المجلس النيابي اللبناني يقرّ إلغاء عقوبة الإعدام: إنجاز تاريخي يطغى عليه جدل العقوبة البديلة
11/08/2026
أقرّت الهيئة العامّة لمجلس النواب في جلستها التشريعية المنعقدة اليوم أحد أهم البنود على جدول أعمالها وهو اقتراح إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان، في خطوة سباقة بين الدول العربية. وقد صدّق المجلس على الاقتراح معدّلًا وفق صيغة تقدّم به النائب عبد الرحمان البزري وكان توافق عليها "تجمّع النواب السنة"، وقد أيدها عدد من النواب، إضافة إلى تعديل قدمه النائب ملحم خلف.
وفيما لم يعرف مضمون الصيغة الأخيرة التي تمّ التصويت عليه، إلّا أنّ أساس هذه التعديلات يقوم على استبدال عقوبة الإعدام بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة بالنسبة للجرائم المرتكبة بعد نفاذ القانون، أما بخصوص الجرائم المرتكبة قبل نفاذ القانون، فتستبدل فيها عقوبة الإعدام بالعقوبة التي تليها مباشرة، وهي عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة.
وللتذكير أنّ الاقتراح ورد على جدول الأعمال وفق الصيغة التي أقرّتها اللجان المشتركة في تاريخ 9/7/2026. وهي الصيغة التي تمّ مناقشتها على ضوء ملاحظات لجنة حقوق الإنسان ولجنة الإدارة والعدل اللتين كانتا قد أقرّتاه معدّلًا تباعا في تاريخيْ 23/2/2026 و2/6/2026.
ويرمي الاقتراح المقدّم من النواب الياس حنكش وأسامة سعد وبوليت يعقوبيان وجورج عقيص وفيصل الصايغ وحليمة القعقور وميشال الدويهي في 7/10/2025، إلى إلغاء عقوبة الإعدام أينما وردت، لا سيّما في قانون العقوبات، واستبدالها بالعقوبة القصوى التي تليها وهي الحبس المؤبد مع ظروف متشددة، على أنّ يستفيد المحكومون بالإعدام قبل صدور هذا القانون من مفاعيله. ويلحظ أنّ الاقتراح كان قد أعدّ بالتعاون مع "الهيئة اللبنانيّة للحقوق المدنية". وكانت الأسباب الموجبة قد ركّزت أصلًا على "أنسنة العقوبات" باعتبارها مسؤوليّة حضاريّة في التخلّي عن القتل باسم القانون، بالأخصّ أنّ معالجة أسباب الجريمة تتمّ أوّلاً عبر تطوير سياسة الوقاية المُسبقة للحدّ من الجرائم، بعد أن تبيّن أنّ لا علاقة بين تطبيق الإعدام وردع الجريمة.
وقد تبنت اللجان المشتركة النسخة الصادرة عن لجنة الإدارة والعدل مع بعض التعديلات، لتخلص إلى النتائج الآتية:
- الأمر الأول، إنه يشكل وثبة قيمية في بنيان القانون اللبناني وقوامها إلغاء عقوبة الإعدام.
- الأمر الثاني، وهو إقرار مبدأ الاستبدال التلقائيّ لعقوبة الإعدام أينما وردت في النصوص الجزائية، ومؤدّاه محو هذه العقوبة بصورة رجعية. وقد أتى النص المقترح هنا متقدّما على النص كما عدّلته لجنة حقوق الإنسان التي كانت علّقت هذا الاستبدال على إثبات استيفاء الحقوق الشخصية، وعدم رفض هذا التخفيض من أيّ من ذوي الضحية (وتحديدا الأصول والفروع والزوج أو الزوجة).
- الأمر الثالث، وهو تحديد العقوبة البديلة بأنها "الأشغال الشاقّة المؤبّدة المشددة". ويرشح ذلك عن استحداث عقوبة جديدة هي "الأشغال الشاقّة المؤبّدة المشددة" وإن لم يكن لهذا الاستحداث أي أثر عمليّ.
- الأمر الرابع، وقد تفرّدت فيه اللجان المشتركة، وهو التشديد على أنّ المحكومين الذين تستبدل عقوبة الإعدام الصادرة بحقهم بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة المشدّدة "لا يستفيدون إلا من التخفيض المنصوص عليه في قانون تنفيذ العقوبات رقم 463/2002". ويبدو أن اللجان المشتركة قد أضافت هذا البند كي تغلق الباب أمام استفادة المحكوم عليهم بالإعدام من التخفيض الذي قد يحصل تبعا لإقرار قانون العفو العام علاوة على استفادتهم من إقرار هذا القانون.
وتشكّل موافقة اللجان المشتركة على إلغاء عقوبة الإعدام خطوةً هامّة على صعيد أنسنة قانون العقوبات وتكريس "الإنسان" كقيمة ذاتيّة، وإن تبقى هذه الموافقة مشُوبةً بتأكيد النص المقترح على عقوبة المؤبّد مع أشغال شاقّة مشدّدة. ويؤمل تاليًا أن تنتهي الهيئة العامّة لمجلس النواب إلى تصحيح هذا الخطأ بما يضمن انسجام النص المقترح مع معايير حقوق الإنسان.
وتجدر الإشارة أنّ هذا الاقتراح كان قد وضع على جدول أعمال الجلسة التشريعية السابقة في تموز المنصرم قبل أنّ ينسحب نواب كتلة الجمهورية القوية من الجلسة وفقدان نصابها، وذلك خشية من ربط اقتراح إلغاء عقوبة الإعدام باقتراح العفو العام على أساس أنّ السير بالأوّل سيؤثّر على الأخير.
النقاشات النيابية
استهلّ النائب عبد الرحمن البزري النقاش بالإعلان عن إعداد مجموعة من 23 نائبًا، وهو تجمّع "النواب السنة"، اقتراحًا لتعديل المادة الأولى من اقتراح إلغاء عقوبة الإعدام لتصبح: "تلغى عقوبة الإعدام أينما ورد النص عليها في القوانين اللبنانية، وتستبدل على الوجه الآتي:
- تستبدل عقوبة الإعدام بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة بالنسبة للجرائم المرتكبة بعد نفاذ هذا القانون.
- أما الجرائم المرتكبة قبل نفاذ هذا القانون فتستبدل فيها عقوبة الإعدام بالعقوبة التي تليها مباشرة، وهي عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة".
ودافع النائب الياس حنكش عن الاقتراح، معتبرًا أنّ النقاش حوله يرتبط بمستقبل البلد، ومذكّرًا بأسبابه الموجبة، ولا سيما استحالة تدارك الخطأ في حال تنفيذ حكم إعدام بحق شخص يتبيّن لاحقًا أنه بريء، وعدم ثبوت كون الإعدام رادعًا للجريمة، فضلًا عن كون لبنان لم ينفّذ أي حكم بالإعدام منذ أكثر من عشرين عامًا. وربط حنكش إلغاء العقوبة أيضًا بإمكان استرداد المطلوبين من دول ألغت الإعدام، مستشهدًا بحالات تعذّر فيها ذلك، وبأهمية أن يكون لبنان من الدول السباقة في المنطقة إلى إلغاء العقوبة. وختم بالتأكيد أنّ الدول القوية لا تنتقم، بل تعاقب دفاعًا عن حق الدولة.
في المقابل، ركّز النائب نبيل بدر على صيغة العقوبة البديلة، معتبرًا أنّ المادة 37 من قانون العقوبات ترسم هرمية واضحة للعقوبات الجنائية، بحيث تأتي الأشغال الشاقة المؤبدة بعد الإعدام. ورأى أنّ الغاية الأصلية من الاقتراح هي إلغاء الإعدام واستبداله بالعقوبة التي تليه، وهو ما حققته الصيغة التي أقرتها لجنة حقوق الإنسان. واعترض على استحداث عقوبة "الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة" في لجنة الإدارة والعدل واللجان المشتركة، متسائلًا عن أساسها القانوني، ومطالبًا بالعودة إلى صيغة لجنة حقوق الإنسان لعدم وجود تعريف قانوني للعقوبة البديلة "المشددة".
ومن جهته، أثار النائب جهاد الصمد اعتراضًا مبدئيًا على إلغاء عقوبة الإعدام، معتبرًا أنّ لبنان بلد حرّ يكفل حرية المعتقد، وأنّه كنائب مسلم سني لا يمكنه تشريع ما يتعارض مع الشريعة الإسلامية. كما أشار إلى أنّ ولا أيّ دولة عربية ألغت عقوبة الإعدام، وأن لبنان لا ينفّذها أصلًا، وبالتالي أنّه لا يرى ضرورة لتشريع إلغائها. وقد قوبلت مداخلته بتصفيق من بعض النواب. وقد لاقاه في هذا الاتجاه النائب إدغار طرابلسي معتبرًا أنّ "القانون الإلهي أرفع من القوانين الوضعية".
في المقابل، شدّدت النائبة بولا يعقوبيان، بصفتها من مقدمي الاقتراح، على أهمية أن يكون لبنان سبّاقًا في إلغاء العقوبة، وأبدت ملاحظات على الصيغة المطروحة، أبرزها ضرورة تعديل المادة الرابعة لإلغاء المادة 93 من قانون القضاء العسكري المتعلقة بتنفيذ عقوبة الإعدام. كما اعترضت على تقييد صلاحية مجلس النواب في مجال العفو، باعتباره "سيّد نفسه"، وطالبت بتوضيح آلية استفادة المحكومين من قوانين تخفيض العقوبات، منعًا للالتباس.
كذلك اعتبر النائب ملحم خلف أنّ إلغاء الإعدام موقف أساسي في مجال حقوق الإنسان، مشددًا في الوقت نفسه على أنّ إلغاء العقوبة لا يعني إلغاء العقاب. وانطلاقًا من مبدأ هرمية العقوبات في العلم الجنائي، رأى أنّ إلغاء الإعدام يستوجب تحديد عقوبة بديلة تحافظ على هذا التدرج، مؤيدًا استبداله بالأشغال الشاقة المؤبدة المشددة. كما اقترح حذف عبارة "المشددة" من المادة الخامسة في سياق منع المحكوم من الاستفادة من تخفيضين للعقوبة.
بدوره، أيّد رئيس لجنة حقوق الإنسان النائب ميشال موسى إلغاء العقوبة، مشيرًا إلى أنّ لبنان لم ينفذ أي حكم بالإعدام منذ العام 2004، وأنّ الوقت حان لإلغاء العقوبة من النصوص القانونية، خصوصًا أنّ لبنان يعود كل سنتين إلى التعهّد أمام الأمم المتحدة بإلغائها. كما استند إلى الدراسات التي لا تثبت كون الإعدام رادعًا للجريمة، وإلى خطر وقوع أخطاء قضائية لا يمكن تداركها بعد التنفيذ، مؤيدًا التعديلات التي طرحها خلف.
من جهته، وصف وزير العدل الجلسة بأنّها "يوم تاريخي"، وأشار إلى أنّ إلغاء العقوبة من شأنه تسهيل استرداد المجرمين من الدول التي ألغت الإعدام، كما شدد على أنّ العدالة والقضاء لا يفترض أن يتحولا إلى أداة للقتل، في ظلّ خطر الخطأ القضائي. ورفض اعتبار إلغاء الإعدام نوعًا من التساهل، معتبرًا أنّ الدولة التي تحترم العدالة لا يمكنها أن تمنح القاضي سلطة تقرير الموت.
وشدد النائب جورج عقيص على أنّ القاعة تكاد تجمع على مبدأ إلغاء عقوبة الإعدام، وأنّ الخلاف الفعلي يتمحور حول العقوبة البديلة. وأكد ضرورة الحفاظ على هرمية العقوبات وتمييز الجرائم بحسب خطورتها، مستشهدًا بالفارق بين السرقة العادية والسرقة الموصوفة المقترنة بالقتل. ورأى أنّ استبدال الإعدام بالأشغال الشاقة المؤبدة العادية قد يؤدي إلى مساواة جرائم متفاوتة في الخطورة، ولذلك شدد على ضرورة وجود "أشغال شاقة مؤبدة مشددة" إلى جانب الأشغال الشاقة المؤبدة العادية، مؤيدًا تعديلات البزري وخلف.
وقد تواصل النقاش حول العقوبة البديلة، إذ أعلن النائب جورج عطالله تأييده لإلغاء الإعدام، حتى مع عدم موافقته على بعض الأسباب الموجبة، مستندًا بصورة خاصة إلى أهمية الإلغاء في تسهيل استرداد المطلوبين. كما طالب بتوضيح مفهوم "المشددة" ومنع المحكوم من الاستفادة من تخفيضين للعقوبة.
ورأى النائب جميل السيد أنّ تنفيذ الإعدام، رغم صدوره بموجب حكم قضائي، يبقى قرارًا سياسيًا لكونه يحتاج إلى توقيع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ووزير العدل، مشيرًا إلى أنّ التنفيذ متوقف منذ العام 2004. واعتبر أنّ إضافة وصف "المشددة" تهدف إلى إيجاد عقوبة بديلة فعلية للإعدام تكون أشد من الأشغال الشاقة المؤبدة العادية.
وأعلن النائب فراس حمدان تأييده للاقتراح والتعديلات المطروحة تفاديًا للعرقلة، مع تفضيله العودة إلى صيغة لجنة حقوق الإنسان. كما ربط إلغاء الإعدام بصورة لبنان أمام المحافل الدولية في ظلّ الظلم والممارسات الإسرائيلية. في المقابل، حذّر النائب ياسين ياسين من اعتماد السجن المؤبد كعقوبة بديلة، مستندًا إلى توصيات المنظمة الدولية للإصلاح الجنائي التي تدعو إلى تجنب المؤبد كعقوبة بديلة للإعدام وإلى اعتماد عقوبة قابلة للمراجعة. واعتبر أنّ المؤبد يتناقض مع مبدأ "أنسنة العقوبات" الذي تقوم عليه الأسباب الموجبة، وإنّ أعلن في نهاية مداخلته عن تأييد صيغة البزري.
كما أثارت النائبة سينتيا زرازير إشكالية عملية تتعلق بالأشغال الشاقة، متسائلة عن واقع تطبيقها في لبنان وما إذا كان اعتمادها كعقوبة بديلة يعني إعادة تفعيلها فعليًا. بدوره، اعترض النائب سيزار أبي خليل على مفهوم "الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة"، متسائلًا عن المقصود بها "من قفل عليه بقفلين؟"، ومعتبرًا أنّ الأشغال الشاقة نفسها عقوبة غير إنسانية وقد تعود إلى مجلس النواب في المستقبل لإلغائها. وطالب، في حال الإبقاء على وصف "المشددة"، بتعريفها بوضوح وربطها بعدم استفادة المحكوم من تخفيض إضافي للعقوبة.
وفي ختام النقاش، برزت بصورة خاصة مسألة منع الاستفادة المزدوجة من تخفيض العقوبة والعفو العام. فقد اعتبر النائب حسين الحاج حسن أنّ لبنان لا يطبق الإعدام أصلًا، وأنّ كتلة الوفاء للمقاومة لن تؤيد إلغاءه تشريعيًا ولا تعارضه، لكنه حذّر من أن يؤدي اعتماد الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة إلى استفادة المحكوم من العفو لاحقًا، بما قد يخفض عقوبة بعض الجرائم الخطيرة إلى مدد محدودة. ورأى أنّ الصيغة المطروحة قد "تخلق مشكلة جديدة"، داعيًا إلى معالجة قضية الموقوفين من دون السماح بتخفيض العقوبة مرتين.
وبالتوازي مع المداخلات العلنية، شهدت الجلسة سلسلة من الأحاديث الجانبية بين عدد من النواب والكتل، فيما طالبت بولا يعقوبيان بتوضيح ما يجري وبتحديد خلاصة هذه النقاشات، متسائلة عن سبب إضاعة الوقت. وفي نهاية النقاش، قطع رئيس مجلس النواب نبيه بري المداخلات ودعا إلى التصويت على تعديلات البزري وملحم خلف. إلا أنّ نواب حزب الله غادروا القاعة اعتراضًا على المسار الذي اتخذه النقاش، قبل الانتقال إلى التصويت على الاقتراح بمادة وحيدة مع الأخذ بالتعديلات بالمناداة الشكلية وتصديق الاقتراح وسط تصفيق النواب.
للاطلاع على مسار الاقتراح : اقتراح القانون الرامي الى الغاء عقوبة الاعدام في لبنان
للمزيد من المعلومات حول الاقتراح يمكن مراجعة تعليقات المرصد البرلماني عليه:
هل يلغي لبنان عقوبة الإعدام؟ قفزة إنسانيّة قبالة السّقوط الإسرائيليّ.
"الإدارة والعدل" تنجز اقتراح إلغاء عقوبة الإعدام: رسالة تقديس للحياة البشرية في لحظة قاتلة.
إلغاء عقوبة الإعدام في محطاته الأخيرة: رسالة تقديس للحياة رغم الهفوات.