أربعة اقتراحات دستوريّة لخفض سن الاقتراع: حقوق الأجيال الشابة بين المناورات الحزبية والحقوق السياسية

نيقولا غصن

08/12/2025

انشر المقال

شهد المجلس النيابي في الآونة الأخيرة تقديم أربعة اقتراحات تتعلّق بتعديل المادة 21 من الدستور التي تحدد سنّ الاقتراع بواحد وعشرين سنة. 

أول اقتراح كان بمبادرة منفردة من النائب علي حسن خليل بتاريخ 11 تشرين الثاني 2025، ثمّ عاد النائب حسن خليل وقدّم الاقتراح نفسه بتاريخ 4 كانون الأول 2025 ولكن بمشاركة تسعة نواب إضافيين هم علي عمّار وميشال موسى وقاسم هاشم وأمين شرّي وحسن فضل الله وجهاد الصمد وغازي زعيتر ورامي أبو حمدان وجميل السيّد. ويهدف هذا الاقتراح الدستوريّ إلى خفض سن الاقتراع كي تصبح 18 سنة. ويبرّر النائب خليل ضرورة هذا التعديل في الأسباب الموجبة للاقتراح مُعتبرًا أنّ "تخفيض سنّ الاقتراع يشكّل خطوة إصلاحيّة باتجاه تعزيز المشاركة السياسيّة، وتجديد الحياة الديمقراطيّة، وتوسيع قاعدة التمثيل الوطني". كما أشار إلى أنّ عمر الثامنة عشرة "هو المعتمد في معظم الديمقراطيّات المعاصرة" معتبرًا أنّ الشباب في عمر الثامنة عشرة في لبنان باتوا "يتحمّلون واجبات ومسؤوليّات عدّة، منها الخدمة العامّة والجامعيّة والعمل المهنيّ". وأشار النائب حسن خليل أنّ "توسيع المشاركة الشعبيّة يعزّز شرعيّة المؤسسات الدستوريّة، ويساهم في تحقيق عدالة التمثيل". وقد أشار في النهاية أنّ المجلس النيابي قد أبدى في أكثر من مناسبة "استعداده لمناقشة هذا التعديل، ويأتي هذا الاقتراح ليضع الصّياغة الدستوريّة المناسبة وفق الأصول". 

أما الاقتراح الثالث فقد جرى تقديمه من سبعة عشر نائبًا بتاريخ 20 تشرين الثاني 2025 وهم أمين شري وفؤاد مخزومي وحليمة القعقور وبلال الحشيمي وأحمد الخير وبولا يعقوبيان وفيصل الصايغ ومارك ضو وياسين ياسين وجميل السيد وملحم خلف وراجي السعد وطه ناجي وفريد البستاني وإبراهيم منيمنة والياس جرادة وإيهاب مطر. ويعمد هذا الاقتراح إلى استبدال كلمة وطني الواردة في المادة 21 بكلمة مواطن كما إلى تخفيض سنّ الاقتراع إلى 18 سنة، بحيث يصبح نصّ المادة كالآتي :" لكل مواطن لبناني يبلغ من العمر ثماني عشرة سنة كاملة حقّ في أن يكون ناخبًا على أن تتوفر فيه الشروط المطلوبة بقانون الانتخاب". 

وبعد خمسة أيام تم تقديم اقتراح رابع في 25 تشرين الثاني، من النائب إيهاب مطر الذي كان قد وقّع على الاقتراح الثالث. ويرمي هذا الاقتراح بدوره إلى تخفيض سنّ الاقتراع إلى ثماني عشرة سنة إلّا أنّه يعدّل أيضًا المادة بإضافة عبارة "مواطنة لبنانية" على المادة مع إجراء التعديلات اللازمة لتأنيث باقي عبارات المادة.

وفيما يخصّ الأسباب الموجبة للاقتراحين الثالث والرابع، فإنهما يلتقيان في بعض التبريرات، لا سيّما لجهة تحمّل اللبنانيين الذين تجاوزوا سنّ الثامنة عشرة المسؤوليات القانونيّة المترتّبة عليهم لا سيما جزائيًّا. إذ أشار الاقتراح الثالث إلى تناقض يراه بين تحديد سن الاقتراع ب21 سنة والمادة 214 من قانون الموجبات والعقود "التي تتضمن تمتع الفرد بكامل المسؤوليّة المدنيّة"، وبالتالي يكون من غير الجائز حرمان الذين بلغوا سن الثامنة عشرة من الاشتراك في الحياة السياسيّة للبنان من خلال الانتخابات. وقد شدد هذا الاقتراح على أنّ التناقض في هذه المسألة يتّضح في "إمكانيّة مشاركة المواطن في الحياة السياسيّة، الحزبيّة والنقابيّة والتطوّع في المؤسسات والأسلاك العسكرية، وإمكانيّة تولّيه الوظائف الإداريّة، إلّا أنّه يحرم مع ذلك من إمكانيّة الاقتراع".

أما اقتراح ايهاب مطر فيشير في الأسباب الموجبة إلى أن الشباب "في عمر التاسعة عشرة يبدأون في المشاركة الفاعلة والناجعة في الانتخابات في الجامعات" وأنّ جيل الشباب الذي تخرّج من المدارس الثانويّة "على معرفة ودراية كاملة بالدستور اللبناني وبالسلطات الثلاث في الدولة اللبنانيّة، وفي عدد من القوانين لا سيما ما يتعلّق بالحقوق والواجبات، وتحديدًا الحقّ في انتخاب السلطة التشريعيّة، التي يمثّل كلّ نائب فيها الأمّة جمعاء، وذلك من خلال مادّة التربية المدنيّة التي أصبحت مادّة إلزاميّة في المدارس اللبنانيّة".

جرّاء ما تقدّم، لا بدّ من إبداء الملاحظات التالية على هذه الاقتراحات لا سيما وأن تزامن توقيت تقديمها يشي بوجود اعتبارات سياسية تقف خلفها: 

اقتراحات لتعديل الدستور تخالف الأصول الدستورية

لا بدّ من التوقف أولا على مخالفة اقتراح علي حسن الخليل في صيغته الأولى للمادة 77 من الدستور التي تحدّد أصول التعديل عندما يتمّ ذلك بمبادرة من مجلس النوّاب إذ لا بد أن يتمّ ذلك خلال عقد عادي للبرلمان وأن يتم توقيع اقتراح التعديل من عشرة نوّاب "على الأقلّ"، وهو شرط غير متوفّر في اقتراح النائب علي حسن خليل الذي يحمل توقيعه فقط، ما دفع على الأرجح هذا الأخير إلى تدارك الأمر من خلال إعادة تقديم الاقتراح مع تسعة نوّاب آخرين.

وعلى الرغم من أن الأمانة العامة لمجلس النواب قامت بتسجيل الاقتراح الأوّل الذي وقّعه علي حسن خليل منفردًا. إلا أنه ليس بإمكان مكتب المجلس وضعه على جدول أعمال أيّ جلسة عامة من أجل مناقشته نظرًا لمخالفته الأصول المحدّدة في المادة 77 من الدستور، ما يعني أنّ الاقتراح الثاني فقط والذي يحمل توقيع عشرة نواب يمكن عرضه على الهيئة العامة.

والملاحظة نفسها تنطبق على الاقتراح الرابع المقدم من النائب ايهاب مطر منفردا إذ لا يجوز طرحه على مجلس النواب كون طلب التعديل لا يحمل توقيع عشرة نواب. وبالتالي يمكن القول أن الاقتراحين اللذين يحترمان الأصول الدستورية ويقبلان المناقشة هما فقط الاقتراحين الثاني والثالث فقط. 

مضمون واحد واختلافات شكلية

من الملاحظ أن جميع هذه الاقتراحات تتفق على تخفيض سنّ الاقتراع من 21 إلى 18 سنة لكنها تختلف فقط من حيث صياغة النص. وإن كان الاقتراح الثالث يستبدل التعبير القديم "وطني لبناني" بالتعبير الحديث بحيث يصبح النص "لكل مواطن لبناني"، يتبين أن الاقتراح الرابع يدخل تعديلا يتخطى مجرد الصياغة اللغوية إذ هو يجعل نص المادة 21 وفقا للتالي: "لكل مواطن لبناني أو مواطنة لبنانية". 

ولا شك أنّ لهذا التعديل دلالات حقوقية إذ هو يعمد إلى التشديد على دور المرأة في المجتمع وعلى عدم شمول كلمة "مواطن" بصيغة المفرد المذكر لكل اللبنانيين من خلال الحرص على تضمين النص إشارة صريحة أيضا للمواطنة اللبنانية. 

وللتذكير، فإنّ عبارة "وطني لبناني" كما وردت في نص المادة 21 دار حولها نقاش في المجلس التمثيلي الذي تولى مناقشة وإقرار الدستور، حيث برز حولها اعتراض من النائب يوسف الخازن في جلسة 20 أيار 1926 الذي طالب باستبدالها بعبارة "لكل لبناني ولبنانيّة حق في الانتخاب" لكن هذا التعديل رفضته أكثريّة أعضاء المجلس.

ومن اللافت أن النائب الخازن كان قد أبدى الاعتراض نفسه حول المادة 12 التي تنص أنّ "لكل لبناني الحق في تولي الوظائف العامة"، حيث اقترح أيضا استبدال العبارة ب "لكل لبناني ولبنانية" إلّا أنّ هذا الطرح لم يوافق عليه المجلس.

وعلى الرغم من أن تعبير "المواطن" بات يفهم منه مع مرور الوقت على أنه يشمل النساء والرجال (خلافا على ما يبدو لما كان قائما سنة 1926 عندما لم تكن المرأة تتمتع بحق الاقتراع) لكن تكريس ذلك من شأنه التنبيه إلى ضرورة احترام المساواة الجندرية، على أن ينسحب ذلك على باقي المواد التي تستخدم مصطلح "لبناني" من أجل تبني معايير موحّدة في صياغة النص الدستوري الواحد.  

مطلب محقّ يصطدم تكرارا بحسابات سياسية

ليست المرّة الأولى التي يشهد فيها المجلس النيابي تقديم اقتراحات من أجل خفض سنّ الاقتراع إلى 18 سنة. وكان آخر اقتراح قدّم في هذا الشأن في عام 2023 وقد حمل آنذاك توقيع عشرة نواب من كتلة حزب الله حصرًا، فيما كانت الولاية السابقة للمجلس النيابي (2018-2022) شهدت تقديم اقتراح في الموضوع عينه حمل توقيع تسعة نواب من كتل مختلفة. إلّا أنّ أيًّا من هذين الاقتراحين لم يحمل توقيع نائب ينتمي إلى الكتل المسيحيّة الممثلة في المجلس النيابي، ما عكس استمرار الشرخ الحاصل على مستوى الطبقة السياسيّة في هذا الشأن والذي بات يتّخذ شكلا طائفيا ويدلّ على تريّث النوّاب من الطوائف المسيحيّة على المضي في تعديل سنّ الاقتراع ظنًّا منهم أنّ من شأن ذلك أن يعمّق اختلال التوازن الطائفي وأن يؤثّر عليهم سلبًا في انتخابات ما يزال للعامل الطائفي فيها وازنًا جدًا.

ولا بدّ من التذكير مجدّدًا بأنّ اقتراحًا يرمي إلى تخفيض سنّ الاقتراع إلى 18 سنة كان قد صوّت عليه المجلس النيابي بغالبيّة الثلثين عام 2009 وعملت الحكومة على إعداد مشروع قانون تعديل دستوري بشأنه عملًا بالأصول الدستوريّة لكنّه لم يحصل على أكثريّة الثلثين في التصويت الثاني داخل المجلس عام 2010، وهو المجلس الذي كان منتخبًا حديثًا عام 2009. وقد ربط بعض النواب حينها بين خفض سنّ الاقتراع وتصويت المغتربين الذي لم يكن متاحًا بحسب قانون الانتخابات الذي كان معمولًا به حينها.

يعكس هذا الربط بين سنّ الاقتراع وتصويت المغتربين المنطق السائد في النظام السياسي اللبناني حيث يتمّ رهن الحقوق السياسية دائما بالتوازنات بين الأحزاب الطائفية المهيمنة على مجلس النواب.  وعلى الرغم من أن الواقع القانونيّ قد تغيّر لجهة تكريس حقّ اللبنانيين غير المقيمين بالاقتراع في الخارج عملا بقانون الانتخابات الصادر سنة 2017، لكن المنطق السياسي لا يزال على حاله بسبب استمرار سيطرة الأحزاب نفسها على الحياة السياسية في لبنان.    

إلّا أنّ حق المغتربين بالاقتراع عاد ليشكّل مسألة خلافيّة بسبب إمكانية حصر تصويتهم في انتخابات 2026 بستة نواب من ضمن دائرة انتخابية مخصّصة لهم في الخارج فقط بدلًا من السماح لهم بالتصويت لنواب في دوائرهم الانتخابية داخل لبنان. وما يزيد من تعقيد المسألة تمنّع رئيس الكتلة السياسيّة التي ينتمي إليها النائب علي حسن خليل، أي رئيس مجلس النواب نبيه برّي، عن طرح اقتراحات القوانين المختلفة ومشروع القانون الذي أعدته الحكومة في هذا الشأن على الهيئة العامة لمجلس النواب ما يهدّد العمليّة الانتخابيّة في الاغتراب برمّتها بسبب الشوائب المتعددة التي تعتري قانون الانتخاب النافذ لجهة استحداث المقاعد الاغترابيّة. 

ويخشى أن يكون الاقتراح المقدّم من النائب حسن خليل أقرب إلى مناورة سياسيّة منه إلى مبادرة تشريعيّة جديّة. وما يعزز مخاوفنا في هذا الخصوص هو توقيته، طالما أنه يأتي ضمن سلسلةٍٍ من الاقتراحات الإشكاليّة والتي تقدّم بها مؤخّرًا النائب نفسه وهدفت جميعها إلى إدخال تعديلات في النظام الانتخابي من شأنها تهديد التوازن السياسي القائم بين أحزاب السلطة، لا سيّما اقتراح جعل لبنان دائرة انتخابيّة واحدة واقتراح إنشاء مجلس شيوخ، الأمر الذي يتخذ مباشرة بعدا طائفيا يسهل استغلاله من قبل تلك الأحزاب نفسها للتجييش السياسي قبيل الانتخابات.

محاولة لإخراج تعديل سنّ الاقتراع من البازار السياسي

من اللافت أن المناورة السياسية التي أطلقها النائب علي حسن خليل لاقت ردا مناسبا في الاقتراح الثالث الذي حمل توقيع عدد من النواب المسيحيين هم بولا يعقوبيان وملحم خلف وراجي السعد والياس جراده وفريد البستاني. ويؤمل من هذا الاقتراح أن يُخرج التعديل الدستوري من البازار السياسيّ والمناكفات التي تأخذ طابعًا طائفيًّا وتجعل هذه المبادرة أكثر شموليّة عبر نقل النقاش من مقاربة تقوم على التخويف من الاختلال الديمغرافي إلى مقاربة حقوقية تسعى إلى تعزيز الحقوق السياسية للمواطنين وتشجيع انخراط الشباب في الحياة الديمقراطية.

وإذا كان الاقتراح الثالث يحمل توقيع نواب ينتمون إلى  كتلة التيار الوطني الحرّ وكتلة الإشتراكي، إلّا أنّه جاء خاليا من توقيع أيّ من نوّاب كتلة القوات اللبنانيّة التي تقدم نفسها بوصفها الكتلة المسيحية الأولى في مجلس النواب، ما يطرح تساؤلات حول موقفها من هذه المبادرة ويشي بإمكانية تحولها إلى أداة للتحريض الطائفي أو حتى لإحراج الخصوم من الكتل المسيحية الأخرى. 

إن متابعة تطور الصراع السياسي بين أحزاب السلطة على اختلافها يظهر بشكل واضح كيفية مقاربته لمسألة حقوقية جوهرية كسنّ الاقتراع إذ هي تعمد دائمًا إلى تحويل المبادرات التشريعية إلى فرصة من أجل إثارة جدالات طائفية خدمة لمصالحها. فبدل أن يتمحور النقاش السياسي على البرامج الانتخابية التي تخص حقوق المواطنين الاجتماعية والاقتصادية، تعمد هذه الأحزاب قبيل الانتخابات دائما إلى حرف النقاش كي تطغى عليه الصراعات الطائفية العقيمة عبر تأجيج الخلافات بخصوص قانون الانتخابات.

وإذ يحيل المرصد البرلماني مجددا إلى تعليقه حول الاقتراح الدستوري الذي جرى تقديمه سنة 2023، لكنه يسجّل أن هذه المسألة يتم دائما استخدامها في التراشق السياسي بين الكتل النيابية من أجل تحسين موقعها التفاوضي الذي لا يهدف فعليا إلى تعزيز مشاركة اللبنانيين في الحياة الديمقراطية لكن إلى عقد تسويات سلطوية تضمن لها فوزها في الانتخابات. فالنقاش الذي سيستعرّ بين الجهات التي تدّعي احتكار تمثيل الطوائف حول هذا التعديل الدستوري لن يكون الهدف منه تعزيز الحقوق السياسية للبنانيين بل تأمين وقود إضافي كي يستمرّ المحرك الطائفي لتلك الأحزاب في العمل. من هنا أهمية الاقتراح الثالث الذي يحاول تحرير النقاش من هيمنة المصالح السياسية لأحزاب السلطة عبر إثبات أن التشريع يمكن أن يكون دافعه فعليا تعزيز القواسم المشتركة بين اللبنانيين دفاعا عن الصالح العام الذي يجمع بينهم.