بانتظار إسقاط حصانة بوشكيان النيابية: شبهات بتحوّل وزارة الصناعة إلى وكرٍ للتهويل والابتزاز

فادي إبراهيم , نزار صاغية

11/07/2025

انشر المقال

عقدت هيئة مكتب المجلس النيابي اليوم في 11/7/2025 اجتماعا مشتركا مع لجنة الإدارة والعدل، وذلك لبحث الطلب المقدّم من النائب العام التمييزي جمال الحجار بواسطة وزير العدل عادل نصّار لرفع الحصانة النيابية عن وزير الصناعة السابق والنائب الحالي جورج بوشكيان. وقد شكل الاجتماع المذكور الأول من نوعه بعد الاجتماع الحاصل في 9 تموز 2021 بناء على طلب المحقق العدلي في قضية تفجير مرفأ بيروت القاضي طارق بيطار برفع الحصانة عن النواب غازي زعيتر ونهاد المشنوق وعلي حسن خليل. وقد انتهى الاجتماع إلى تشكيل لجنة مصغرة لإعداد تقرير خلال مهلة اسبوعيْن. 

هذه القضية تستدعي الملاحظات الآتية:  

أولا، طلب برفع الحصانة النيابية مع التسليم بانتفاء "الحصانة الوزارية" في القضية الحاضرة  

يأتي طلب رفع الحصانة على خلفية أن بوشكيان نائب وذلك عملا بالمادة 40 من الدستور التي تنص أنه "لا تجوز خلال دورات انعقاد المجلس ملاحقة النائب جزائياً أو اتّخاذ إجراءات جزائية بحقه أو إلقاء القبض عليه أو توقيفه إلا بإذن المجلس"، علما أن المجلس منعقد حاليا بدورة استثنائية. ووفق الآلية المعتمدة في النظام الداخلي للمجلس النيابي (المواد 89 وما يليها منه)، يقتضي على النيابة العامة أن ترسل عبر وزير العدل مذكرة تحدّد فيها نوع الجرم وزمان ومكان ارتكابه وعلى خلاصة عن الأدلة. فإذا تم ذلك، تجتمع هيئة مشتركة مكوّنة من مكتب المجلس ولجنة الإدارة والعدل لتدرس الطلب ومدى انطباقه على الشروط الواردة في النظام ويتعيّن عليها أن تصدر تقريرا خلال مهلة أقصاها أسبوعيْن. ويهدف التحقيق وفق المادة 98 من النظام الداخلي إلى التحقق ليس فقط من جدية الملاحقة، بل أيضا من أن الطلب بعيد عن الغايات الحزبية والسياسية ولا يستهدف حرمان النائب من ممارسة عمله النيابي. بمعنى أن حصانة النائب هنا (وهي مرتبطة بانعقاد المجلس) تجد تبريرها فقط في الحؤول دون استهداف العمل التشريعي بملاحقات تعسفية. 

وبعد إنهاء التقرير، يتمّ عرضه على جلسة للهيئة العامة للمجلس النيابي على أن تتّخذ الأخيرة قرارها برفع الحصانة من عدمه بالأكثرية النسبية. 

بالمقابل، يسجل أنّ الطلب لم يتطرق إطلاقا إلى إجراءات المحاكمة المنصوص عليها في المادة 70 من الدستور بخصوص ملاحقة الوزراء. ويأتي هذا الأمر بعدما اعتمدت النيابة العامة التمييزية السير في اجتهاد الهيئة العامة لمحكمة التمييز والذي يقوم على التفريق بين الارتكابات المتصلة بالعمل الوزاري وما يرتبه من مهام ومسؤوليات وبين الارتكابات التي تشكل استغلالا للنفوذ الذي تتيحه الوزارة وتحويرا جليا في مهامها لعدم احتمال دخول هذه الارتكابات مثل الرشاوى أو التهويل في صلب العمل الوزاري. إذ وحدها الارتكابات الأولى تستفيد من الحماية الدستورية والإجراءات الخاصة المتصلة بها وتُحاكم بالنتيجة أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الوزراء والرؤساء، فيما تخضع الفئة الثانية من الارتكابات لإجراءات القاضي العادي.  

ويسجل هنا أن الهيئة المشتركة كانت تعمّدت عند النظر في 2021 في طلب رفع الحصانات في قضية المرفأ تعريف النواب المطلوب رفع الحصانة على أنهم "وزراء سابقون" ضمن محضرها. كما تحفظت صراحة على ما أسمته "حقوقنا الدستورية والقانونية". وقد بدتْ الهيئة المشتركة آنذاك وكأنها تعلن عن امتلاكها أرنبا آخر بإمكانها استخراجه إذا اضطرت وعند الاقتضاء في مواجهة طلبات بيطار، وهذا ما عبرت عنه لاحقا مواقف نيابية عدة. إلا أنّ مضي الهيئة المشتركة في قضية بوشكيان إلى إنشاء لجنة مصغرة لإجراء تحقيق خلال مدة الأسبوعين إنما يؤشر على الأرجح إلى قبولها السير باجتهاد النيابة العامة في هذا الخصوص وتنازلها عن إثارة المادة 70 ومعها عن صلاحية المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء وهو اجتهاد برز في قرارات النيابة العامة التمييزية في إطار ملاحقة وزير الاقتصاد السابق أمين سلام. وهذا ما نأمله حرصا على وصول عملية المحاسبة إلى منتهاها.   

ثانيا، خطورة الشبهات التي استندت إليها الملاحقة

استند طلب رفع الحصانة وفق ما جاء في طلب النيابة العامة الذي اطّلعت عليه "المفكرة القانونية"، في الأساس إلى أنّ النيابة العامة تنوي ملاحقة الوزير السابق للادّعاء عليه بجريمتيْ تقاضي الرشوة لإنجاز معاملات غير قانونيّة والتهويل على المتعاملين مع الوزارة للحصول على رشاوى مرتفعة جدا، فضلا عن منح التراخيص من دون مراعاة الإجراءات القانونية (المادة 351 وما يليها من قانون العقوبات، والمادة 649 من قانون العقوبات وما يتفرّع عنها). ومن أهم ما ورد في الطلب إفادات لأصحاب العلاقة ورد فيها أنّ "إنجاز معاملات في وزارة الصناعة استوجب دفع أموال للمدعو ليون كروميان، الذي كان يتواجد في الوزارة في فترة تولّيها من قبل النائب بوشكيان، في الطابق الكائن فيه مكتب الوزير، بصفة معلنة هي "مدير مكتب الوزير"". إلى ذلك، أفاد الطلب عن "وجود شبهة أنّ تقاضي الأموال والتهويل الحاصل من قبل المدعو كروميان كان يتمّ لصالح وزير الصناعة السابق النائب بوشكيان، خصوصًا أنّ المعاملات العائدة للعديد من أصحاب العلاقة كان يتم إنجازها وتحظى بتوقيعه بشكل سريع ومخالف للإجراءات ورغم عدم استيفائها للشروط القانونية، وذلك بعد وقت قصير من دفع الأموال التي كان يطلبها كروميان". كما أرفقت النيابة العامة بطلبها ملخصا عن 38 إفادة من التحقيق تُفيد بدفع مبالغ هائلة من قبل صناعيين ذكرت أسماؤهم صراحةً لمدير مكتب بوشكيان لقاء إنجاز معاملات. 

والواقع أن مجرد قراءة الطلب إنما يعكس في حال ثبوت الشبهات التي تضمنتها صورة مرعبة عما كانت عليه وزارة الصناعة في عهد بوشكيان، بحيث تكاد تشبه وكرا للتهويل والابتزاز وتكوين ثروات شخصية، من دون أي مراعاة للأصول القانونية أو للصالح العام. 

وما يزيد من رعب المشهدية أنه يأتي بعد أسابيع من ملاحقة وزير الاقتصاد السابق أمين سلام، والذي تقرر توقيفه على أساس شبهات تلقي رشاوى وممارسة التهويل على شركات التأمين.

وإذ لا يمكن إلا الترحيب اليوم بانحسار الحصانة ونظام الإفلات من العقاب، فإنه لا يمكن إلا التوقف أمام رهبة الرعب الذي كانت عليه حال تلك الوزارتين وربما عشرات الوزارات الأخرى في ظلّ سواد هذا النظام.

ثالثًا، ملخص أدلة أم إفشاء لسريّة التحقيقات؟ 

من دون التقليل من أهمية طلب رفع الحصانة، يسجّل أنّ النيابة العامة التمييزية أرفقت في طلب رفع الحصانة معلوماتٍ مفصلة عن مجرى التحقيقات، شملت كما تقدم 38 إفادة من التحقيق تُفيد بدفع مبالغ هائلة من قبل صناعيين لمدير مكتب بوشكيان لقاء إنجاز معاملات علما أن الطلب فصل أسماء هؤلاء واحدا واحدا وملخص عن إفاداتهم. كما أرفقت النيابة العامة التمييزية بالطلب كامل إفادة بوشكيان وملخّصا عن التحقيقات لدى فرع المعلومات. وقد عاد وزير العدل وأرسل كتاب النائب العام التمييزي كما هو.

ويبدو أن إرسال هذه التفاصيل يتجاوز ما تفرضه المادة 91 من النظام الداخلي لمجلس النواب وهو "خلاصة عن الأدلة" في سياق طلب رفع الحصانة عن أحد النواب. ويبدو أن النيابة العامة التمييزية توسعت في تفصيل الأدلة توجسًا من أيّ اعتراض من الهيئة المشتركة على غرار ما كانت فعلته في قضية المرفأ في 2021 حين رفضت النظر في الطلب بحجة أن المحقق العدلي لم يبرز "جميع المستندات والأوراق التي من شأنِها إثبات الشّبهات المتعلّقة بكلّ متّهم". 

ويخشى أن تكون النيابة العامة التمييزية من خلال ذلك قد ذهبت إلى حد الإفشاء بسرية التحقيق، ولا سيما أن عددًا من الصناعيين قد يواجهون اتهامات من خلال اعترافهم بتسديد رشى للحصول ربما على امتيازات غير قانونية. وكان يتعين على النائب العام التمييزي ووزير العدل أن يكونا أكثر حرصًا في هذا الخصوص، احترامًا لقرينة البراءة وصونًا لسلامة التحقيق أيضا.      

رابعًا، أسئلة حول مسؤوليات الهيئات القضائية والرقابية على ضوء خطورة الشبهات 

بقي أن نسجل الأسئلة التي تطرحها خطورة هذه الشبهات على الهيئات القضائية والرقابية التي كانت تلقّت  تنبيهات وشكاوى من قبل بشأن خطورة ما يحصل من دون أن تتخذ الإجراءات اللازمة.  

ومن المهمّ بشكل خاصّ هنا أن نذكّر بالمراجعات والشكاوى التي قدّمها المدير العام السابق لوزارة الصناعة داني جدعون بشأن المخالفات والتجاوزات الحاصلة داخل الوزارة. ومن أهمّ ما فعله في هذا الصدد هو أنه سجّل رقمًا قياسيًّا في مراجعات الإبطال لتجاوز حدّ السلطة التي قدمها إلى مجلس شورى الدولة في العام 2023، وقد بلغ عددها 38 مراجعة وهدفت في معظمها لإبطال تراخيص صادرة عن وزارة الصناعة مخالفة للأصول الإجرائية وأهمها عدم عرض المعاملة للتدقيق من قبل المديرية العامة أو القيام بالكشوفات اللازمة قبل بت طلبات الترخيص. ويلحظ أن مجلس شورى الدولة كان عمد إلى ردّ جميع هذه المراجعات بحجة انتفاء صفة المدير العام في طلب إبطال التراخيص الصادرة عن الوزارة خلافا للأصول، رغم أنه كان أصدر في مستهل هذه القضايا قرارات بوقف تنفيذ جميع هذه التراخيص. كما يلحظ أن كل قرارات شورى الدولة برد المراجعات لانتفاء الصفة إنما صدرت بناء على طلب هيئة القضايا أي ممثلة الدولة في الدعاوى، والتي بدت في معرض تمثيلها للدولة أكثر حرصا على تحصين قرارات مخالفة بداهة للقانون من حرصها على الدفاع عن الصالح العام. ويؤمل أن تفتح القضية من هذه الزاوية جدلا كبيرا داخل مجلس شورى الدولة وهيئة القضايا بشأن كيفية أداء عملهما: فما حصّناه استنادا إلى حجج شكلية لم يكن في حقيقته إلا وكرا للابتزاز والتهويل. 

في السياق نفسه، يجدر لفت النظر إلى شبهات لا تقل خطورة عما شمله طلب النيابة العامة، وهي الشبهات المتصلة في قرارات الوزير بوشكيان رفع أسعار الإسمنت أكثر من مرّة وبنسبٍ مرتفعة وذلك من دون أيّ دراسة بشأن كلفتها أو مبرّر يتصل بزيادة هذه الكلفة. وقد أدّت قراراته تلك الحاصلة حكما بالتنسيق مع شركات الإسمنت إلى التسبب بأضرار كبيرة في سوق العمران فضلًا عن الضرر الذي تكبّدته الخزينة العامة من جراء ارتفاع كلفة مجمل مشاريعها التي تستدعي شراء مواد إسمنت. وهذا ما كان محلّ مراجعات عدة أمام ديوان المحاسبة من قبل المدير العام نفسه ومجموعات بيئية على خلفية هدر المال العام، من دون أن يعرف مآلها.  

كما يسجل أنه كان أصلا لبوشكيان دور محوريّ في دفع حكومة ميقاتي إلى اتخاذ قرارين في أيار وكانون الأول 2024 بمنح شركات الإسمنت تراخيص غير قانونية باستثمار مقالع وكسارات (وقد تمّ وقف تنفيذ القرار الأول من مجلس شورى الدولة فيما استردّت الحكومة الحالية القرار الثاني). كما وقّع بوشكيان بمعيّة وزير البيئة ناصر ياسين في تاريخ 1 تموز 2024 قرارًا يسمح لشركات الإسمنت باستثمار مقالع غير قانونية تحت غطاء إعادة تأهيلها، وهو حاليا موضع طعن أمام مجلس شورى الدولة. كما وثقت المفكرة تقديمه خارج أي صلاحية مقترحا بتعديل مرسوم تنظيم الكسارات والمقالع رقم 8803/2002 على نحو يؤدي عمليا إلى إطلاق أيادي شركات الإسمنت في تفجير جبال لبنان.        

خامسًا: عمل بوشكيان النيابي ينفي احتمال استهدافه 

كما سبق بيانه، يرمي تحقيق الهيئة المشتركة فضلا عن التثبت من جدية الملاحقة، إلى التأكد من أن الطلب بعيد عن الغايات الحزبية والسياسية ولا يستهدف حرمان النائب من ممارسة عمله النيابي، بحسب المادة 98 من النظام الداخلي للمجلس النيابي. 

وبالعودة إلى سجل بوشكيان البرلماني، يتبيّن أنّه لم يقدّم سوى اقتراح واحد في العام 2023 يتعلّق بفرض رسوم على تصدير بعض المواد، مقابل 9 اقتراحات مشتركة أخرى مع عدد من النواب ما يعني أنّ اتّخاذ أيّ إجراء بحقّه لن يوقف المسار التشريعي لهذه الاقتراحات. كما أنّ بوشكيان لا ينتمي إلى أيّ لجنة نيابية بحكم أنّه كان وزيرا، ويتبيّن أنّه لم يدلِ سوى بمداخلة تشريعية واحدة في جميع الجلسات التشريعية التي حضرها. وتنفي هذه المعطيات بالواقع أي احتمال بوجود إرادة باستهداف عمله النيابي أو إعاقته.