من صفحة نقابة الأطباء في لبنان
اقتراح لتحصين الأطبّاء ضدّ الملاحقة والتوقيف: انتهاك لحق التقاضي ومبدأ استقلاليّة القضاء
09/08/2026
ورد على جدول أعمال جلسة الهيئة العامّة اقتراح قانون يرمي إلى تعديل المادة 44 من القانون رقم 313 تاريخ 6/4/2001 (إنشاء نقابتين للأطباء في لبنان)، مقدّم من النائب بلال عبدالله في 20/10/2025. للعلم، تنصّ المادة 44 الحالية على أنّه وعند ملاحقة الطبيب جزائيا، يكون لنقابة الأطباء أن تبدي رأيها العلمي خلال خمسة عشر يوما حول ما إذا كان الجرم المدعى به ناشئا عن ممارسة المهنة، وفي هذه الحالة يجري استجواب الطبيب الملاحق بحضور نقيب الأطباء أو من ينتدبه لهذه الغاية. كما تنص المادة على عدم جواز التوقيف الاحتياطي للطبيب الملاحق بجرم ناشئ عن ممارسة المهنة قبل أن تبدي النقابة رأيها ضمن المهلة المذكورة.
وإذ هدف الاقتراح الأساسيّ إلى وضع مزيد من الضوابط على ملاحقة الطبيب وتوقيفه، فإنه خضع لاحقا لتعديلات خلال دراسته في اللجان النيابية، علما أن هذه التعديلات قد ذهبت في اتّجاهات متناقضة. ففي حين أقرّت لجنة الصحة العامة بشكل عامّ الشروط المقترحة من النقابة مع إضافة ضوابط إليها كعدم جواز استئناف الطبيب أمام الضابطة العدلية (تقرير 16/2/2026)، عمدت لجنة الإدارة والعدل إلى تضييق هذه الحصانة (تقرير 30/6/2026). ويلحظ أنه رغم اختلاف اللجنتين في تقييم الاقتراح، فإنه تمّ إحالته إلى الهيئة العامة من دون أن يعرض على اللجان المشتركة لوضع صيغة موحدة للاقتراح المعدل، مما يفتح الباب أمام فوضى تشريعية وسوء فهم بشأن النص الذي سيكون موضع مناقشة في الهيئة العامة.
وبالعودة إلى صيغته الأصلية، اشترط الاقتراح من أجل ملاحقة الطبيب جزائيًا عن فعل ناشئ عن ممارسة مهنة الطب أو بمعرضها، الحصول على إذن مسبق من مجلس نقابة الأطباء، على أن يصدر القرار خلال مهلة شهر من إبلاغ النقيب خطيا حصول الفعل، وأن يقرر مجلس النقابة ما إذا كان الفعل ناشئًا عن المهنة أو بمعرضها. وفي هذه الحالة، يجري استجواب الطبيب بحضور نقيب الأطباء أو من ينتدبه لهذه الغاية. كما نص أنه، في حال الطعن بقرار مجلس النقابة إعطاء الإذن بالملاحقة أو رفضه أمام محكمة الاستئناف المختصة خلال مهلة خمسة عشر يومًا من تاريخ التبليغ، أن ينضم إلى الهيئة الحاكمة عضوان يختارهما مجلس النقابة من بين أعضائه. كذلك، اشترط الحصول على موافقة مجلس النقابة قبل إصدار قرار بتوقيف الطبيب احتياطيًا عن جرم ناشئ عن ممارسة المهنة أو بمعرضها، من دون أن يفتح صراحة أيّ مجال للطعن.
وقد أبقت لجنة الصحة العامة والعمل والشؤون الاجتماعية على مبدأ الإذن المسبق لملاحقة الطبيب وعلى الآلية الأساسية لاتخاذه، بما فيها مهلة الشهر واعتبار الإذن واقعًا ضمنًا عند انقضاء المهلة من دون صدور قرار، إلا أنها عدّلت نقطة بدء هذه المهلة، فأصبحت تُحتسب من تاريخ إحالة الشكوى من قبل المرجع القضائي المختص، بدل تاريخ إبلاغ النقيب خطيًا بوقوع الفعل. كما أدخلت عامل حماية إضافيا قوامه أن يجري استجواب الطبيب، بعد صدور الإذن، أمام المدعي العام أو قاضي التحقيق أو مفوض الحكومة، مع منع إجرائه أمام الضابطة العدلية، وعلى أن يتم الاستجواب بحضور نقيب الأطباء أو من ينتدبه. وأبقت اللجنة كذلك على إمكانية الطعن بقرار مجلس النقابة أمام محكمة الاستئناف المختصة خلال مهلة خمسة عشر يومًا، وعلى انضمام عضوين يختارهما مجلس النقابة إلى الهيئة الحاكمة، كما أبقت على اشتراط موافقة مجلس النقابة على التوقيف الاحتياطي وعلى اعتبارها واقعة ضمنًا عند انقضاء المهلة دون صدور قرار.
من جهتها، أدخلت لجنة الإدارة والعدل تعديلات جوهرية على الصيغة، فأسقطت شرط الإذن المسبق لملاحقة الطبيب واستعاضت عنه بإلزام النيابة العامة، قبل تحريك الدعوى العامة، بطلب رأي علمي معلل من نقابة الأطباء، على أن يبقى هذا الرأي استشاريًا وغير ملزم. كما ألغت مشاركة عضوي مجلس النقابة في الهيئة الحاكمة عند الطعن بقرار المجلس. وأعادت تنظيم ضمانة الاستجواب، فنصّت على أن يجري أمام المرجع القضائي المختص بعد دعوة نقيب الأطباء أو من ينتدبه، من دون أن يحول عدم حضوره دون إجراء الاستجواب. وقد شدد الاقتراح كما عدلته لجنة الإدارة والعدل على أن الرأي العلمي يبقى استشاريا وغير ملزم للنيابة العامة أو لقاضي التحقيق، ولا يقيد سلطتهم في تقدير الوقائع والأدلة أو في ممارسة صلاحياتهم القانونية، على أن يكون القرار معللًا. وفي المقابل، أبقت على اشتراط موافقة مجلس النقابة على التوقيف الاحتياطي، مع إخضاع قراره للطعن أمام محكمة الاستئناف المدنية المختصة. كما شدّدت لجنة الإدارة والعدل على أن المادّة المقترح تعديلها لا تحول أبدا دون اتخاذ التدابير المستعجلة اللازمة للمحافظة على الأدلة أو منع ضياعها، بما فيها المنع من ممارسة المهنة أو المنع من السفر.
وقد برّرت لجنة الإدارة والعدل تعديل النص الأصليّ للاقتراح بوجوب "إرساء توازن دقيق بين مقتضيات حماية الطبيب أثناء ممارسته مهنته، وبين حق المجتمع والمتضررين في ملاحقة الأفعال التي قد تشكّل جرائم أمام القضاء المختصّ، بما يحفظ الثقة بالمهنة الطبيّة والعدالة في آن واحد"، وذلك بالأخصّ أنّ الممارسة الطبية تتسم بطابع علمي وفني خاص، وقد "تنشأ عنها مضاعفات علاجية أو نتائج غير متوقعة لا تشكل بذاتها خطأ جزائياً، فإن الطبيب قد يتعرض لشكاوى أو إجراءات تفتقر إلى الأساس العلمي الكافي". كما شدّدت على ضرورة إقرار ضمانات إجرائية خاصة لحماية الطبيب من الملاحقات غير الجدية أو الكيدية، من دون أن تتحول هذه الضمانات إلى حصانة مهنية أو إلى قيد غير مبرر على حق التقاضي أو على صلاحيات النيابة العامة والمحاكم. هذا وقد أخذ الاقتراح وفق اللجنة بالاتجاهات الغالبة في القانون المقارن، ولا سيما في الأنظمة الفرنسية والبلجيكية والكندية والأردنية والإماراتية، حيث تقوم الحماية القانونية للطبيب على تعزيز الخبرة الطبية واللجان الفنية والرأي العلمي المتخصص، من دون جعل تحريك الدعوى العامة رهنًا بإذن مسبق من هيئة مهنية. ففي هذه الأنظمة تبقى سلطة الملاحقة والتحقيق والمحاكمة بيد السلطات القضائية المختصة، بينما يقتصر دور الهيئات المهنية أو اللجان العلمية على تقديم الرأي الفني أو المساهمة في تقييم مدى وجود خطأ طبي بالمعنى العلمي والمهني.
وعليه، نسجل الملاحظات الآتية:
تعارض الاقتراح مع حقّ التقاضي
يكرّس الاقتراح في صيغته الأصلية، وكما أقرته لجنة الصحّة، ضمانة استثنائية للطبيب تتمثل في عدم جواز ملاحقته جزائيًا عن فعل ناشئ عن ممارسة مهنة الطب أو بمعرضها إلا بعد الحصول على إذن من مجلس نقابة الأطباء. ويطرح هذا الشرط إشكالية جدية من زاوية حقّ التقاضي، إذ يجعل مباشرة الملاحقة الجزائية متوقفة على قرار صادر عن هيئة مهنية، من دون أن يربط النص هذه الحماية بمعايير موضوعية واضحة تبرر تحصين الأطباء على هذا الوجه أو تبيّن لماذا تستوجب إخضاع المتضرر من خطأ محتمل إلى هذه المرحلة الإضافية قبل تمكينه من اللجوء إلى القضاء.
ويُضاف إلى ذلك أن الأسباب الموجبة نفسها تبرر الحماية بالحاجة إلى تفادي الشكاوى التي تفتقر إلى أساس علمي، وهي غاية يمكن تحقيقها من خلال الاستعانة بالخبرة الطبية المتخصصة، من دون جعل تحريك الدعوى العامة رهنًا بإذن صادر عن النقابة. ومن هذه الزاوية، تبدو الصيغة التي اعتمدتها لجنة الإدارة والعدل أكثر اتساقًا مع هذا الهدف، إذ استبدلت الإذن المسبق بإلزام النيابة العامة بطلب رأي علمي معلل من النقابة، مع إبقاء هذا الرأي استشاريًا وغير ملزم، بما يسمح بإدخال الخبرة المهنية في الملف من دون تقييد حق المتضرر في التقاضي أو صلاحية النيابة العامة في تحريك الدعوى.
تعارض الاقتراح مع مبدأ المحاكمة العادلة
ينصّ الاقتراح في صيغته الأصلية وكذلك في الصيغة التي أقرتها لجنة الصحة العامة والعمل والشؤون الاجتماعية على أنه وعند الطعن بقرار مجلس النقابة المتعلق بإعطاء الإذن بالملاحقة أو رفضه، ينضم إلى الهيئة الحاكمة في محكمة الاستئناف عضوان يختارهما مجلس النقابة من بين أعضائه. ويثير هذا التدبير إشكالية جدية بفعل تعارضه مع مبادئ المحاكمة العادلة، إذ يؤدي إلى إدخال ممثلين عن الجهة المهنية التي أصدرت القرار موضوع الطعن في تكوين الهيئة التي تتولى النظر في هذا القرار، بما يخلّط بين موقع الخصم أو صاحب المصلحة في النزاع وموقع القاضي الذي يفترض أن يكون مستقلًا ومحايدًا.
ولا تكمن الإشكالية في الاستعانة بالخبرة الطبية بحد ذاتها، إذ يمكن للمحكمة الاستعانة بالخبراء وسماع آرائهم وفق الأصول، وإنما في إسناد دور قضائي إلى عضوين تختارهما الجهة التي صدر عنها القرار المطعون فيه. فالمحكمة التي تنظر في الطعن يفترض أن تكون مستقلة عن أطراف النزاع وعن الجهة التي شاركت في اتخاذ القرار موضوع المراجعة، وأن تتوافر فيها ضمانات الحياد والمساواة بين الخصوم.
وقد تداركت لجنة الإدارة والعدل هذه الإشكالية عندما حذفت مشاركة عضوي مجلس النقابة في الهيئة الحاكمة، وأبقت رقابة محكمة الاستئناف على قرار مجلس النقابة من دون مشاركة ممثلين عن هذه الأخيرة في تشكيل المحكمة.
ويؤمل تاليا أن يصرف النظر عن ذلك. فقد حان الوقت لإلغاء أيّ نص يعطي مجالس النقابات حق المشاركة في الهيئات القضائية الناظرة في استئناف القرارات الصادرة عنها، بما يضعها في موقع الخصم والحكم.
تعارض الاقتراح مع مبدأ استقلالية القضاء
لا تقتصر الإشكالية التي يثيرها الاقتراح على منح الأطباء ضمانات إجرائية خاصة، بل تمتد إلى إدخال النقابة في صميم ممارسة صلاحيات قضائية. وتبرز هذه الإشكالية بصورة خاصة في اشتراط موافقة مجلس النقابة قبل إصدار قرار بتوقيف الطبيب احتياطيًا. وهذا ما ذهب إليه الاقتراح في جميع صيغه، علما أن الاقتراح في صيغته الأصلية وكما أقرته لجنة الصحة لم ينص صراحة حتى على إمكانية استئنافه فضلا عن أنه شمل توقيف الطبيب احتياطيا ولو في حالات لا تتصل بممارسة مهنة الطبّ.
والواقع أنّ التوقيف الاحتياطي هو قرار يدخل ضمن ممارسة السلطة القضائية ويعبر عن توازن دقيق بين الحرية الشخصية وحماية الحق العام والمجتمع. بمعنى أن تمكين النقابة من إعطاء رأيها بالموافقة أو الرفض على قرار التوقيف الاحتياطي إنما يشكل بالحقيقة اشتراكا فعليا في مسار اتخاذ قرار قضائي. وكان من الأفضل حكما الاكتفاء بصيغة النص 44 الحالي لهذه الجهة من دون أي توسع.
| التوصية: يُنصح بإقرار اقتراح القانون كما عدّلته لجنة الإدارة والعدل في البنود أولا وثالثا ورابعا، مع رفض البند ثانيا المتصل باشتراط موافقة مجلس النقابة على التوقيف الاحتياطي للطبيب في القضايا المتصلة بممارسة مهنة الطب. إذ يجدر ضمان تزويد المرجع القضائي بالخبرة والرأي العلمي المتخصص قبل اتخاذ قرار الملاحقة أو التوقيف الاحتياطي، من دون جعل ملاحقة الطبيب أو اتخاذ التدابير القضائية المتعلّقة بحريته متوقفة على إذن أو موافقة مسبقة من هيئته المهنية. |
للاطلاع على اقتراح القانون ومساره
اقتراح القانون الرامي إلى تعديل المادة 44 من قانون 313 الصادر في 6 نيسان 2000