اقتراح لإشراك أساتذة المدارس الرسمية في المجالس البلدية: مبدأ المساواة لا يكفي لاستبعاد مخاطر الزبائنية

نيقولا غصن

16/07/2025

انشر المقال

تقدم سبعة نواب من كتلة لبنان القوي هم إدكار طرابلسي وأسعد درغام وجبران باسيل وجورج عطالله وسيزار أبي خليل ونقولا صحناوي وجيمي جبور بتاريخ 11 حزيران 2025 باقتراح قانون يرمي إلى منح أفراد ملاك الهيئة التعليميّة في المعاهد والمدارس الرسميّة، أو المتفرغين لديها، أو المتعاقدين معها الحق في الجمع بين وظيفتهم وعضويّة مجلس بلدي شرط عدم تقاضي أي مخصصات من الصندوق البلدي، وذلك على غرار ما هي عليه الحال بالنسبة إلى أفراد الهيئة التعليمية في ملاك الجامعة اللبنانية أو المتفرغين لديها أو المتعاقدين معها. 

وفي تبريرها لهذا التعديل، تشير الأسباب الموجبة للاقتراح في البداية إلى أنّ المادة السابعة من الدستور تنص على أنّ اللبنانيين سواسية أمام القانون ويتمتعون بالحقوق المدنية والسياسيّة نفسها، كما تشير إلى أنّ مبدأ المساواة هو من المبادئ الدستوريّة والحقوقيّة الأساسيّة "التي لا يجوز المسّ بها أو تقييدها" وأنّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي كرّسه لبنان في مقدمة دستوره ينص على أنّ جميع الناس يولدون أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق. 

وبالتالي، اعتبرت الأسباب الموجبة أنّ "ممارسة الحقّ في الترشح للانتخابات، لا سيّما المحليّة، تعدّ من صلب المشاركة السياسيّة المكفولة لأي مواطن لبناني دون تمييز"، وأنّ قانون البلديات قد أجاز لأساتذة الجامعة اللبنانية الترشح لعضويّة المجلس البلدي شرط عدم تقاضي مخصصات من الصندوق البلدي، ما يعني أنّه لا يجوز التمييز بين أساتذة الجامعة اللبنانيّة وأساتذة التعليم الرسمي في قضيّة الترشح، "لا سيما وأنّ وظائفهم التعليميّة لا توليهم أي سلطة تؤثّر في العمليّة الانتخابيّة". وأضافت الأسباب الموجبة في الختام أنّه "من شأن إشراك هؤلاء الأساتذة في الحياة العامّة والبلديّة أن يرفد المجالس البلديّة بخبرات تربويّة وثقافيّة وعلميّة ضروريّة لخدمة الإنماء المحلّي". 

جراء ما تقدّم، لا بدّ من إبداء الملاحظات التالية على الاقتراح: 

خطأ في تحديد القانون الواجب تعديله

تجدر الملاحظة أوّلًا أنّ الاقتراح يشوبه خطأ في تحديد القانون الواجب تعديله، إذ ينصّ أنّه "تعدّل المادة 22 من قانون البلديات (المرسوم الاشتراعي رقم 118 تاريخ  30/6/1977 وتعديلاته)"، فيما الواقع أنّ المادة 22 التي يجب تعديلها هي في القانون رقم 665 الصادر في 29/12/1997 "تعديلات على بعض النصوص في قانون انتخاب اعضاء مجلس النواب وقانون البلديات وقانون المختارين" والتي تنصّ على الموانع لتولّي رئاسة أو عضويّة المجلس البلدي.

التعليم الرسمي ومبدأ المساواة

ينطلق الاقتراح من مسلمة مفادها المساواة بين التعليم العالي الرسمي والتعليم في المدارس والمعاهد الرسمية. لكن التدقيق يظهر أن النصوص القانونية تبنت في العديد من الأحيان استثناءات تخص التعليم الجامعي بينما لم تمنح التعليم الرسمي في المدارس هكذا استثناء. إذ يتبين مثلا من النظر إلى حالات التمانع في عدد من الهيئات المستقلّة وفي المجلس الدستوري والقضاء أنّ مسألة التعليم العالي تتمتع باستثناء من حالات التمانع الوظيفي، من دون أن يشمل هذا الاستثناء التعليم الرسمي في المدارس. على سبيل المثال، يسمح للقاضي أن يمتهن التدريس في الجامعات ومعاهد التعليم العالي بحسب المادة 47 من قانون القضاء العدلي، كما يسمح لعضو المجلس الدستوري بحسب المادة 8 من قانون إنشاء المجلس بأن يعلّم في الجامعة إلى جانب عضويته في المجلس الدستوري. كذلك بالنسبة لهيئة الإشراف على الانتخابات إذ تنص المادة 15 من قانون الانتخابات الصادر سنة 2017 على حالات التمانع مع عضوية الهيئة، إلّا أنّها تستثني أفراد الهيئة التعليميّة في ملاك الجامعة اللبنانية أو المتفرغين لديها أو المتعاقدين معها. لا بل أن قانون الانتخابات يمنع في مادته الثامنة من الترشح لعضوية مجلس النواب فئات عديدة من الذين يشغلون وظائف عامة لكنه يستثني أفراد الهيئات التعليميّة في ملاك الجامعة اللبنانيّة أو المتفرغين لديها أو المتعاقدين معها. 

وهكذا يتبين أن المبدأ الذي كرسه النظام القانوني اللبناني منذ سنين طويلة يتعلق باستثناء التعليم الجامعي الرسمي نظرا لما يشكله التعليم العالي من وسيلة فضلى تسمح لمن يزاول وظيفة أو خدمة عامة من مشاركة معارفه وخبراته مع الآخرين لا سيما طلاب الجامعات الذين يتخصصون في مجالات تتعلق بالشأن العام. لذلك لا يمكن الانطلاق من مبدأ المساواة من أجل تبرير السماح لأفراد الهيئة التعليمية في المدارس الرسمية من المشاركة في عضوية المجلس البلدي لا سيما وأن مبدأ المساواة كما أكده المجلس الدستوري في العديد من قراراته لا يطبق إلا على الذين يوجدون في الأوضاع القانونية نفسها. فالتعليم الجامعي يختلف عن التعليم في المدارس الرسمية ليس فقط من الناحية القانونية كما ظهر أعلاه لكن يختلف عنه لجهة غايته كون تعليم طلاب المدارس من شأنه منحهم الأدوات المعرفية الأساسية والعامة من أجل تطوير قدراتهم الثقافية، بينما التعليم الجامعي يهدف إلى التخصص المهني بغية تمكين الفرد من المساهمة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.   

مخاطر تعزيز الزبائنية 

لا شك أن الأستاذ في المدرسة الرسمية يؤدي خدمة مهمة وهو غالبا ما يحظى باحترام المجتمع المحلي الذي ينظر إليه بوصفه قدوة ومثالا. فالتعليم بكل أشكاله يتضمن دائما جانبًا أخلاقيًا من شأنه حثّ الطلاب على الاهتمام بالصالح العام والدفاع عنه ما يعني أن الأساتذة يتمكنون من التأثير على الرأي العام ويلعبون دورًا مهما في توجيه الخطاب العام. وفي ظل المنحى المتصاعد لإفراغ القرى من سكّانها بسبب تضاؤل فرص العمل وعدم بقاء سوى المتقاعدين وعدد قليل من السّكان، فإنّ أساتذة المدرسة الرسميّة الذي يقطنون فعليًا في قراهم قد يشكّلون عنصرًا فعّالًا وقيمة مضافة لا بدّ من الاستفادة منها في العمل البلدي. لذلك تشكّل مشاركتهم في الانتخابات البلدية كمرشحين فرصة من أجل وضع خبراتهم وعلاقاتهم الاجتماعية المتعدّدة التي تمكنّوا من نسجها محليًا في خدمة الشأن البلدي.

لكن هذه الحقيقة لا تصح إلا في حال كان الأستاذ يمارس وظيفته في مدرسة رسمية تقع ضمن نطاق بلديته كون العديد من الأساتذة يتم تعيينهم في مدارس بعيدة عن قراهم أو في المدن. فالدور الاجتماعي الفعال الذي يلعبه الأستاذ قد لا يكون متعلقا بالشؤون المحلية لبلديته، لا بل أن هذا الأستاذ قد يكون قد انفصل عن مكان قيده الرسمي وانتقل للاقامة في مدينة أو قرية مختلفة ما يعني أن دوره كأستاذ لا يبرر منح استثناء قانونيا للمشاركة في عضوية بلدية لا علاقة له بها إلا من الناحية الشكلية.

من جهة أخرى لا يمكن تحليل هذا الاقتراح بمعزل عن الواقع السياسي المهيمن على مختلف مؤسسات الدولة في لبنان. فالتعيين في التعليم الرسمي يخضع في العديد من الأحيان لاعتبارات تتحكم بها الزبائنية والتبعية للأحزاب السياسية المهيمنة على المجتمع، ما يعني أن فتح باب عضوية المجلس البلدي لأفراد الهيئة التعليمية في المدارس الرسمية قد يكون وسيلة من أجل تعزيز نفوذ هذه الأحزاب والسماح لها بمكافأة المخلصين لها عبر تأمين مواقع لهم داخل البلدية. لكن لا بدّ من التمييز في هذا الإطار بين فئة الأساتذة الذين دخلوا إلى الملاك عبر المباراة التي ينظمها مجلس الخدمة المدنيّة والأساتذة المتعاقدين. إذ إنّ الامتحانات التي يخضع لها طالبي التوظيف واختيار عدد قليل منهم حسب الحاجة يحدّ بشكل كبير من التدخل السياسي في عمليّة التوظيف. بينما فئة الأساتذة المتعاقدين في التعليم الرسمي هي الأكثر إشكاليّة نظرًا إلى أنّها تفتح المجال بشكل كبير للتوظيفات السياسيّة. وعلى الرغم من أن الاقتراح يمنع على الأساتذة شغل منصب رئيس البلدية كون هذا الأخير يتقاضى مخصصات من صندوق البلدية (خلافا لعضوية البلدية) لكن ذلك لا يؤدي إطلاقًا للحدّ من الزبائنية لأن رئيس البلدية يكون عادة من الوجهاء المتنفذين وأصحاب الثروات الذي لا يحتاج إلى شغل وظيفة أستاذ في مدرسة رسمية. 

في الخلاصة، يتبين أن هذا الاقتراح يقوم بتطبيق مبدأ المساواة بشكل لا يستقيم دستوريا وهو قد ينطوي على نتائج ايجابية في حال كانت مشاركة أفراد الهيئة التعليمية في المدارس الرسمية وسيلة من أجل تعزيز مشاركة العناصر الفاعلة في المجتمع المحلي في إدارة شؤون البلدية علما أن ذلك لا يكفي من أجل استبعاد احتمال الاستخدام الزبائني لهذا الاقتراح من أجل تحقيق أهداف سياسية من خلال تمكين الأساتذة المحسوبين على الأحزاب المهيمنة على البلدية من ترشيح أنفسهم إلى عضويّة مجلسها. وتجدر الإشارة إلى أن الاقتراح جرى تقديمه بعد انتهاء الانتخابات البلدية ما يعني أنه في حال إقراره سيتم تطبيقه بعد ست سنوات أو في الانتخابات البلدية الفرعية إذا تم حل بعض البلديات.

حوار قصير مع النائب إدكار طرابلسي حول اقتراح القانون المقدّم من كتلته 

أجرى المرصد البرلماني حوارًا مقتضبًا مع النائب إدكار طرابلسي، وهو أحد الموقعين على اقتراح القانون، الذي أشار عند سؤاله عن توقيت تقديم الاقتراح الذي يأتي بعد الانتخابات البلديّة إلى أنّ مسألة ترشيح الأساتذة طرحت أثناء تقديم الترشيحات في الانتخابات البلديّة الماضية، حيث بادر أحد الأساتذة إلى مساءلة الكتلة عن سبب عدم السماح له ولزملائه من المشاركة في العمل البلدي فيما هم شريحة مثقفة ومتعلّمة ولا بدّ من تمكينهم من ذلك أسوة بزملائهم في الجامعة اللبنانيّة. وقد دفع ذلك الكتلة إلى تحضير اقتراح قانون لكنها لم تتمكن من إنجازه إلّا بعد حصول الانتخابات البلديّة. 

وعن إمكانيّة استغلال الجهات السياسيّة للأساتذة من خلال توظيفهم في التعليم الرسمي ومن ثمّ ترشيحهم لعضويّة البلديّات، اعتبر النائب طرابلسي أنّ الأساتذة هم الأكثر ابتعادًا عن التوظيف السياسي نظرًا للشروط الصارمة التي ترافق دخولهم الوظيفة من خلال مجلس الخدمة المدنيّة، معتبرًا أنّ مسألة المتعاقدين هي إشكاليّة أخرى، وأنّ التوظيف السياسي منتشر في كلّ الدولة إلّا في التعليم. وسأل طرابلسي من هو الذي يستحقّ أكثر من أستاذ المدرسة الرسميّة المشاركة في العمل البلدي، مشيرًا إلى أنّه يجب البحث عن الفساد في البلديات عند المهندسين والمقاولين والتجار الذين يستميتون للدخول إلى عضويّة البلديّات وينفقون أموالًا طائلة في الحملات الانتخابيّة من أجل ذلك، لا عند الأساتذة الذين يريدون فقط خدمة قراهم.