"المرصد" ينشر تقرير الإدارة والعدل حول إصلاح القضاء العسكري: إجماع على حصر الاختصاص وانقسام حول جرائم الإرهاب والعمالة

المرصد البرلماني

03/12/2025

انشر المقال

بتاريخ 9/9/2025، أنهت لجنة الإدارة والعدل تقريرها حول اقتراح تعديل قانون القضاء العسكري، وذلك بعد أن عقدت عدّة جلسات لمناقشة الاقتراح الذي أعدتّه اللجنة الفرعية المنبثقة عنها في 19/12/2023. وقد خلص التقرير إلى رفع هذا الاقتراح إلى الهيئة العامّة لمجلس النوّاب من دون إدخال تعديلات إليه بعد أن فشلت اللجنة في التوصّل إلى "صيغة يجتمع عليها" أعضاؤها. إذ اكتفى التقرير بعرض المبادئ التي توافق عليها الأعضاء كما المسائل التي انقسموا حولها لجهة اختصاص القضاء العسكري وهيكليته. وعليه، ذهبت اللجنة في اتجاه نقل النقاش إلى الهيئة العامة، وتاليًا إلى إرجاء البتّ في مسائل جوهريّة المتصلة  بإصلاح القضاء العسكري. 

وكانت "المفكّرة" قد نشرت سابقًا تعليقها على اقتراح اللجنة الفرعية (القسم الأوّل حول اختصاص القضاء العسكري، والقسم الثاني حول الهيكلية ومبادئ المحاكمة العادلة)، كما قدمّت ملاحظاتها الخطية إلى لجنة الإدارة والعدل. ويذكر أنّها المرّة الأولى التي يقوم فيها مجلس النوّاب بمراجعة شاملة لقانون القضاء العسكري منذ صدوره في العام 1968، وهي الورشة التشريعية الثالثة المتعلّقة بإصلاح المؤسسات القضائية إلى جانب ورشتيْ إصلاح القضاء العدلي (بانتظار إقراره بعد ردّه من قبل رئيس الجمهورية) والقضاء الإداري (لا يزال قيد النظر في اللجنة الفرعية).

وفي التفاصيل، تناول تقرير اللجنة المسائل التالية:

1-تعديل اختصاص القضاء العسكري: انقسام حول جرائم الإرهاب والعمالة

ذهب اقتراح اللجنة الفرعية في اتجاه إلغاء صلاحيّة القضاء العسكري في محاكمة المدنيين بشكل تامّ وصريح (المادة 21 منه)، إلا أنّه في المقابل عمد إلى توسيعها لتشمل جرائم موظفي “الضابطة الجمركية” التي لها علاقة بالوظيفة، كما أنّه أبقى على صلاحية النظر في الجرائم التي ترتكب بحقّ المدنيين والتي تشكّل انتهاكاً جسيماً لحقوق الإنسان كالقتل والتعذيب والإخفاء القسري.

لم يذكر تقرير اللجنة مبدأ منع محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري. وإذ نستشفّ منه وجود إجماع سياسيّ على تقليص صلاحيات القضاء العسكري بشكل واسع بخاصة لجهة الجرائم المرتكبة من مدنيين أو الجرائم المرتكبة ضد عسكريين أو أمنيين من دون أن يكون لها أي علاقة بوظائفهم، إلا أنه أشار إلى انقسام أعضاء اللجنة بشأن مدى ملاءمة الحفاظ على اختصاصه في النظر في الجرائم المتعلقة بالإرهاب والعمالة من قبل غير العسكريين. ففيما أشار التقرير إلى أن الرأي الأوّل ذهب إلى قبول هذا الاختصاص "بصرف النظر عمّن ارتكب هذه الجرائم، وذلك نظراً إلى خطورتها"، ذهب رأي آخر إلى حصره في حال ارتكبت هذه الجرائم من قبل العسكريين ومن في حكمهم فقط. أما إذا اشترك بارتكاب هذه الجرائم مدنيين وعسكريين، فقد انقسمت أيضًا آراء النوّاب حول مدى إيلاء الاختصاص إلى القضاء العسكري أو القضاء العدلي.

وبغض النظر عن الرأي الذي قد تعتمده الهيئة العامّة لاحقًا، يبقى أنّ الاتجاهين يؤديان إلى إلغاء المحاكمات العسكرية بحق المدنيين في العديد من القضايا التي تخضع اليوم لصلاحية القضاء العسكري، مما سيعزز مبادئ المحاكمة العادلة أمام محكمة مستقلّة ويشكّل إصلاحًا جوهريًا في تاريخ العدالة في لبنان.

2- تعديل هيكلية القضاء العسكري

اعتمد اقتراح اللجنة الفرعية تعديلات جوهريّة على هيكلية القضاء العسكري وتكوينه بحيث يُصبح شبيهاً لتنظيم القضاء الجزائي العادي. وقد جاءت أراء أعضاء لجنة الإدارة والعدل على هذه التعديلات على الشكل التالي:

أولاً: توافق حول "الهيئة الاتهامية"

توافق الأعضاء على إنشاء "هيئة اتهامية عسكرية" لكونها تعزز حق الدفاع للمتهمين. ووفقًا لاقتراح اللجنة الفرعية، يعود لهذه الهيئة أن تقوم بالمهام المناطة بالهيئة الاتهامية العادية، وهي: (1) ممارسة سلطة الاتهام في الجنايات (بدلاً من قاضي التحقيق العسكري حاليًا) و(2) النظر في الطعون في قرارات قضاة التحقيق (بدلاً من تعدد المراجع في الممارسة الحالية بين محكمة التمييز الجزائية ومحكمة التمييز العسكرية والهيئة الاتهامية في بيروت وفقاً لطبيعة القرار المطعون فيه) و(3) البتّ في طلبات إعادة الاعتبار (بدلاً من محكمة التمييز العسكرية).

ثانيًا: انقسام حول "محكمة الاستئناف"

انقسم أعضاء اللجنة حول "الحاجة والضرورة لإنشاء محكمة استئناف" في القضاء العسكري الذي يخلو حاليًا من هيئة مماثلة. ففيما يُمكن للمدّعى عليه حاليُا استئناف الأحكام الصادرة عن القضاة المنفردين العسكريين بالجنح البسيطة ضمن شروط معيّنة أمام المحكمة العسكرية، لا يتيح له القانون إمكانية استئناف الأحكام الصادرة عن المحكمة العسكرية في القضايا الجنحيّة والجنائية. ويبقى حقّه في الطعن محصورًا في طلب نقض هذه الأحكام أمام محكمة التمييز العسكريّة لأسباب قانونية محدَّدة، وهو حقّ لا يوفر للمحكوم عليه الحقّ في التقاضي على درجتين وتاليا إمكانية إعادة النظر في الوقائع التي أدّت إلى إدانته وفرض العقوبة بحقّه وفقًا لما يفرضه الدستور والمواثيق الدولية، لا سيما المادة 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.

وكان اقتراح اللجنة الفرعية قد ذهب في اتجاه إلغاء هيئتيْ "المحكمة العسكرية" الجنحية والجنائيّة، واستبدالهما ب "محكمة جنايات عسكرية" التي تنظر في قضايا الجنايات والجنح المتلازمة معها، و"محكمة استئناف عسكرية" التي تنظر في استئناف الأحكام الصادرة عن "القضاة المنفردين العسكريين" في قضايا الجنح وبعض المخالفات. وقد انقسمت آراء أعضاء اللجنة حول هذه المسألة على الشكل التالي:

  • الرأي الأوّل يرغب في المحافظة على الهيكلية الحالية للمحكمة العسكرية وعلى السرعة في صدور الأحكام، فيرى أنّ المحكمة العسكرية "عادة ما تنظر بمسائل خطيرة جدًا" وبالتالي إنّ إنشاء محكمة استئناف "لن يضيف شيئًا بل سوف يطيل من أمد المحاكمات". ويكتفي هذا الرأي بالقول بعدم وجود ضرورة لمحكمة الاستئناف "على أن يتم تعزيز التحقيق في البداية" من دون توضيح ما المقصود بذلك. فإن كان المقصود هو إضافة الحق في استئناف قرارات قضاة التحقيق أمام الهيئة الاتهامية المقترح إنشاؤها، إلا أنّ هذا الأمر يتجاهل أن محكمة الاستئناف المقترحة تنظر في قضايا الجنح التي نادرًا ما يتم إحالتها إلى قاضي التحقيق قبل المحاكمة، مما يجرّد إنشاء هيئة اتهامية من أي أثر إيجابي على حقوق المتقاضين في هذه القضايا.
  • الرأي الثاني الذي وصفه التقرير ب "الرأي الغالب" أصرّ على ضرورة إنشاء محكمة الاستئناف لضمان حقوق الدفاع ومعايير المحاكمة العادلة، بخاصّة لجهة ضمان حصول المحاكمة على ثلاث درجات، وذلك كون محكمة التمييز هي محكمة قانون وليست محكمة موضوع بمعنى أنهّا لا توّفر الحق في إعادة النظر في الوقائع وفقًا لما تفرضه المواثيق الدولية. وقد شدد على أنّ وجود محكمة استئناف يدفع بمحكمة البداية الى "درس الوقائع وتوصيفها بدقة أكثر والتفكر قبل اصدار قرارها مما يعزز منطق العدالة". 

وفيما يتماشى هذا الرأي الثاني مع مبادئ المحاكمة العدالة ويرفع الظلم عن المحكومين الذين تنحصر أمامهم أفق الطعن بالأحكام الصادرة ضدهم، يبقى أن نشير إلى أنّ "مبادئ ديكو" حول "إقامة العدالة عن طريق المحاكم العسكرية" توصي بأن يقتصر اختصاص المحاكم العسكرية على الدرجة الأولى وأنّ تُقدَّم الطعون ضدّ قرارتها، بما فيها الاستئناف، أمام المحاكم العادية انطلاقًا من ضرورة دمج المحاكم العسكرية في النظام القضائي العام.

ثالثًا: اختلاف حول تعديل محكمة التمييز

ينص اقتراح اللجنة الفرعية على إلغاء محكمة التمييز العسكرية الحالية (المؤلفة من قاض عدلي رئيسًا وضباط أعضاء) ومنح صلاحياتها إلى "غرفة عسكرية لدى محكمة التمييز" في القضاء العدلي مكوّنة من 3 قضاء عدليين. وقد انقسمت آراء أعضاء لجنة الإدارة والعدل حول هذه المسألة إلى ثلاثة اتجاهات:

  • الرأي الأوّل يرغب في المحافظة على محكمة التمييز العسكرية كما هي حاليًا ضمن القضاء العسكري من دون أن يرى الحاجة إلى أي تعديل،
  • الرأي الثاني يرى أن تبقى المحكمة ضمن القضاء العسكري على أن تعزز بقضاة عدليين "لأنها محكمة قانون"، من دون توضيح ما إذا ستكون الغلبة لهؤلاء أو للضباط.
  • الرأي الثالث يوافق على اقتراح اللجنة الفرعية في أن تصبح محكمة التمييز العسكرية ضمن القضاء العدلي من خلال إضافة غرفة الى غرف محكمة التمييز تكون مختصة بالتمييز العسكري، وهو الرأي الأكثر تلاؤمًا مع معايير المحاكمة العادلة والمبادئ الدولية الخاصة بالقضاء العسكري التي توصي بأن تنظر المحاكم العادية في الطعون ضد قرارات المحاكم العسكرية.

يذكر أخيرًا إلى أنّ التقرير لم يشر إلى موقف أعضاء لجنة الإدارة والعدل من تعزيز حقوق الدفاع في أصول المحاكمات العسكرية إلا من باب ضمان حقوق الطعن أمام الهيئة الاتهامية ومحكمة الاستئناف، من دون أن يتطرّق إلى أي من التعديلات التي اقترحتها اللجنة الفرعية في هذا الخصوص.

للاطلاع على النسخة التي أقرتها لجنة الإدارة والعدل حول إصلاح القضاء العسكري