أنّ الاتّفاق غير ملزم ويدخل في خانة الاتفاقيات غير التعاهدية (acte concerté non-conventionnel)، لكنه أضاف أنه على الرغم من عدم حاجته إلى الإبرام لكن عرضه على مجلس النواب لمناقشته هو ضروري. واعتبر أنّه يجب قراءة البند 13 منه على أساس مبدأ حسن النيّة، لكنّه أكمل سائلًا "أين حسن النيّة حين لا تتوقف الأعمال العدائيّة وتفجّر آبار المياه داخل القرى ويستمرّ حرق المنازل وتدميرها بآلات ومعدّات معدّة للعمل المدني، وحينما تجرف المنازل والمقابر والطرقات، ألا يعتبر هذا جريمة ضد الإنسانيّة؟".
في المقابل اعتبر الرئيس سلام في مداخلته الأولى في افتتاح الجلسة كما في مداخلته الختاميّة، أن اتفاق الإطار هو اتفاق سياسي وليس اتفاقيّة منجزة ليتم عرضها على مجلس الوزراء بهدف إبرامها، وأكّد أنّ هذا الاتفاق لا ينتقص من حقوق لبنان ولا يتخلّى عن القرارات الدوليّة، لا بل يتضمن إقرارًا بضرورة الانسحاب الإسرائيلي وبسط سيادة الدولة اللبنانيّة دون سواها على أراضيها.
وقد تفرّد النائب ملحم خلف في موضوع القوات الدوليّة في الجنوب بمطالعة طويلة اعتبر فيها أنّه "لا يجوز إسقاط المظلّة الدوليّة الأمميّة في الجنوب"، مذكّرًا بما عبّر عنه 86 نائبًا لجهة التمسّك بهذه المظلّة، كما شدد على ما حققته اليونيفيل في تحديد الخط الأزرق وتفكيك الأسلحة المتخلّفة من الحروب وربط قرى دبل وعين ابل ورميش المحاصرة بالداخل اللبناني كما كشف بناء إسرائيل لجدار إسمنتي متخطّية الخط الأزرق بستة أمتار. وطالب خلف بإبقاء اليونيفيل أو بإيجاد بديل دولي عنها بأي صيغة.
المزايدات الطائفيّة للدفاع عن العفو العامّ والصلاحيات
لم يوفّر بعض النوّاب في مداخلاتهم وسائل التحريض الطائفي المعتادة لإحراز مكاسب سياسيّة مستفيدين من البثّ المباشر لوقائع الجلسة لهذا الغرض. وقد افتتح النائب جبران باسيل رواية المظلوميّة الطائفية عبر قصّة الوجود المسيحي في الدولة وهو من المواضيع الأكثر حساسيّة لدى التيار الوطني الحرّ. سأل باسيل الحكومة عمّا فعلت بالشراكة بين المكوّنات اللبنانيّة، معتبرًا أنّها شُكّلت على أساس حكومة تكنوقراط كي يتبين لاحقًا أن الأحزاب موجودة فيها. واتهمها أنّها انتقصت من مشاركة الأحزاب المسيحية، فأحد الوزراء يقول إننا "فئة ب" (في إشارة إلى تصريح سابق لوزير الصناعة جو عيسى الخوري)، وحوّلت وزيرًا مسيحيًّا آخر لمدير إداري و"ربحتموه جميلة" بأخذه الى الأمم المتحدة وهو شريك بوضع السياسة الخارجية لا منفذاً إدارياً بغض النظر إن كان مقصرًا (عانيًا بذلك وزير الخارجيّة يوسف رجّي الذي لم يشارك في المفاوضات اللبنانيّة الإسرائيليّة). وختم قائلًا أنّ السوريين وبعض اللبنانيين كانوا في التسعينات مسؤولين عن تهميش المسيحيين ولكن اليوم بعض المسيحيين في السلطة هم وراء هذا التهميش بسبب قبولهم بالواقع.
ولا شك أن الطبيعة الطائفية لمداخلة النائب باسيل وتركيزه على تهميش وزير الخارجية لا يمكن فهمها إلّا من باب محاولة جني مكاسب شعبوية والتصويب على خصمه الأوّل في الساحة المسيحيّة، أي حزب القوّات اللبنانيّة الذي ينتمي إليه الوزير رجّي.
في موضوع آخر، حملت مداخلة النائب أحمد الخير تصويبًا على التيار الوطني الحرّ على خلفيّة طعنه بقانون العفو العام. وإذ اعتبر الخير أنّ قانون العفو كان لنصرة الإسلاميين المظلومين، رأى في الطعن هذا "طعنة جديدة بحقّ الشراكة الوطنيّة"، وتوجّه إلى التيّار قائلًا "الرسالة وصلت، بس الدني دولاب، وكلّ شي بوقته بإذن الله وبالنهاية ما رح يصح إلّا الصحيح"، فاعتبر النائب شربل مارون ذلك تهديدًا، كذلك النائب سيزار أبي خليل الذي أعلن عن إحالة الأمر إلى النيابة العامة.
وتكرر الأمر أيضا في مداخلة مداخلة النائب جهاد الصمد الذي دأب على تصوير نفسه كالمدافع عن صلاحيات رئيس الحكومة. فقد أعلن الصمد أنّ أقصى طموحاته من الحكومة ليس تطبيق اتفاق الطائف كاملًا بل هو "الحرص على التطبيق السليم لاتفاق الطائف". واستحلف الصمد رئيس الحكومة بالله سائلًا إيّاه: "ألا تشهد كما نشهد محاولات دؤوبة لتقويض وثيقة الوفاق الوطني والتراجع عن الإصلاحات الدستوريّة التي كرّسها اتفاق الطائف بهدف العودة إلى زمن ما قبل الطائف؟"، وسأله "ألا تشهد كما نشهد أنّ السرايا الحكومي لم تعد كما كانت من قبل وتحوّلت من مركز قرار إلى مركز يشبه مركز اللجان الوزاريّة"، وأضاف "ألا تشهد كما نشهد أنّ كلّ التعيينات والقرارات تتخذ في اجتماعات مجلس الوزراء المنعقد في بعبدا؟"، وفي الختام سأله "ألا ترى كما نرى أنّك مؤتمن على الحفاظ على صلاحيات رئيس مجلس الوزراء ومجلس الوزراء مجتمعًا؟". وفي كلام الصمد محاولة لإظهار رئيس الحكومة نواف سلام في مظهر الضعيف والعاجز عن حماية مكتسبات الطائفة السنيّة الناتجة عن اتّفاق الطائف، في مواجهة دور متعاظم لرئيس الجمهوريّة المسيحي ما يعيد التذكير بالصورة النمطية التي كان يتم تسويقها قبل الحرب الأهلية عن رئيس الحكومة كمجرد تابع لرئيس الجمهورية.
في الخلاصة، نالت حكومة الرئيس سلام ثقة المجلس للمرة الثالثة من قبل 68 نائبًا أبرزهم نواب القوات والكتائب والاشتراكي وأمل وعدد من النواب السنّة، فيما حجبت كتلة التيار الوطني الحرّ الثقة عن الحكومة وامتنع جهاد الصمد وحليمة القعقور. حصل ذلك في ظلّ احراج واضح لنواب حزب الله الذين خرجوا من المجلس لتفادي المشاركة في التصويت بالتوازي مع إعلان النائب حسين الحاج حسن عن عدم نيّة خروج حزبه من الحكومة وعدم إعطائها الثقة في نفس الوقت. ولا شكّ أن هذا التناقض بلغ ذروته مع النائب عن حركة أمل قبلان قبلان الذي أعلن خلال التصويت منحه ثقة للحكومة لكن "مع الأسف" وهو ما يخالف المادة 85 من النظام الداخلي التي تحصر الإجابة في الخيارات التالية: "ثقة، لا ثقة، ممتنع" .
وهكذا أصبح جليا أن الجلسة لم تهدف إلى مساءلة الحكومة عن أدائها بقدر ما تحولت إلى تصفية حسابات بين الكتل النيابية مع تركيز على محاسبة عهد ميشال عون، والتخوين المتبادل بسبب الانقسام على سلاح حزب الله ودوره في الحرب الأخيرة. وما فاقم من هذا الأمر هو اختصار الكلمات إلى خمس دقائق أو أكثر بقليل لكلّ خطيب في جلسة المناقشة، الأمر الذي لم يفسح المجال لمساءلة فعليّة للحكومة تدخل في تفاصيل الأمور، بل كانت أغلب الكلمات تتناول المواضيع بشكل سريع أو سطحي مع الإعطاء الأولوية لتسجيل المواقف ومهاجمة الخصوم حتى انحدر مستوى التخاطب إلى تبادل الشتائم والتجريح الشخصي من دون أن يكترث أحد فعليا بتداعيات ذلك على تماسك المجتمع اللبناني واستمرار الأزمة الاقتصادية من دون أي حلول جدية. فهل سيشكل وعد الرئيس نبيه برّي بعقد جلسة مخصصة للاستجوابات في الشهر المقبل فرصة حقيقية لمساءلة أكثر جديّة للحكومة أو أن الحياة البرلمانية في لبنان ستظل برمتها رهينة الانقسام السياسي الذي يؤدي إلى تعطيل أي نقاش جدي حول مصير المجتمع اللبناني؟